الحريري.. مبشراً السنّة بالتكفير والهجرة

ساطع نور الدين – المدن

ربما، الصدفة وحدها هي التي جمعت بين حدثين لبنانيين بارزين، لا يمكن الفصل بينهما بسهولة، الأول هو نزول “نبي” جديد، يستفز، برغم خفته وجنونه، الافتاء السني في لبنان، والثاني هو ظهور الرئيس سعد الحريري الذي يقوض، برغم ضحالته وهجرته، كل ما بناه السنة اللبنانيون على مدى عقود طويلة.




مفارقة التزامن بين الحدثين، تحيل الى إشكال جدي تواجهه الطوائف الاسلامية، التي يخرج من صفوفها مدعي نبوة، ليملأ، وبشكل كاريكاتوري، ما يبدو له أنه فراغ ديني-روحي يعانيه مسلمو لبنان..والتي يعود الى ربوعها مدعي سياسة ليبلّغ، بأسلوب محيرّ، قراره المفاجىء بأن يعتزل، ويبشر أتباعه أن الوقت قد حان ل”التكفير والهجرة”.

ولا مجازفة في القول أنهما دعوتان لتهجير المسلمين من الدين ومن السياسة، الاولى تعطل إنتظاراتهم الدينية، والثانية تنهي إنتظاراتهم السياسية، وتحيلهم الى السؤال عن الحاجة الى معاقبة “النبي” المزعوم، بغير السخرية التي يستحقها، وعن حجة المرسل السياسي في تكبد عناء السفر من أبو ظبي الى بيروت، ليذيع رسالة مخيبة كان يمكنه أن يبثها عبر الاثير، أو على الانترنت، من دون أن يكلف جمهوره المزيد من الإحباط.

مع هذين الرجلين اللذين ظهرا في وقت واحد، ربما حان الوقت لإختبار مصداقية التحذير الذي أطلقه مختلف الخبراء والباحثين العرب والاجانب على مدى سنوات من خطورة الفراغ في قيادة الطائفة السنية اللبنانية بالذات، وآثاره المدمّرة على مستقبل لبنان، التي يمكن أن تفوق مخاطر إضمحلال قيادة الطائفة المارونية، ومخاطر تغول قيادة الطائفة الشيعية.

والتهديد لا يأتي فقط من تفكك ظاهرة الاعتدال السني، الديني والسياسي، التي كان الراحل رفيق الحريري يمثلها ويقدم نموذجاً ناجحاً لدوامها، ومواجهتها لمظاهر تشدد وعنف نجا منها لبنان حتى الآن، بل أيضاً من النداء الذي يبدو أن سعد الحريري يحمله معه هذه المرة، ويمهد لخروج السنة من السياسة وتكرار تجربة المسيحيين في تسعينات القرن الماضي، بالمقاطعة، التي إنتهت الى الفشل.

لم يعد مهماً قرار سعد الحريري بالتنحي وبتنحية تيار المستقبل من المعارك الانتخابية المقبلة، على ما فيه من إنهزام وإستسلام. فقد كان المفترض، أن تعقب إعلان إعتزال العمل السياسي، على هذا النحو الغريب، توصية تحدد أو تلمح الى إسم الوريث، أو الورثة، الذين يمكن ان يستوعبوا هذا الجمهور الاكثري، حتى الان على الاقل، ويتولوا قيادته الى طاولة التفاوض مع بقية الطوائف. أما أن تقفل أبواب “نادي الغولف” الذي يضم رؤساء الحكومات السابقين، وتسد نوافذ البحث عن بدائل من خارج هذا النادي، فذلك ما يعادل وضع الناخبين السنة رهائن في يد الشيعة والمسيحيين، ووضع الطائفة كلها رهينة إنتظار طويل حتى ولادة قيادات شابة، من رحم ثورة 17 تشرين، التي لم يتحمس لها السنة أصلاً ولم يشاركوا في معظم وقائعها، بل شعروا أنهم كانوا ضحيتها ودفعوا أغلى الاثمان نتيجتها.

والحال أن إعتزال الحريري وتياره، هو اليوم أشبه ما يكون بعقبة إضافية توضع في طريق السنّة، وفي طريق عودتهم في المستقبل المنظور الى مركز السياسة اللبنانية. ولعله دقيق الاعتقاد بان ثمة قراراً إماراتياً(وسعودياً) يغامر بالاستقرار اللبناني، مثلما غامر بإستقرار دول عربية متعددة، ويعبر عن الاستعداد لتقديم السنة اللبنانيين كهدية لخصومهم الشيعة والموارنة، وعن الاستسلام لفكرة أن لبنان بات نهائياً في فلك إيران وجزءاً من محورها الإفتراضي.

من اللحظة التي عاد فيها سعد الحريري، خلسة الى بيروت من مهجره الاماراتي، دخلت الطائفة السنية في مخاض عسير، لا يقارن بالمخاضات التي يواجهها الشيعة والموارنة اليوم، والتي تدور في جوهرها حول الانتقال السياسي بين الورثة والمقلدين، بينما هي لدى السنة معركة بناء زعامات وخيارات سياسية مختلفة تماما، عن كل ما ساد، حتى منذ ما قبل إغتيال الحريري.