السلطات اللبنانية تلاحق “مدعي النبوة” وسط ضجة بلغت دولا أخرى

انشغل اللبنانيون منذ أيام، في خضم أسوأ أزمة اقتصادية يشهدونها في تاريخهم المعاصر، بأخبار “مدعي النبوة” الذي اشتهر فجأة على مواقع التواصل الاجتماعي، وشرعت السلطات الأمنية في ملاحقته بناء على بلاغين قدما بحقه، أحدهما من دار الفتوى التي تعتبر نفسها المدافعة عن القيم الإسلامية في المجتمع.

اشتهر  نشأت منذر، الذي لم تعرف جنسيته بشكل رسمي، ويعرف عن نفسه باسم “الحكيم نشأت مجد النور”، خلال أيام قليلة، وتعدت حدود لبنان لتصل إلى مصر وسوريا وغيرهما من الدول، فيما حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بأخباره والسخرية منه ومن أفكاره، وهي شهرة عززها تبني المنجمة اللبنانية الشهيرة كارمن شماس، له ولادعاءاته.




وعلى حد سواء، غصت مواقع “يوتيوب” و”فيسبوك” و”تويتر”، بالتعليقات التي اعتبرت نشأت منذر مثيرا للضحك، أو سخرت من أقواله وتهديداته، كالتي أطلقها ضد المصريين متوعدا إياهم بزلزال سيكون بمثابة “غضب من السماء” جزاء لهم على استهزائهم به.

بالنسبة إلى نشأت منذر، الذي يزعم ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أنه كان يعمل طبالا في إحدى الفرق الموسيقية بلبنان، فإن تطورات قضيته منذ الأمس لم تعد مضحكة، حيث بدأت السلطات الأمنية في لبنان إجراءات ملاحقته وقد يجري اعتقاله بين لحظة وأخرى، بتهم من بينها ازدراء الأديان.

لم يكن نشأت منذر، الذي يقول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي إنه مصري الجنسية ومقيم في لبنان منذ سنوات عدة، معروفا بين اللبنانيين، إلى أن ظهر في مقطع مصور مشترك مع كارمن شماس على صفحتها الرسمية على “يوتيوب”، ما ساهم في انتشار ادعاءاته حيث تتمتع شماس – وهي منجمة لها العديد من الكتب حول قراءة الأبراج – بشهرة كبيرة ويتابعها عشرات آلاف الأشخاص عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي منذ نحو عقدين من الزمن.

والآن، يقول الإعلامي الحقوقي علي الموسوي إن “هناك إخبارين (بلاغين) مقدمين إلى النيابة العامة التمييزية، الأول مقدم من دار الفتوى، باعتبارها تمثل الطائفة الإسلامية، وهناك إخبار آخر من رجال دين ومحامين لتحريك دعوى الحق العام ضد مدعي النبوة، حيث توجد في قانون العقوبات اللبناني، نصوص تجيز هذه الملاحقة”.

بحسب الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية، تقدم أمين دار الفتوى الشيخ أمين الكردي، بناء على توجيهات مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، ببلاغ للنيابة العامة ضد نشأت بعد ادعائه النبوة وأنه “رسول مرسل من السماء برسالة سماوية”، وذلك بالاستناد إلى الأحكام القانونية المتعلقة بقانون العقوبات.

ويوم الخميس، تقدم كل من القاضي الشيخ وائل شبارو والمحاميين محمد زياد جعفيل ونور الدين بعلبكي ببلاغ ثان ضد مدعي النبوة الذي “يحمل لقب الرسول نشأت مجد النور عليه السلام”، والمنجمة كارمن شماس من أجل التحقيق معهما والادعاء عليهما وتوقيفهما بغية إحالتهما أمام القضاء الجزائي المختص بـ”الجرائم الماسة بالدين وإثارة الفتن وانتحال صفة، وذلك سندا للمواد 317 و473 و474 و391 من قانون العقوبات”.

في مقطع مصور منشور على صفحتها الرسمية على فيسبوك، تتحدث شماس عن نشأت وهو إلى جانبها حاملا عصا معدنية ورسوما غير مفهومة على جبهته، غالقا عينيه كتعبير عن الوقار والخشوع، وتقول “لو كنتم ترون، لرأيتم وهج النور فوق لبنان منذ أسبوعين ولشعرتم بقوة النور الإلهي، ولو تأملتم قليلا لعرفتم الآن أكثر أمانا تحت جناح النور الساطع، هنيئا لنا ولجميع العرب والعالم أجمع برسول مرسل بعد 1500 عام”.

يقول الموسوي إن “تحرك دار الفتوى يأتي من التفسير الديني بأن النبي محمد هو آخر الأنبياء، لكن هذا الشخص يحاول أن ينتحل صفة، ويقول إنه نبي موحى إليه وإنه مرسل، علما بأنه تراجع عن كلامه عندما جرى تقديم الإخبار الأول بحقه، وهي محاولة منه للإفلات من العقوبة أو تخفيفها، ما يظهر أن الرجل غير متزن”.

كثر استخدام صفتي “النصاب والدجال” بحق نشأت حتى من جانب المغردين والناشطين من مصر على مواقع التواصل الاجتماعي، وربما لهذا فإن شماس ونشأت خصصا مقطعا مصورا للرد على انتقادات المصريين وسخريتهم، حيث اتهم “مدعي النبوة” المصريين بأنهم “حاربوا النبيين موسى ويوسف وغيرهما”، قائلا إن “120 مليون مصري لا يوجد بينهم مستنير واحد، وهناك 30 مليون مشعوذ مصري”، متوعدا إياهم بزلزال قريبا.

في هذه الأثناء، خصصت العديد من البرامج التلفزيونية في لبنان وخارجه، فقرات لتناول قضية “مدعي النبوة” الذي قال قبل أيام إنه يحمل رسالة تسمى “النورانية”.

إزاء ذلك، تقول أستاذة العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، الدكتورة أديبة حمدان، إن “ظهور المنجمين السحرة، والأشخاص مثل مدعي النبوة، يكثر في المجتمعات النامية أو المتخلفة، أو التي تشهد مشاكل اقتصادية واجتماعية عديدة، وهذا يعتبر بمثابة مؤشر حقيقي على أن المجتمع الذي نعيش فيه، هو مجتمع محضر للاستماع إلى هؤلاء الأشخاص”.

منذ عامين، يتخبط اللبنانيون في إحدى أسوأ الأزمات المعيشية والسياسية في تاريخهم المعاصر، وهم محاصرون بمصاعب عديدة تتعلق بانهيار عملتهم الوطنية، وغلاء فاحش في أسعار المواد والسلع الحيوية، ويتخبطون في أزمة سياسية تعطل أداء أجهزة الدولة ومؤسساتها، وتؤخر قدرتهم على الخروج من المآزق المتشابكة التي تحيط بحياتهم.

وتحدثت أديبة حمدان عن دور الإعلام والفوضى، وهو ما يتيح لهؤلاء الأشخاص الظهور على شاشات التلفاز ومنحهم مساحات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام بشكل عام، قائلة إن هؤلاء الأشخاص ”يسيئون إلى المجتمع ويضللون الناس بشكل أكبر في ظل الأوضاع السيئة التي نعيش فيها”.




AP