الحريري انسحب… هنيئاً للاحتلال الإيراني!

عبد الوهاب بدرخان – النهار

الابتعاد عن السياسة، لوقت مستقطع، غالباً ما يكون فرصة للتصحيح، أمّا الإنكفاء من دون خطة فهو وصفة للذهاب الى المجهول. ومما يُقال، في اللحظة الراهنة، أن تعليق الرئيس #سعد الحريري عمله السياسي وعدم مشاركته و”تيار المستقبل” في الانتخابات، إذا أجريت، يضعفان الاعتدال “السنّي” أو “الوطني” أمام موجات التطرّف والشعبوية المذهبية، أو يخلّان بالتوازن في النظام الطائفي اللبناني. لم ينظر الذين هندسوا التحالف بين “حزب #إيران/ حزب الله” و”التيار العوني” الى هذا الاعتدال على أنه قيمة وطنية ينبغي التمثّل بها أو الحفاظ عليها. لذا اختارا التطرّف، كلٌّ في طائفته. ولو كان المكوّنان المسيحي والشيعي حريصَين على العيش المشترك وتوازن النظام لما وظّفا تحالفهما، ولا يزالان، لمحاربة المكوّن السنّي، سواء بتعريض الدولة للانهيار (تعطيل البرلمان، وفرض الشغور الرئاسي شرط ترئيس ميشال عون) لإخضاعه سياسياً، أو بالإرهاب (مسلسل الاغتيالات الذي استهدف أيضاً منع أي تحالف سيادي عابر للطوائف).




كثرت الأسئلة أخيراً، في مواكبة محنة سعد الحريري، عن “الحريرية السياسية” ومصيرها، ولم يتأخّر “حلفاء الشؤم” في تحميلها أوزار الأزمة الشاملة التي غرق فيها لبنان. يفاخر الحليفان (“حزب إيران” و”التيار العوني”) بأنهما استطاعا أخيراً اخراج “الحريرية” من المشهد السياسي، إذ إن جهدهما المتضافر منذ 2011 تمكّن من “تطفيش” الحريري الابن، وقبل ذلك كان أتباع النظام السوري عملوا لإقصاء الحريري الأب وصولاً الى اغتياله. في الحالَين، لم يستطع أحد وصم “الحريرية” بأنها بلاء أو مشروع خراب للبنان، بل كانت محاولات مستمرة لتجنيد العلاقات العربية والدولية في الإعمار ودعم الاقتصاد. وفي الحالَين، شكّلت “الحريرية” للاحتلال السوري ووريثه الاحتلال الإيراني هدفاً ينبغي القضاء عليه، ليس لأن وراءها رجلاً غير مرغوب فيه، بل لأنها فكرة تنموية تنقض سيطرتهما على البلد ومشروع يخاطب “وحدةً وطنيةً” يخشاها أي احتلال.

اعترف سعد الحريري بأن التسويات التي عقدها، مضطرّاً، أو عملاً بروح “وفاق الطائف”، لم تحقّق الأهداف التي توخّاها، وأهمها الحفاظ على الدولة وتعزيز مكانتها. أراد التسوية لترئيس عون طريقاً للوصول الى “مشروع سيدر” استباقاً للأزمة الاقتصادية، لكن “حزب إيران” كان سبقه الى استرهان رئيس الجمهورية و”تياره”، ومن خلالهما استرهان الدولة وخياراتها وقراراتها. لم يكن ممكناً للحريري كرئيس للحكومة أن ينجح في منظومة حُكم يصرّ طرفاها الآخران على دفع البلد الى الهاوية. وإذا كان انسحابه من المشهد تحمّلاً لمسؤولية الفشل، فإن الآخرين سيمضون في “النجاح” الذي يعتقد “تيار باسيل” أنه يؤهّله لرئاسة “جمهورية جهنم”، أما “حزب الاحتلال” فيراه تتويجاً لإقصاء السعودية والعرب عن لبنان.

هذا يطرح مجدّداً مسألة البدائل. فالسؤال عمّن يكون البديل من الحريري لا جواب عنه لدى الحلفاء المحليين، أو لدى العرب الذين دفعوه الى التنحّي. أما الخصوم المبتهجون والشامتون فإنهم يتهيّأون لترفيع النكرات التي يستزلمونها لملء الفراغ وتوظيفها في إخضاع طائفتهم، تمثّلاً بتجربة ميليشيات إيران في العراق واليمن. والأكيد أن تخريب الكيان اللبناني وتدميره وعدم السماح بنهوضه وإفشال أي خطّة للتعافي ستظل أهدافاً ثابتة لـ “حزب الاحتلال”، فهنيئاً له ولإيران التي لا تستطيع أن تكون بديلاً من السعودية ودول الخليج.