“لا يزال قويا”.. خطة داعش للعودة في سوريا والعراق

على مدار الأشهر الماضية، تصاعدت العمليات المعقدة للخلايا النائمة التابعة لتنظيم داعش في سوريا والعراق، مما أسفر عن مئات القتلى.

منذ الجمعة، شن التنظيم الإرهابي هجوما كبيرا على سجن غويران في مدينة الحسكة، هو الأكبر منذ سقوط “الخلافة” المزعومة في 2019.




ويعتبر سجن غويران هو الأضخم بين عشرات المنشآت التي تديرها قوات قسد والتي تحتجز مقاتلي داعش، حيث ويضم السجن أكثر من 3000 نزيل بينهم قادة وشخصيات تعتبر من أشدهم خطورة.

وفاجأ حجم الهجوم قوات سوريا الديمقراطية، كما يشير إلى أن مقاتلي التنظيم الذين كان يُعتقد أنهم هُزموا إلى حد كبير، ربما أعادوا بناء قدرات قتالية أكثر تقدمًا مما كان معروفًا في السابق، بحسب صحيفة واشنطن بوست.

وبحسب التقارير الصحفية، فقد هاجم أكثر من مائة من عناصر التنظيم، يحملون مدافع رشاشة ثقيلة ويستقلون عربات مفخخة، السجن بهدف تحرير رفاقهم. كما تم تفجير سيارة مفخخة قرب مخزن مواد بترولية لتشتيت الانتباه ما خلف حريقا ودخانا كثيفا في الهواء طوال يومين. واستخدموا القناصين والقنابل اليدوية والأحزمة الناسفة.

قال مظلوم عبدي، القائد العسكري الأعلى لقوات سوريا الديمقراطية، الجمعة، لوكالة أسوشيتبرس إن تنظيم داعش حشد “معظم الخلايا النائمة” لتنظيم الهروب من السجن.

وتزامن مع هذا الهجوم، هجوم على معسكر للجيش العراقي في محافظة ديالي، مما أسفر عن مقتل 11 عسكريا، في أكبر هجوم للتنظيم بالعراق منذ أشهر.

وتثير هذه الهجمات تساؤلات عن وضع الحالي للتنظيم بعد 5 سنوات من القضاء على “خلافته” المزعومة في العراق، و3 “سنوات” من هزيمة في سوريا وقتل زعيمه أبو بكر البغدادي في 2019.

“تعافي قدرات التنظيم”

يرى الباحث في الجماعات المتطرفة، أحمد سلطان، أن تنظيم داعش “تتعافى قدراته العملية بصورة واضحة ويظهر ذلك في نوعية وطريقة الهجمات التي ينفذها خلال الفترة الأخيرة “.

لكن سلطان أكد في حديثه لموقع “الحرة” أن هجمات التنظيم لم ترتفع، بل انخفضت في عام 2021 بمعدل يقترب بـ15% مقارنة بإحصائيات عام 2020 والتي نشرها داعش. وأشار إلى أن التنظيم ينفذ 30 هجوما أسبوعيا وهو متوسط ضعيف إلى متوسط، لأنه في الغالب ينفذ من 50 – 60 هجوما أسبوعيا، وأرجع ذلك لتركيزه على التخطيط لهجمات منسقة وكبيرة

وأوضح أن التنظيم أصبح الآن أقوى بشكل واضح مما سبق مقارن بعام 2019 عندما خسر “خلافته”، مرجعا ذلك إلى استفادته من الخلافات الموجودة بين المكونات السياسية في سوريا والعراق .

وذكر سلطان أن التنظيم لديه نحو عشرة آلاف مقاتل، مشيرا إلى أن خلاياه تتحرك في المناطق الحدودية بين العراق وسوريا وفي مناطق البادية في البلدين .

بحسب تقرير للأمم المتحدة نشر في فبراير 2021، فإن “تنظيم الدولة الاسلامية يحافظ على وجود سري كبير في العراق وسوريا ويشن تمرداً مستمراً على جانبي الحدود بين البلدين مع امتداده على الأراضي التي كان يسيطر عليها سابقا”.

وقال التقرير إن “تنظيم الدولة الاسلامية ما زال يحتفظ بما مجموعه عشرة آلاف مقاتل نشط” في العراق وسوريا.

