نيويوركر: غزو أوكرانيا مرتبط بمحاولة بوتين الحفاظ على السلطة وسيقود لكارثة دموية

نشر موقع “نيويوركر” مقالا لديفيد ريمنيك قال فيه، إن علاقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع أوكرانيا مرتبطة بالحفاظ على السلطة. وقال إن بوتين يقدم نفسه لمواطنيه والعالم على أنه حامل راية المقاوم للتنوير. فقد أعلن قائلا “إن الديمقراطية الليبرالية أصبحت شيئا من الماضي” وأنها ترتيب سياسي “استنفذ غرضه”.

ويقال إن واحدا من أمثلته التاريخية التي يتخذها قدوة هو الكسندر الثالث، القيصر الرجعي من عائلة رومانوف الذي فرض قيودا تعسفية على الإعلام وحاول “روسنة” إمبراطوريته التي تعيش فيها أعراق متعددة وتعبئتهم ضد المخاطر الداخلية والخارجية.




وعبر بوتين في زيارة له قبل 4 أعوام إلى شبه جزيرة القرم ، التي احتلها وضمها عام 2014، عن إعجابه الشديد بالقيصر هذا .

ومرة أخرى يستعد بوتين لغزو أوكرانيا. وتضم أسلحته معدات عسكرية ثقيلة وبرمجيات خبيثة ودعاية. وآخر مرة غزا فيها استخدم أقوى ما لديه من قدرة على التخفي واعتمد على “الرجال الخضر الصغار” من القوات الخاصة، حيث كانوا بمثابة غطاء في ساحة الرأي العام وهو يسيطر على سيمروبول ويالطا وسيفتسابول. واليوم يريد حرف الغرب وتشتيت تفكيره ويدفعه للتصديق أن دونستيك وخاريكيف ولوهاسنك في منطقة الشرق الصناعية وحتى العاصمة كييف، بأنها في مرمى هدفه. وعلى مدى أسابيع أرسل نوابه ووسائله الدعائية تصريحات متناقضة، ففي مرات نفوا فيها أية نية للغزو، وفي مرات تعمدوا المبالغة في نيته بمنع أكبر تمدد غربي منذ نهاية الحرب الباردة.

وحفلت صحيفة “أريغوميني فاكتي” بعنوان “الناتو هو سرطان: هل علينا معالجته؟”. وكتب المحلل العسكري كونستانتين سيفوكوف بـ “ليتراتيونيا غازيت” قائلا “يجب على روسيا اتخاذ الخطوات غير التقليدية، والقاسية منها، ولو لم نفعل فإن “شركاءنا” قد يعتقدون أن باستطاعتهم مسح أقدامهم على أرض روسيا”. وتساءل المحلل عن إمكانية صناعة رؤوس قادرة على “ضرب يلوستون بارك” (في وايومينغ – أمريكا) أو “بدء تسونامي بموجات على ارتفاع مئات الأمتار تسحق كل شيء في طريقها”. ويعلق الكاتب أن قلة من القادة استفادوا من الغموض مثلما استفاد بوتين. ولم يكن يعرف مسؤولو الدعاية وجماعات المصالح ولا قادة الأمن بماذا يفكر وما هي خطوته القادمة. لكن رؤيته العامة واضحة: الحفاظ على سلطته.
فكضابط تدرب في وكالة الاستخبارات السوفييتية سابقا (كي جي بي)، يستطيع بوتين شم التهديدات وفي أكثر من مكان، ويعرف جيدا تاريخ التحديات التي تواجه سلطة الكرملين.

ويعرف أنه في منتصف 25 آب/أغسطس عام 1968 وبعد 4 أيام من تحرك الاتحاد السوفييتي إلى تشيكوسلوفاكيا لسحق حركة الإصلاح التي عرفت بربيع براغ قام 8 من مثقفي موسكو بالخروج إلى الساحة الحمراء ورفعوا لفترة قصيرة يافطات كتب عليها شعارات “من أجل حريتكم وحريتنا”. ومدت الشاعرة ناتاليا غوربانفيسكايا يدها إلى عربة طفل وأخرجت منها علما تشيكيا. ولم تستغرق هذه اللحظة المعادية للاتحاد السوفيتي، كما قال تقرير للجنة المركزية للحزب الشيوعي إلا مدة وصول كي جي بي إلى الساحة وضرب المحتجين واعتقالهم.

