مؤشّر مكافحة الفساد: لبنان الأسوأ تاريخياً.. وزارة الطاقة نموذجاً

تجرّ الأزمة المستمرة لبنان نحو تسجيل المزيد من المؤشرات السلبية التي تصعّب خروجه من الأزمة، وتقدّم للمجتمع الدولي دلائل إضافية على عدم رغبة السلطة السياسية في إجراء الإصلاحات. ويُعَدُّ مؤشر مدركات الفساد الذي تُعدّه منظمة الشفافية الدولية، أحد الدلائل، إذ يتنقّل لبنان من مرتبة إلى أسوأ. وقد حصد للعام 2021 “أدنى درجة يحققها على المؤشر تاريخياً”.

تراجع في الترتيب
وفي التقرير السنوي الذي يصنّف 180 دولة حسب المستويات المتصورة لفساد القطاع العام فيها على مقياس من صفر (فاسد للغاية) إلى 100 (نزيه للغاية)، إحتل لبنان المركز 154 من أصل 180 دولة وحصل على معدّل 24 على 100. وكان قد احتلّ المركز 149 في العام 2020 والمركز 138 في العام 2019.

عربياً، تصدّرت الإمارات الترتيب، تبعتها قطر ثم السعودية فسلطنة عُمان، فالأردن، تونس، الكويت، البحرين، المغرب، الجزائر، مصر، جيبوتي، موريتانيا، لبنان، العراق، جزر القمر، السودان، ليبيا، اليمن، الصومال وسوريا التي حصدت المرتبة 178 عالمياً بمعدّل 13 على 100. وفي المقلب الآخر، حصلت الدنمارك وفنلندا ونيوزيلندا على معدّل 88 من أصل 100، فتصدّروا بذلك الترتيب العالمي.




إقرار القوانين
لم يكن مُستَغرباً وصول لبنان إلى هذا المستوى. فما تغيَّر منذ العام 2019 ليس بسيطاً، وبالتوازي، لم تقم السلطة بإجراءات إصلاحية لتدارُك الانهيار، برغم إقرارها الكثير من القوانين التي تكافح الفساد، لكن كلّها بقيت حبراً على ورق.

الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية–لا فساد، وهي الفرع اللبناني من منظمة الشفافية الدولية، رأت في مؤتمر صحافي لإطلاق التقرير السنوي، أن “سلسلة القوانين الخاصة بمكافحة الفساد التي أقرها مجلس النواب، كقانون استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد، أو ما يعرف بالأموال المنهوبة، وقانون تعديل قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، وقانون مكافحة الفساد في القطاع العام، وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، قانون حماية كاشفي الفساد.. لم تطبّق بشكل فعّال، ما يُبرز ضرورة أن يقر مجلس الوزراء المراسيم التطبيقية الخاصة بها لتسيير تنفيذها”. وعدم الإقرار يعني بأن “تطبيق الإطار القانوني لمكافحة الفساد ما زال يشكّل تحدياً كبيراً في ظل عدم وجود الإرادة السياسية لمكافحة الفساد في القطاع العام”.
أيضاُ، على مستوى قانون الشراء العام “فهو يشكّل نقلة نوعية لجهة حوكمة المناقصات العمومية وصرف المال العام، إلا أنه من الضروري استتباع هذا القانون بخطوات متعددة لتعزيز الضمانات ضد أي فساد قد يحصل ضمن إجراءات الشراء”.
ولتعزيز الشفافية في ملف الشراء العام، أكدت الجمعية ضرورة “جمع وتحليل معلومات أصحاب الحقوق الاقتصادية للشركات، أي من الذي يملك فعلاً الشركات المتعاقدة مع الدولة”. وثمّنت الجمعية أهمية “إشراك هيئات المجتماع المدني في الرقابة على إجراءات الشراء واعتماد أقصى معايير الشفافية ضمن إجراءات الشراء عبر تطبيق اختبار المصلحة العامة على المعلومات المستثناة من النشر، وعدم اعتماد الاستثناءات المطلقة، وذلك تطبيقاً لأحكام الدستور اللبناني والتزامات الدولة اللبنانية الدولية في هذا المجال”.
على أن ضمان حسن تنفيذ القوانين وإتيانها بنتائج إيجابية مرهون “بضمان استقلالية القضاء عبر العمل على إقرار عصري يضمن استقلالية القضاء كسلطة مستلقة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية كما جاء في الدستور، على أن لا يتضمّن القانون أية أحكام غامضة، عن قصد او غير قصد، للالتفاف على هدف القانون في ضمان استقلالية القضاء”.

ملفات أخرى
تطرّقت الجمعية إلى ملفات حسّاسة يشوبها الفساد، أهمها ملف ترسيم الحدود البحرية الذي يعاني من “غياب الشفافية”. ولذلك، على الحكومة اللبنانية أن تعتمد “أقصى معايير الشفافية بما يتعلّق بعملية الاستكشاف في البلوك رقم 4 عبر نشر المحتوى غير الخاضع للاستثناء، بحسب قانون الحق في الوصول إلى المعلومات في التقرير الذي قدّمته شركة توتال والكونسورتيوم حول نتائج الحفر”.
على صعيد قطاع الطاقة، من المفترض “نشر جميع المستندات الواجب نشرها حكماً، بالاستناد إلى الفصل الثاني من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات”. ووزارة الطاقة لا تقوم بنشر ما يتوجّب عليها من معلومات. ففي مؤشر أعدّته الجمعية “حول التزام بعض الوزارات في نشر المعلومات التي يوجب القانون نشرها دون طلبها كجميع العمليات المالية التي تفوق قيمتها 50 مليون ليرة وسندها القانوني كالعقد، نالت وزارة الطاقة والمياه 8.33 بالمئة فقط”. أما وزارتيّ الشؤون الاجتماعية والصحة فالتزمتا “بنسبة 25 بالمئة”.
الفساد المستمر عرقل أيضاً التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت، ما دفع الجمعية إلى التأكيد على “ضرورة العمل على تسيير التحقيق في هذه القضية بشكل فوري وصولاً إلى المحاكمة تحقيقاً للعدالة”. أما في معالجة الانهيار الاقتصادي والمالي، فالحل يبدأ من “إقرار خطة التعافي وتنفيذها بما يضمن حقوق المودعين والتوزيع العادل للخسائر”.

مؤشرات إيجابية
على الرغم من ضبابية المشهد وسوء الوضع الحالي “هناك العديد من الفرص والمقومات المتوفرة التي يمكن للبنان الاستفادة منها للخروج من الأزمات المتلاحقة، كالانتخابات النيابية التي تطرح اليوم علامات استفهام حول عدالتها وشفافيتها. وهناك استعداد المجتمع الدولي لتقديم الدعم المادي والتقني لمساعدة اللبنانيين واللبنانيات على النهوض مجدداً بالاقتصاد وتحقيق الاصلاح على كافة المستويات. بالإضافة إلى إطار الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار الذي أنشأته كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، لمساعدة اللبنانيين واللبنانيات على تخطي آثار انفجار مرفأ بيروت في العام 2020 والذي من شأنه أن يشكّل عامل ضغط لحث الحكومة على الالتزام بكافة الاجراءات الدستورية للاستجابة الفورية للأزمات المتعددة”.

وخلصت الجمعية إلى أن “لا إصلاح ولا نمو اقتصادي ولا خطة تعافي دون شفافية ومكافحة فساد وذلك عبر اتخاذ قرار واضح وصريح من الدولة لمكافحة الفساد في القطاع العام”.



المدن