هل سهَّل حزب الله وصول لبنانيين إلى “داعش” بالعراق؟.. القصة الكاملة لتجنيد شباب طرابلس ورحلة وصولهم

منذ شهرين تقريباً، تتوالى الأنباء عن اختفاء شبان في مدينة طرابلس اللبنانية من منازلهم، في ظروف غامضة، ليتضح لاحقاً أنهم موجودون في العراق مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ووصل الأمر لذروته بعد خبر مقتل شابين لبنانيين من طرابلس، هما أحمد كيالي وزكريا العدل في مواجهات عسكرية بالعراق، وهو ما فتح نقاشاً وجدلاً واسعاً داخل لبنان عن كيفية استدراج هؤلاء الشباب وكيفية وصولهم إلى العراق.




من هنا، بدأ “عربي بوست” رحلة الإجابة عن هذه الأسئلة، ومعرفة السر وراء هذا التصاعد في تجنيد شباب طرابلس والشمال اللبناني في هذا التوقيت بالذات رغم خفوت نجم تنظيم الدولة وانحصاره في بؤر محدودة بالعراق وسوريا.

كذلك، معرفة تأثير الأوضاع والتحولات الإقليمية على هذه القضية ودور الأجهزة الأمنية اللبنانية التي يفترض بها منع ورصد عملية التجنيد هذه بشكل مبكر.

طرابلس.. اختفاء بعد اتصالات من جهة أمنية

كانت البداية في رحلة تتبع هذه الظاهرة، عبر توجهنا إلى مدينة طرابلس في شمال لبنان، حتى نلتقي بعائلات هؤلاء الشباب المختفي.

قابلنا أم إبراهيم، وهي من سكان منطقة “القبة” ذات الاكتظاظ السكاني وأحد أبرز المناطق المهمشة في مدينة طرابلس. ابنها إبراهيم لا يتجاوز عمره 19 عاماً، وهو أحد المفقودين في العراق، والذي كان يدرس في أحد المعاهد المهنية في المدينة.

ذكرت أم إبراهيم لـ”عربي بوست” أنه في صباح يوم الخميس 27 أكتوبر/تشرين الأول، استيقظت الأسرة ولم تجد ابنها في سريره في المنزل. بدأوا بالبحث والسؤال عنه لدى أصدقائه وزملائه، ثم توجه أحدهم إلى مسجد قريب من المنزل للتأكد إن كان يصلي هناك، فلم يجده.

هاتف إبراهيم كان مغلقاً، لذلك اتصل الأهل بهاتف صديقه المقرب أسامة عوض، والذي يبلغ من عمره 20 عاماً لمرات عدة ولم يرد هو أيضاً. لاحقاً، تواصلوا مع أهل أسامة، ليصدموا بخبر اختفائه أيضاً في الوقت نفسه.

بعد 3 أسابيع، تلقت السيدة اتصالاً من رقم هاتف ليس لبنانياً، ليتبين أن المتصل هو ابنها إبراهيم. قال لها وهو يبكي، بحسب ما تروي: “أنا في العراق يا أمي، ما زلت حياً، وأحاول العودة إلى لبنان بأي ثمن”.

حاولت الأم الاستيضاح من ابنها عن سبب اختفاءه المفاجئ، ليؤكد لها أن أحد الأشخاص اتصل به على الهاتف قائلاً إنه يتبع أحد الأجهزة الأمنية.

وأضاف: “أخبرني أن اسمي مع صديقي أسامة مذكور في تحقيقات تتعلق بملفات إرهاب، ونصحني بالفرار بشكل سريع”. وفجأة، انقطع الاتصال مع ابنها، ولم تستطع التواصل معه منذ ذلك الوقت.

تتحدث الأم عن أن عائلته وأقاربه تواصلوا مع الأجهزة الأمنية ومخابرات الجيش اللبناني، لكنهم لم يشعروا أن هناك تفاعلاً حقيقياً لدى هذه الأجهزة على الرغم من أن شكاوى مماثلة من عائلات عديدة تتحدث عن اختفاء أبنائهم.

رواية مماثلة تكررت معنا عن التحول لأسرة أخرى. يروي محمد، وهو مقيم في منطقة باب التبانة إحدى المناطق الفقيرة في طرابلس والتي يصل عدد سكانها إلى 150 ألف مواطن، لـ”عربي بوست” أن شقيقه سامر البالغ من العمر 27 عاماً اختفى منذ فترة تتجاوز 20 يوماً، ولم يتواصل مع عائلته منذ تلك اللحظة على الرغم من محاولتهم التواصل معه على حسابه على فيسبوك.