وفي يوليو الماضي، وصف المسؤولون الأميركيون تنظيم داعش في العراق بأنه “تضاءل”، مشيرين إلى أنه يقود ما لا يقل عن 8000 مقاتل في جميع أنحاء العراق وسوريا خلال الوقت الراهن، وهو بعيد كل البعد عن 34000 مقاتل من المحتمل أن يكون لدى الجماعة الإرهابية خلال أوج قوتها. في الوقت ذاته، تضاءلت موارد التنظيم المالية، بحسب موقع “صوت أميركا”.

وقال ميجور جنرال جون دبليو برينان، قائد قوة المهام المشتركة في عملية “العزم الصلب”: “رغم هزيمتها عسكريا، ما زالت داعش تشكل تهديدا وجودياً للمنطقة.. بسبب قدراتها التي تدهورت بشدة.. فإن بقاء داعش مستقبلا يعتمد على قدرته على إعادة تعبئة صفوفه من خلال محاولات تفتقر للتخطيط”. مثل هجوم سجن غويران.

وذكر التحالف أنه يحلل الوضع لتحديد ما إذا كان التنظيم ما زال يخطط لهجمات أخرى من هذا القبيل في سوريا والعراق، بحسب وكالة أسوشيتبرس.

من جانبه، قال الباحث في الجماعات المتطرفة، حسن أبو هنية، إن التنظيم “لا يزال قويا، رغم هزيمته في 2019″، مشيرا إلى أنه تم القضاء على مشروعه بنهاية “دولته وسيطرته على الأرض”.

وذكر أبو هنية في حديثه لموقع “الحرة” أن داعش عاد منذ هزيمته إلى العمل كتنظيم ويشن هجمات في سوريا واعراق دون محاولة السيطرة على الأرض، ولفت إلى أنه يملك نحو 10 آلاف عنصر نشط ونحو 20 ألف كخلايا نائمة.

وأكد أن عمليات التنظيم في الفترة الأخيرة أصبحت أكثر تعقيدا تعتمد على سيارات مفخخة وانتحاريين وهجوم بالأسلحة الثقيلة بدلا من العبوات الناسفة وعمليات الاغتيال، مضيفا أنه أصبح يعتمد على استراتيجية “حرب العصابات”.

انخفاض الهجمات

وبحسب تقرير لمركز ويلسون، نُشر في ديسمبر الماضي، فإن تنظيم داعش لا يرال يمثل قوة قاتلة نشطة للغاية في الشرق الأوسط، لا سيما في المناطق الريفية في العراق وسوريا.

واستنادا إلى البيانات الواردة في دورية “النبأ” التابعة للتنظيم، كان هناك عدد أقل من الهجمات في العراق هذا العام مقارنة بالعام الماضي. في عام 2020، أعلن التنظيم الإرهابي مسؤوليته عن 110 هجمات في المتوسط و207 ضحايا شهريًا، بينما أعلن في عام 2021 عن وقوع 87 هجومًا و149 ضحية شهريًا في المتوسط.

أما في سوريا، فالتنظيم أكثر نشاطا في وسط الصحراء السورية التي يسيطر عليها النظام في الغالب وفي شمال شرق سوريا الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية، حيث البيئة الأمنية والسياسية المعقدة، بحسب مركز ويلسون.

كما انخفضت الهجمات في سوريا أيضًا وفقًا لتقارير النبأ. في عام 2020، أعلن التنظيم مسؤوليته عن ما معدله 45 هجومًا و 95 ضحية شهريًا في سوريا، بينما أعلن في عام 2021 عن 31 هجومًا و 74 ضحية في المتوسط.

لكن وفقا للمحللين جريجوري ووترز وتشارلي وينتر، فقد أعلن التنظيم مسؤوليته عن 25 في المائة فقط من الهجمات المنسوبة إليها من قبل جهات فاعلة محلية في عام 2020، مما يشير إلى وجود نمط متعمد – وغير طبيعي – لتقليل العدد، ربما كجزء من استراتيجية لترسيخ وجودها في المنطقة دون جذب الكثير من الاهتمام.

أما فروع التنظيم في مصر وليبيا فهي أقل نشاطا، فقد أعلنت “ولاية سيناء” في عام 2020، مسؤوليتها عن ما معدله 16 هجومًا و 40 ضحية شهريًا في سيناء، بينما أعلن في عام 2021 عن 9 هجمات و 17 ضحية في المتوسط.

مع ذلك، وفقًا للأمم المتحدة، فإن تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء “يتمتع بالمرونة” ويضم ما بين 500 و1200 مقاتل.

