مغادرة الحريري المسرح السياسي يتلقّفها “حزب الله” كهدية

أحمد عياش – النهار

ليس السؤال عن “#حزب الله” في مناسبة مغادرة الرئيس #سعد الحريري المسرح السياسي، من باب الترف الإعلامي، بل هو آتٍ من عمق الازمة التي يواجهها لبنان منذ عقود، كما واجهها الرئيس الحريري نفسه قبل 17 عاما. حسنا فعل زعيم “تيار المستقبل” عندما خاطب أنصاره الذين توافدوا الى “بيت الوسط” قائلا: “أنا أعلم أن هذه الأيام صعبة، ولكن هذا البيت سيبقى مفتوحا لكم ولكل اللبنانيين. رفيق الحريري لم يُستشهد لكي نغلق بيتنا”. فلبنان، الذي أعاد الرئيس الراحل إعماره بشرا وحجرا، سيبقى تواقا الى ان يجد بيوت من لهم صلة به مفتوحة على الدوام، وفي مقدمها بيت نجله الزعيم السياسي.




في ذروة نجاحات سعد الحريري، والتي تمثلت ب#الانتخابات النيابية عام 2009، وقف ليعلن يداً مفتوحة لمن كان في ذروة إخفاقاته، أي “حزب الله”. وما زال هذا السلوك، أي سياسة اليد المفتوحة للتعاون مع الحزب، والتي تبنّاها الرئيس الحريري، مدار جدل حتى اليوم. لكن الامر وقد اصبح من الماضي، مثّل هدية ثمينة للحزب، تلقّى الحريري في مقابلها قبضة كالمطرقة انهالت بصورة قمصان سود أقصته أعواماً عن لبنان بدءا من عام 2011.

وها هو اليوم الرجل نفسه، وفي ذروة إخفاقاته، من خلال الإعلان عن الانسحاب من الحياة العامة في لبنان قبل الحديث عن إخلائه موقعه في الحياة السياسية، يبدو وكأن هذا السلوك من حيث التوقيت يأـتي في ذروة إمساك الحزب بمقادير البلاد. وفي المقارنة، تصرّف الحريري في عزّ انتصاره بانفتاح كامل على “حزب الله”. لكن الأخير وفي ذروة “انتصاره” يتصرّف بإذن صماء بالكامل حيال مغادرة الحريري.

مَن تابع في الأيام الأخيرة ردود الفعل، وجد ان الحزب، من خلال المواقف الرسمية او من خلال وسائل إعلامه الرسمية، كاد ان يقول ان مغادرة الحريري الحياة السياسية شأن لا يستحق الاهتمام. كيف لا، والحزب كان منهمكا ولا يزال حتى أذنيه بتطورات اليمن التي تأتي منها يوميا الانباء غير السعيدة حول ما يحلّ بالحوثيين هناك؟

يقول وزير سابق لـ”النهار” ان مغادرة الحريري على النحو الذي يحصل الآن، تعني ان الصوت السنيّ في الانتخابات النيابية في أيار المقبل، سيكون مشرذما الى أبعد حدود. وهذا التشرذم سيكون في مصلحة “حزب الله” بعد تنحّي مَن كان يمثل وحيدا الى حد ما هذا الصوت. وسيظهر مفعول هذا التشرذم في مناطق انتخابية عدة، لاسيما في بيروت والجبل والبقاع.