ويقول محمد إن شقيقه قُبيل أسبوعين من اختفائه تحدث مع شقيقته أنه وجد إعلاناً عن فرص عمل في العراق في مجال التصليح الكهربائي على الإنترنت، وكان هذا أمراً مهماً له في ظل البطالة وانعدام فرص العمل بالمدينة.

لكن محمد يؤكد أنه وبعد اختفاء أخيه، تواصل أحد أصدقائه والذي اختفى لفترة عن منزله أن علاء تعرض في شهر سبتمبر/أيلول من العام المنصرم لابتزاز من أحد العناصر الأمنية، إذ هدده بفتح ملفات متعلقة بتواصل أجراه سابقاً مع أشخاص داخل سوريا أو التعاون معه.

لذلك، أخذ شقيق محمد في التفكير -حسب كلام أخيه- بالهرب خارج لبنان.

ولمن لا يعرف طرابلس، فقد صنفت هذه المدينة على مدى سنوات على أنها أفقر المدن المتوسطية، نتيجة إهمال الدولة وغياب العامل التنموي. فيما كان العامل الأبرز للتعامل معها هو العامل الأمني والقبضة العسكرية. من هنا، يعاني الشباب في طرابلس من ضغوطات اقتصادية وغياب فرص العمل وغياب المشاريع وإفلاس الدولة، إلى جانب القبضة الأمنية الشديدة على سكان المدينة.

خوف ورعب

انتقلنا بعد ذلك إلى شهادة أخرى. أم علاء التي تحدثت مع “عربي بوست” عن قصة ابنها البالغ من العمر 29 عاماً، والذي اختفى من طرابلس في آخر ليلة من عام 2021، رافضةً الكشف عن اسم ابنها أو تزويدنا بصورته، لأنها “تخشى عليه إن كان تحت قبضة تنظيم داعش”، على حد تعبيرها.

تشير السيدة إلى أن ابنها سبق أن سجن في سجن رومية، والذي يعتبر -وفق تقارير- أحد أسوأ السجون في العالم العربي، موضحةً أنه اعتقل سابقاً بتهمة الإرهاب لنحو 5 سنوات، وكذلك شقيقاه. وبعد خروجه، كان يعمل بشكل متقطع حمالاً مع مجموعة من أصدقائه خلال الصيف.

وتتذكر الأم ولدها عقب خروجه من السجن، وكيف عاش فترة اضطراب نفسي بسبب ما تعرض له في السجن من ظروف صعبة وتعذيبه على يد المحققين من أجهزة أمنية مختلفة، على حد قولها.

لا تقف مأساة الأم هنا، بل تزيد لوعتها حين تتذكر أن ابنها كان يتحضر للزواج قبل اختفائه. لكن قبل أسابيع، أخبر والدته أن خائف وقلق كثيراً، بعدما تواصل معه أحد الأفراد وأبلغه أنه مطلوب للتحقيق وسيلقى القبض عليه.

قالت: “صرت أطمئن ابني وأدعوه لعدم الخوف، لأنه لا يتواصل مع أحد إطلاقاً ولا يفعل شيئاً ولا يتجول خارج منطقة سكننا”. وفي ليلة اختفائه، بقيت أم علاء مع عائلتها لساعات طويلة تفتش عنه وتنتظره، من دون جدوى.

وحين أبلغوا الأجهزة الأمنية باختفائه، جاءهم الجواب بأنه ربما هرب مع مجموعة إلى العراق للالتحاق بداعش. لكن الأم ترفض تأكيد رواية تجنيده لصالح داعش، مطالبة بالكشف عن مصير ابنها: “لم يوضح لنا أحد كيف يمكن لابني وغيره أن يهربوا إلى العراق، وعن طريق من، فيما هو يعيش رعباً دائماً على حياته ويخاف من رمي نفسه بالخطر”.

مدينة طرابلس اللبنانية
مدينة طرابلس اللبنانية

تقول أم أخرى لـ”عربي بوست” -رفضت التصريح باسمها- أن ابنها المختفي منذ مدة اتصل بها، ليبلغها أنه اضطر إلى الفرار إلى العراق، وصارحها بأنه كان يعيش في حالة خوف بعدما تلقّى اتصالاً من أحدهم، يخبره فيه أنه “سيتم تعقبه وقد يتم توقيفه بسبب التزامه الديني، واتهامه بملف إرهاب، لأنه يصلي في أحد مساجد المدينة”، على حد وصفها.