لكن الاحتجاج السريع ترك تداعياته العميقة، فقد قال فاديم ديلوني، أحد متظاهري الساحة الحمراء في المحكمة إن “الدقائق الـ 5 التي عاشها في حرية” كانت تستحق كل الضرب وحكم السجن الذي كان متأكدا من صدوره عليه. ولم يكن يعرف كما كان مصيبا. وكانت هناك عدة أسباب دفعت ميخائيل غورباتشوف لاقتراح عملية الإصلاح التي عرفت بغلاسنوست أو بيريسترويكا، منها أن تراجع اقتصاد البلد والعزلة الثقافية والعلمية والتدخل العام في الأيديولوجية الشيوعية. فحركة المعارضة التي اتخذت من تظاهرات الساحة الحمراء كمصدر إلهام، مع أنها لم تكن بأعداد كبيرة، كانت مولدا قويا للتفكير الحر والإمكانية. وبحلول الثمانينات من القرن العشرين وجد ميخائيل غورباتشوف، وهو الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، نفسه مضطرا لتوجيه التحية لزعيم الحركة أندريه ساخاروف. وتعلم غورباتشوف درسا واحدا: وهو أن الجماهير لا تخرج إلى ساحة عامة تطالب بمزيد من الاستبداد. وفي استعراض أيار/مايو عام 1990، سارت مجموعات مدنية أمام قيادة الحزب الشيوعي التي تجمعت فوق قبر لينين وعبرت عن مظالمها بشعارات مثل “يسقط المكتب السياسي، ارحل” و “تسقط الإمبراطورية والفاشية الحمراء”. وبعد عام ونصف تفكك الاتحاد السوفييتي، وهو حادث وصفه بوتين بأنه “أعظم كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين. ومنذ ذلك الوقت اعتبر أي نوع من المعارضة والتظاهرات مثل تلك في موسكو وفي ساحة بولوتانيا في عام 2011 أو الدول الأخرى التي كانت جزءا من الفلك السوفيتي مثل جورجيا وأوكرانيا وبيلاروسيا وكازخستان كنوع من بلاغات النعي.

وتحول بشكل متزايد إلى فيلسوف حول كيفية فرض الحكم الديكتاتوري. وعادة ما يأتي الفرض بطرق وحشية، ففي آب/أغسطس 2020 قامت قوات أمن بوتين باستخدام غاز أعصاب نوفيتشوك لتسميم المعارض أليكس نافالني، أهم معارض للنظام. وعندما نجا نافالني اعتقلته السلطات وبعد محاكمة تشبه عالم الروائي كافكا سجنته في معسكر قرب مدينة فلاديمير.

وأصبحت الانتخابات مهزلة والمحاكم صورية والبرلمان ألعوبة بيد بوتين. وتم التخلص من الصحافيين والناشطين الذين لا فائدة منهم للنظام بالقتل، السجن أو المنفى. وليس بشكل جماعي كما كان الأمر في عهد ستالين ولكن بطريقة كافية تحد من الحياة العامة. وضايقت السلطات منظمات حقوق الإنسان ومنظمات إعلامية مثل “ميدوزا” و “تلفزيون رين” ووصمتها بالعمالة الأجنبية. وفي الوقت نفسه أجبرت المنظمات التذكارية المكرسة للحقيقة على الإغلاق. ولدى بوتين مهارة في استغلال مكامن ضعف ونفاق وأخطاء معارضيه. ويلعب بالأوراق الضعيفة لتحقيق أقصى قدر من الفائدة. وفي هذا الوقت فورقته الكبيرة هي اعتماد أوروبا على الغاز الروسي ومحاولة زعزعة استقرار الديمقراطيات في الخارج وتحديدا الولايات المتحدة.

وأثلجت رئاسة دونالد ترامب والتمرد في 6 كانون الثاني/يناير والخروج من أفغانستان صدره. وكذا إيمان ملايين من أبناء الدولة التي تقدم نفسها على أنها “منارة العالم الحر” بأن الرئيس الحالي وصل إلى البيت الأبيض عبر تزوير في الانتخابات أو سرقتها كما يزعم ترامب وأنصاره. ومن السهل خوض حرب دعائية مع عدو منقسم ومحطم معنويا وخائف من النزاع الأهلي. وأوكرانيا هي بلد من 40 مليون نسمة، وهو مستقل عن روسيا منذ 3 عقود. ويعاني البلد من مشاكله الداخلية الخاصة به: الفساد والانقسام السياسي، لكن الجيل الأوكراني الجديد ولد في مناخ سياسي وثقافة أقل استبدادا وأكثر من نظرائهم في روسيا. وليس مؤكدا إن كان بوتين سيغزو أوكرانيا، لكن ما هو أكيد أن أي محاولة لغزو البلد سيقود إلى مقاومة وكارثة دموية.