قد تكون هناك فترة من الزمن ستمرّ قبل الانتخابات تتيح إعادة تقييم نتيجة تنحّي الحريري. ولكن حتى تظهر معطيات تبدِّل اتجاهات التحليل الذي يعطي الحزب ما يمكن وصفه بـ”الهدية” التي نالها من مغادرة رئيس “التيار الأزرق” المعترك الداخلي، لا بد من تسجيل ملاحظات مبكرة على ما يعنيه إنسحاب الحريري وتأثيره على القوى التي وضعت نصب أعينها، “القوات اللبنانية” تحديدا، تعديل ميزان القوى في برلمان 2022 مقارنة ببرلمان 2018، الذي تباهى بالأكثرية فيه قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني الجنرال الراحل قاسم سليماني. وأول الغيث على هذا الصعيد، ما أوردته مقدمة النشرة المسائية لقناة “او تي في” التلفزيونية التابعة لـ”التيار الوطني الحر” السبت الماضي بقولها: “لا يزال الغموض يكتنف مواقف سائر الحلفاء السابقين للحريري، وأبرزهم القوات اللبنانية، التي لا تزال تلوذ بالصمت، علما أن خروج تيار المستقبل من السباق يؤثر سلبا على وضعيتها الانتخابية في عدد كبير من الدوائر، كزحلة وعكار والبقاع الشمالي والشوف وعاليه”.

كتب الدكتور سعود المولى يقول: “الغريب أن كوادر ونخب الجماعة السنّية اللبنانية وعلى رأسها تيار المستقبل، لا تقيم وزنًا ولا تعير أهمية لحقيقة أن أزمتها سببها الثورة المضادة التي قادتها السعودية وأبو ظبي ضد الربيع العربي وأفرزت هذا الوضع العربي المأسوي المتردي من مصر إلى ليبيا إلى سوريا إلى تونس إلى السودان إلى اليمن، وأن هذا الانهيار والتمزق وغياب السقف العربي الحاضن والداعم تاريخيًا لدور السنّة في لبنان، هو ما أجبر الحريري على سياسة التسوية والتنازلات.

لا يعني هذا الكلام تبرير سياسات الحريري وخياراته بل وضعها في سياقها الحقيقي وتبيان أن عجزها هو ابن العجز العربي وأن نتائجها الكارثية مسؤول عنها الراعي الإقليمي.
أما القشّة التي قصمت ظهر البعير، فهي تخلّي فرنسا ماكرون أيضًا عن الحريري بعد تمثيلية المبادرة الفاشلة، وقرارها بأن الحريري لم يعد من أركان المعادلة الجديدة. والحال أن ماكرون عاد إلى سياسة سلفه ساركوزي في فرض صيغة المثالثة لمصلحة الشيعية السياسية التي يرى فيها حليفًا مضمونًا أكثر.

إذاً تخلى العرب وفرنسا عن الحريري. وهذا هو مأزق الحريرية السياسية. فهي قامت على سقف خليجي مصري فرنسي ولم تعمل على بناء قوة حقيقية وتحالفات متينة، بل على محاولة النجاة باللعب على الوقت وتقديم التنازلات، ناهيك عن تغليب المصالح المالية والتجارية للمنتفعين النهّابين من حاشية المقربين الشركاء المتضامنين مع باسيل. فمن الطبيعي أن تسقط الحريرية السياسية بسقوط هذا السقف فوق رأسها وانكشاف المنهبة الكبرى التي ضربت اللبنانيين وكانت هي شريكتها. ولا يصلح العطار ما أفسده الدهر”.

هذا الاستشهاد بنصّ الدكتور المولى، هو من اجل فتح نقاش وليس لإطلاق أحكام مؤيدة او رافضة. فما يحصل في لبنان في مرحلة ربما هي الأكثر دقة منذ اتفاق الطائف عام 1989، يستدعي إطلاق العنان للبحث عن المصير الذي يتجه اليه لبنان أقله هذه السنة.

*تلقّينا من الدكتور سعود المولى توضيحا لبعض ما ورد في زاوية “في منتهى الجد” السبت الماضي تحت عنوان “الشيعية السياسية وداعا”، الآتي نصه: “إن المحاضرة التي ألقاها الشيخ محمد مهدي شمس الدين في معهد العالم العربي بالتنسيق مع السفير رينه ألا، ليست هي الوصايا، بل هي من روح الوصايا، لأن الوصايا سجّلها الشيخ بصوته على دفعات وحتى قبل بضعة أيام من وفاته”.