وتضيف الأم: “كان ابني يبكي خلال الاتصال، ويطلب منِّي السعي إلى إعادته إلى حضني”.

تكمل الأم لتقول إنه ابنها مجتهد ومحبّ لدراسته، ودائماً ما كان يحلّ في المراتب الأولى في دراسته، ويشتهر بأخلاقه الرفيعة وتهذيبه، وهو شديد الالتصاق بعائلته. وتجزم السيّدة أن ابنها رغم التزامه الديني، ليست لديه أيّ ميول متطرفة أو فكر تكفيري بل كان ينتمي لرابطة الطلاب المسلمين والتي تعد أهم الروابط الشبابية معتدلة الفكر.

وتؤكد أن العائلات تعيش في حالة خوف شديد على أبنائها، وتعتقد أنه في حال تأمّنت الظروف لابنها فإنه سيعود إلى لبنان.

أضاءت هذه الشهادات من قِبل أهالي المختفين العديد من علامات الاستفهام: من هي الجهات التي تهدد الشباب؟ وما الذي تستند إليه في تهديدها لدرجة تجعل الشباب يفرون بهذه السرعة؟ وكيف تتم عملية استدراج هؤلاء الشباب نحو العراق وداعش؟

كل هذه الأسئلة كان لا بد لنا من إيجاد طريقة للإجابة عليها.

من وثائق الاتصال إلى الغرفة السوداء

بعد ذلك، انتقلنا نحو النشطاء والفاعلين الذي يتابعون هذا الملف وأثاروه بقوة على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، ليكشفوا لنا ما لديهم من معطيات.

عديد من الناشطين السياسيين في مدينة طرابلس والذين تحدثنا إليه، عبروا عن شعورهم أن هذا الموضوع ليس بريئاً، خاصة أن مدينتهم تعرضت منذ سنوات لمحاولات جرها نحو انزلاقات أمنية، ابتداء من أحداث العنف الطائفية بين منطقة باب التبانة ذات الطابع السني وبين جبل محسن ذات الأغلبية العلوية.

ويتهم هؤلاء الناشطون إعلام حزب الله وتحديداً صحيفة الأخبار بأنها تحاول خلق روايات عن خلايا متطرفة تهدف للتصادم مع الجيش اللبناني، والذي يعتبر في المدينة صمام أمان.

أحد أبرز هؤلاء النشطاء كان المحامي محمد صبلوح، وهو من أوائل الأشخاص الذين أثاروا هذه القضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أن هناك عشرات الشباب اللبناني صغير السن الذي انتقل في الأشهر القليلة الماضية من لبنان للعراق.

وأضاف في حديثه مع “عربي بوست” أن ما يجري في طرابلس مرتبط بـ”غرفة سوداء” لديها أزمة مع طرابلس، على حد تعبيره.

ويتساءل صبلوح عن كيفية هروب هذا العدد من الشباب (قرابة 60 شخصاً) إلى العراق ودخولهم سوريا عبر معابر غير شرعية ومنها يعبرون مدناً سورية تقع تحت سيطرة النظام السوري وميليشيات إيرانية ومن ثم الوصول إلى العراق دون أن تشعر الأجهزة الأمنية بهذه التحركات وترصدها.

ويعتقد الصبلوح أن الفقر والعوز والبطالة سبب مهم لما يجري، لكن الأهم أن الإهمال الممنهج بحق لمدينة، ومن ثم التعامل الأمني المفرط مع شبان ورجال متهمين بالتواصل مع جهات معارضة في سوريا.

هذا بالإضافة لما يسمى “وثائق الاتصال” بحق 11 ألف شاب من مختلف مناطق الشمال اللبناني، والتي ألغاها مجلس الوزراء في العام 2014 خلال فترة تولي الرئيس تمام سلام لرئاسة الحكومة، إلا أن الأجهزة الأمنية لم تتوقف عند استخدامها بحق هؤلاء الشبان.

ووثائق الاتصال -وفقاً للمحامي صبلوح- ترتكز على أخبار أو معلومة يقدمها عنصر مخابرات أو متعاون مع المخابرات أو أياً كان من الناس إلى فرع المخابرات. في أغلب الأحيان لا تستند هذه المعلومات إلى دليل مادي واضح، وقد تشتمل على معلومات لغايات شخصية أو ثأرية.