القيادة والتمويل

أما عن قيادة التنظيم، يري مركز ويلسون أن داعش، نجح في الانتقال بشكل “جيد” من أبو بكر البغدادي، للقائد الجديد أمير محمد سعيد عبد الرحمن المولى أو ما يٌعرف ب”أبو إبراهيم القرشي”.

ويرجع ذلك جزئيًا إلى استراتيجية اللامركزية في الحركة والعودة إلى حرب العصابات، وهي الاستراتيجية التي وضعها البغدادي قبل مقتله، وبالتالي لم يضطر المولى إلى إعادة توجيه الجماعة بأي طريقة دراماتيكية، بحسب المركز الأميركي.

وبالنسبة مصادر تمويل التنظيم حاليا، أكد سلطان أن خلال فترة سيطرة داعش على أجزاء واسعة من سوريا والعراق جمع أموال طائلة قد تصل لـ300 مليون دولار، بحسب تقديرات لجنة الجزاءات في مجلس الأمن، مشيرا إلى أن هذه الأموال تكفيه للاستمرار وتنفيذ عمليات لفترة طويلة.

بالإضافة إلى الضرائب على التجار والطرق والشركات في أماكن من سوريا والعراق، وحصول على الفديات في عمليات الخطف، وشبكات التهريب وتجارة السلاح، بحسب سلطان.

وأكد مركز ويلسون أن التنظيم قادر على نقل الأموال من خلال نظام الحوالة والعملات المشفرة عبر مراكز في تركيا وأماكن أخرى. كما يدر عائدات جديدة من خلال التهريب والابتزاز والنهب والفدية.

في سوريا، على سبيل المثال، يُعرف مقاتلو الدولة الإسلامية بسرقة الأغنام في مناطق سيطرة النظام وتهريبها إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية أو عبر الحدود إلى العراق، حيث تُباع في أسواق الماشية.

وأشار إلى أن هذا النوع من الضربات لن يولد تدفقات نقدية هائلة للمسلحين، لكن احتياجاتهم من الإنفاق أقل بكثير اليوم مما كانت عليه عندما سيطرت الجماعة على مساحات شاسعة من الأراضي.

 هل سيعود للسيطرة؟

يرى خبراء في الهجوم الأخير على سجن “غويران” في الحسكة مرحلة جديدة في عودة ظهور التنظيم، خاصة أنه اعتمد على استراتيجية “هدم الأسوار” التي تعتمد على مهاجمة السجون لمساعدة أنصاره في الهروب، كما حدث في عام 2013 قبل سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من سوريا والعراق في 2014.

ويرى الباحث في معهد “نيولاينز” في واشنطن نيكولاس هيراس في تصريح لوكالة فرانس برس أن تنظيم الدولة الإسلامية “يحتاج إلى مزيد من المقاتلين”.

وأضاف أن “الهروب من السجون يمثّل أفضل فرصة لداعش لاستعادة قوته وسلاحه، وسجن الغويران صيد ثمين بسبب اكتظاظه”.

تضم السجون الواقعة في المناطق الواسعة التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا نحو 12 ألف جهادي من نحو خمسين جنسية، وفق السلطات الكردية.

وأكد الباحث أحمد سلطان أن هجوم الحسكة لافت فقد استطاع التنظيم تنفيذ الهجوم بصورة منسقة عبر 4 محاور، وتهريب بعض قيادته. وأشار إلى أن “النصر المعنوي والدعائي الذي حازه التنظيم يكفيه للترويج له”، وتوقع أن يخرج قائد التنظيم في تسجيل ويعلن عن العملية كما فعل أبو بكر البغدادي بعد مهاجمة التنظيم في السجون في 2011.

وذكر أن هذه الهجمات تأتي ضمن حملة استراتيجية حرب الاستنزاف التي يعتمد عليها التنظيم، ويعول عليها في استنزاف خصومه وإنهاك قواتهم، ثم يقوم بحملة حسم وسيطرة على الأرض وإعلان ولايات داعشية من جديد، مشيرا إلى أن هذه العملية قد تستغرق 3 سنوات.

ويعتقد أبو هنية أن التنظيم لا يريد في الفترة الحالية استعادة الأرض والسيطرة عليها؛ لأن ذلك سيجعله مكشوفا أم طائرات التحالف الدولي، مؤكدا أنه يعتمد على استراتيجية السيطرة على بعض المدن لفترة قصيرة ثم الانسحاب منها.