أين موسكو من “اعتزال” الحريري وماذا طلب جنبلاط؟

عماد مرمل – الجمهورية

قرار الرئيس سعد الحريري بتعليق العمل في الحياة السياسية والعزوف عن الترشح الى الانتخابات سيترك حُكماً تداعيات على الساحة الداخلية الهشّة والرخوة. ولكن انكفاء رئيس تيار»المستقبل» سيكون له أيضاً وَقعه في بعض الاوساط الدولية التي ربطته بها صلات سياسية وثيقة، كروسيا التي عُرفت بدعمها له.




من المعروف انّ علاقة ممتازة كانت تربط موسكو بآل الحريري، منذ ايام الحريري الأب الذي بنى جسورا قوية مع روسيا، وصولا الى الحريري الابن الذي مشى فوق تلك الجسور وحظي بمعاملة خاصة لدى الكرملين، حيث التقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرات عدة، متجاوزا بعض الأحيان البروتوكول عندما كان يجتمع به وهو خارج سدة رئاسة الحكومة اللبنانية.

واهتمام موسكو بالعلاقة مع سعد الحريري لم يكن نابعا فقط من رصيد والده لديها، على أهمية هذه المسألة، بل هو انطلق بالدرجة الأولى من مقاربتها لموقع بيت الحريري ودوره في معادلة التوازنات اللبنانية عموما وفي البيئة السنية خصوصا، إذ ان الكرملين كان ينظر إلى رفيق ثم سعد كصمّام امان للاعتدال السني وسط محيط يتصاعد فيه التطرف.

وليس خافياً انّ موسكو تعتبر ان التطرف المتمثّل في الحركات التكفيرية والمتشددة انما يشكل احد المخاطر الاستراتيجية لأمنها القومي الذي دفعها الى التدخل العسكري في سوريا للدفاع عن اراضيها ومصالحها الاستراتيجية في مواجهة الإرهاب العابر للحدود.

والى حين صدور موقف روسي رسمي حيال اعلان الحريري عن انسحابه من الحياة السياسية وامتناعه عن الترشح الى الانتخابات النيايية المقبلة، يؤكد المطلعون ان موسكو لا تحبذ انكفاءه، وانها كانت تفضل بقاءه في مجلس النواب والمعترك السياسي خشية من أن يملأ المتطرفون في الوسط السني الفراغ الذي سيتركه.

ويلفت زوار موسكو الى انه سبق لهم ان سمعوا من وزير الخارجية سيرغي لافروف تشديده على أن مواجهة التطرف الديني في منطقة الشرق الأوسط تعزز الحاجة إلى وجود قيادات معتدلة في كل الطوائف اللبنانية. وضمن السياق، يكشف هؤلاء انّ الممثل الشخصي للرئيس الروسي ومساعد وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف قال عن الحريري في إحدى المرات انه يمثل الاعتدال السني، معتبراً ان بيت الحريري منذ ايام رفيق حتى مرحلة سعد يَرمز الى هذا الاعتدال في الساحة الاسلامية.

سياسي لبناني آخر تحرص موسكو على استمرار التواصل معه، على رغم التباينات بينهما خلال السنوات الأخيرة، هو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي زار العاصمة الروسية الاسبوع الماضي بعد انقطاع طويل دام نحو أربعة اعوام.

واذا كانت الازمة السورية هي العامل الأساسي الكامن خلف البرودة بين المختارة والادارة الروسية في الآونة الأخيرة، فإنّ جنبلاط سمع من لافروف وبوغدانوف أنّ تلك الازمة متشعّبة جداً ولم تعد قصة نظام ومعارضة او مسألة تتعلق بمصير شخص (في إشارة الى الرئيس بشار الأسد)، بل هي باتت أبعد من ذلك بكثير بفِعل الحضور الأميركي والايراني والتركي والخليجي على مسرح النزاع، «وبالتالي فإنّ تعارض المصالح الدولية يؤخر الحل في سوريا».

ومع ان المؤشرات العامة توحي أنّ أزمات المنطقة معقدة، الا انّ الروس لمّحوا الى بشائر انفراجات ممكنة، مرجّحين ان تفضي مفاوضات فيينا في نهاية المطاف إلى اتفاق حول النووي الإيراني مهما كانت العراقيل، لأن ليس لواشنطن وطهران بديلا من هذا الاتفاق.

اما داخلياً، فإنّ جنبلاط عرض التحديات والظروف السياسية والاقتصادية التي تواجه الواقع اللبناني، لكن ما كان لافتاً هو توقفه أمام مضيفيه الروس عند الوضع المعيشي الصعب الذي يعانيه الجيش اللبناني بفعل الازمة المالية، داعياً موسكو الى مساعدته ودعمه «خصوصاً انه المؤسسة الضامنة للأمن في مواجهة الإرهاب والحامية للاستقرار الداخلي إزاء اي تهديد»، ومؤكداً انه «من الضروري ان تبقى معنويات عناصره وضباطه مرتفعة حتى يواصلوا تأدية المهمات الوطنية الملقاة على عاتقهم في هذه المرحلة المثقلة بالاعباء والصعوبات».

وبالنسبة الى الانتخابات النيابية التقى الجانبان على ضرورة حصولها في وقتها، علماً ان لافروف شدد على وجوب انتظام الاستحقاقات الدستورية من نيابية ورئاسية في موعدها، وضمن إطارها الديموقراطي والسلمي، داعياً القوى الداخلية إلى تفادي التوتير.