مثل هذه الوثائق، كانت كافية عند الأجهزة الأمنية لاستدعاء الشخص إلى التحقيق وتوقيفه، بل وإحالته إلى المحكمة العسكرية.

هذا الأمر أوضح لنا كيف أن اتصالاً واحداً من جهة أمنية لأحد الشباب يمكن بالفعل أن يثير رعبه وخوفه، فوثائق الاتصال كانت هي الطريقة التي يتم من خلالها ابتزاز الشباب، كما هو واضح.

ويشير صبلوح إلى أن العديد من هؤلاء الشبان الفارين من بلادهم تعرضوا لابتزاز من عناصر أمنية على ملفات سابقة، مؤكداً اختفاء 10 شبان من منطقة “وادي النحلة” في منطقة البداوي، منذ أيام.

واختتم صبلوح حديثه بالإشارة إلى تقصير العديد من الجهات بدءاً من الأجهزة الأمنية والتي تتعامل مع الموضوع ببرودة شديدة، على حد وصفه، وصولاً لدار الفتوى والتي لم تقم بواجبها عبر خطب الجمعة للتحذير من الانضمام لجماعات متطرفة، وليس انتهاء -وفق صبلوح- بنواب المدينة وقياداتها الذين يغيبون عن متابعة أمورها اليومية منذ سنوات طويلة.

كل هذا جعله يعتقد أن هناك شيئاً ما يحضر لمدينة طرابلس يجب التحذير منه.

أساليب التجنيد

ما قاله صبلوح والنشطاء وما ذكره أهالي الشباب المختفين، بالإضافة إلى عدم صدور أي تعليقات من الجهات الرسمية في الدولة، جعل لزاماً علينا التوجه نحو الأجهزة الأمنية، لمعرفة حقيقة ما يحدث وكيف تتم عملية التجنيد من جهة، ومعرفة حقيقة ما يثار عن تورطها أو تسهيلها لما يحدث، على حد قول هؤلاء.

توجهنا إلى الجهات الأمنية المختلفة، لكن الحصول على معلومة أو تصريح من هذه الجهات شبه مستحيل وسط رفض أي جهة التعليق عما يحدث.

مع استمرار البحث، توصلنا إلى مسؤول أمني رفيع المستوى، وافق على التحدث معنا شريطة عدم الكشف عن اسمه أو الجهاز الذي ينتمي إليه. وذكر أن القوى الأمنية المسؤولة عن متابعة هذا الملف عن كثب هي فرع المعلومات في الأمن الداخلي، واستخبارات الجيش اللبناني.

وكشف المصدر لـ “عربي بوست” أن أحد أبرز أولئك المتورطين في تجنيد شبان في طرابلس مع داعش في العراق، بات الآن في قبضة المخابرات، ويجري التحقيق معه بسرية تامة. وأضاف أن مهمة هذا الشخص هي “التشبيك بين الشبان من جهة وعناصر التنظيم في العراق من جهة أخرى”.

وأوضح المصدر الأمني أن عملية تجنيد الشباب لصالح داعش تحدث طوال الوقت من قِبَل هذا التنظيم، ولا تقتصر على شباب لبنان فقط، ولكن على كل الشباب حول العالم. ووفقاً للمصدر، فإن طرق تجنيد اللبنانيين وفقاً لنتائج التحقيقات، هي عبر الإعلانات المتعلقة بفرص عمل في العراق في مجالات الكهرباء وتصليح الأدوات الكهربائية والمنازل أو أعمال الدهان بمرتبات خيالية بالنسبة لشبان عاطلين عن العمل تصل إلى 2000 دولار أمريكي.

فيما جرى التواصل مع بعض الشباب بشكل مباشر عبر تطبيقات وألعاب الهواتف وتحديداً لعبة “بابجي”، والتي يصعب على الأجهزة المخابراتية متابعتها. كما أشار إلى أن الشبان تلقوا إغراءات مادية ووعوداً بدفع رواتب لهم، بمعدل 1000 دولار شهرياً، لدى وصولهم إلى التنظيم.

من حديث المصدر الأمني يتضح أن هؤلاء الشباب الذي انضموا إلى “داعش” ينقسمون إلى قسمين. الأول هم الشباب الذين سافروا إلى العراق للانضمام إلى التنظيم بمحض إرادتهم، والثاني هم أولئك الذين تعرضوا للخديعة ظناً منهم أنهم ذاهبون للحصول على فرصة عمل جيدة.

هنا، ظهر لنا سؤال: كيف وصل هؤلاء الشباب إلى العراق؟

خريطة الرحلة

بدأنا البحث عن مصادر أمنية مطلعة سواء في لبنان أو خارجه لنحاول معرفة كيفية وصول هؤلاء الشباب إلى العراق.

هنا يشير مصدر أمني بإحدى دول الجوار اللبناني، والذي رفض الكشف عن هويته أو دولته، إلى أن رحلة نقل الشباب تبدأ في منطقة “وادي خالد” أقصى شمال شرق لبنان، عبر معابر غير شرعية تخضع لسيطرة مافيات وعصابات التهريب.

عند اجتياز الشاب للجانب اللبناني من المعبر، يقوم سماسرة وتجار عمليات النقل بإيجاد الطرق الآمنة لنقل هؤلاء إلى مدينة تدمر السورية، وتحديداً المنطقة التي لا يزال يتواجد فيها بعض الحضور لتنظيم الدولة “داعش” في منطقة “السهل الأخضر”. تعد هذه المنطقة بمثابة موقع تجميع لكل المقاتلين الوافدين من كل الدول العربية.

 

من وادي خالد اللبنانية إلى تدمر السورية

عقب ذلك يجري نقل المقاتلين الوافدين إلى العراق عبر خط فاصل يقع بين سيطرة الميليشيات الموالية لإيران، وبين قاعدة التنف التابعة للتحالف خارج نطاق منطقة تسمى الـ55 كيلو، وهي المساحة التي وضعها التحالف كمنطقة حماية للقاعدة يُمنع دخول أي قوات غير حليفة إليها.

وعلى الرغم من وجود خنادق لعرقلة الحركة، ووضع أسلاك شائكة، وتكثيف المراقبة الإلكترونية، إلا أن عملية النقل تجري عبر الحدود مع العراق عبر خنادق حفرها التنظيم تحت الأرض، وخصوصاً في الشريط الرابط بين سوريا والعراق، حيث تجري- وفق المصدر- محاولات للقوات العراقية لاكتشافها منذ عام 2019، ومن ثم يجري نقلهم عبر شاحنات وتوزيعهم على مناطق عراقية متعددة.

الآن، لم يعد يبقى إلا أن نجيب عن السؤال الأهم حتى تكتمل صورة ما يحدث: ما مدى تورط بعض الجهات الأمنية اللبنانية فيما يحدث؟

إذ إن كل الخيوط تشير إلى وجود ما يشبه عملية “تسهيل” أو غض طرف عما يحدث، بل ربما عملية تورط مباشرة.

مؤامرة لا يمكن تخيلها

كانت هذه هي العملية الأصعب في بحثنا، من الذي يمكنه التحدث عن وجود دور لأجهزة أمنية فيما يحدث.

بعد أيام من البحث وطرق أبواب المسؤولين الأمنيين والحكوميين، لم نتمكن من الحصول على معلومة صريحة من قبلهم. لذلك، توجهنا إلى الخبير العسكري العقيد المتقاعد في الجيش اللبناني عميد حمود.

حمود يرى أن مسؤولية الأجهزة الأمنية هي الكشف عن هوية المهربين والشبكات المتورطة بتجنيد الشبان، طالما أنها تمكنت من إفشال محاولة هروب كهذه، وذلك لوقف تحويل شباب لبنانيين أداة لمؤامرة يخطط لها من قبل فريق سياسي واضح في المنطقة.

ووفقاً لحمود فإن هناك خيطاً دائماً ما يجري الهروب من التعبير عنه وهو وجود علاقة بين داعش وحزب الله، كون داعش باتت شركة مساهمة للعديد من أجهزة مخابرات المنطقة.

ويؤكد حمود أن كل المعابر والحواجز هي تحت السيطرة. فكل المعابر الشرعية وغير الشرعية في لبنان تحت عين قوات حزب الله، والطرف الآخر لهذه المعابر تحت سيطرة قوات النظام السوري، إضافة إلى كل الطرق الأساسية في العمق السوري، وليس انتهاء بالحدود العراقية التي هي تحت سيطرة القوات الحكومية.

بالمقابل يشير مصدر دبلوماسي عربي إلى أن تقارير قدمت للعديد من الأجهزة الأمنية العربية حول وجود “تعاون وثيق يجري بين داعش وبين فصائل شيعية في العراق من ضمنها حزب الله الذي ينسق اتصالات وتدريبات هذه الميلشيات الطائفية”.

ووفقاً للمصدر، فإن تقارير جرى تقديمها للبنان عبر أجهزة مخابرات إقليمية وعربية بضرورة التنبه لمحاولات اختراق لبنان عبر خلق خلايا داعش وتنظيمات إرهابية في المنطقة، ولم يجرِ التعامل معها بجدية إلا من قبل الجيش اللبناني، الذي يتابع الملف عن كثب ويجري اعتقالات ومداهمات ويقوم بالتنسيق مع الدول الأخرى لمكافحة هذه التصرفات.

شماعة داعش في خدمة المحور

أبدى مصدر مطلع في الحكومة اللبنانية، بشكل صريح تخوفه من أن يكون هدف هذا الفعل “غير المنطقي”، وفقاً لوصفه، غير بريء في هذا التوقيت الذي تشهد فيه المنطقة إعادة توزيع النفوذ فيها.

وذكر المصدر لـ”عربي بوست” أن المحور السوري الإيراني الذي يتفاخر منذ سنوات بإمساكه الحدود من لبنان وحتى العراق، هو نفسه من يعبر أمام ناظريه عشرات الشبان من لبنان ودول أخرى للانضمام لتنظيم داعش، والذي يعتبر عدواً لدوداً لإيران وحزب الله، اللذين خاضا ضده حروباً كبيرة.

ويعتبر المصدر أن ما يجري مرتبط بالفاعلين السياسيين في لبنان والعراق. فلبنان على موعد مع انتخابات برلمانية في مايو/أيار القادم، وربما يستطيع الحزب بشيطنته مدناً ذات طابع سني، فرض إرادة على تلك المساحات الطائفية وتخويفها من نشوء نزعة تطرف في داخلها، ما يسهل فوز حلفائه السنة في لبنان بعد تراجع شعبيتهم وتوقعه خسارة الأكثرية البرلمانية التي تدور في فلكه.

في المقابل، فإن عملية خلط الأوراق الجارية في الساحة السياسية العراقية في أعقاب تراجع الأحزاب الشيعية الحليفة لإيران في الانتخابات، يمكن أن تجعل من إعادة إحياء فزاعة داعش بمثابة قبلة الحياة للميليشيات التابعة لإيران في العراق والمنطقة.

بوابة إلغاء الانتخابات

من زاوية أكثر التصاقاً بالواقع اللبناني، لا يمكن إغفال حرص العديد من القوى السياسية على إلغاء الانتخابات، والتي ستكون قنبلة الموسم في حال إتمامها في ظل  انحسار قوى سياسية وازنة من المشهد بحكم نتائج وجودها بالمشهد السياسي والتي أدت لإفلاس البلاد.

وعليه يشير المحلل السياسي منير الربيع لـ”عربي بوست” إلى قضية مهمة وهي أنه لا شيء أفضل من رفع الشعار الأمني للإطاحة بالاستحقاق الانتخابي عبر الحديث عن تهديدات أمنية.

وفي هذا السياق، يعتبر الربيع أن الأخبار والتسريبات الأمنية التي تتحدث عن التحاق شبان لبنانيين من طرابلس بتنظيم داعش لم تكن بريئة. وقد تفتح الباب واسعاً أمام ما يمكن للبنانيين ترقبه، خصوصاً أن الأجهزة الأمنية لا تزال صامتة عن كيفية خروج هؤلاء الشبان، والذين لا يمكن لهم أن يخرجوا بهذه الأعداد من دون أن يكون ذلك عبارة عن عملية منظمة، لها أهداف متعددة لاحقاً.

ويعتبر الربيع أن الخشية من “سيناريوهات” عودة هؤلاء إلى لبنان وتنفيذ عمليات معينة، أو نصب أفخاخ أمنية لهم، فتقع اشتباكات بينهم وبين القوى الأمنية التي ترصدهم لغاية القبض عليهم. وبذلك تستطیع الأخبار حول توقيف الخلايا الإرهابية. وبمجرد الحديث عن نشاط هذه الخلايا المتجدد على الساحة اللبنانية، سيكون مترافقاً بشكل بديهي مع الحديث عن ضرورة تأجيل الانتخابات، خوفاً من حصول تجمعات واستهدافها إرهابياً.

في المقابل يرى الباحث السياسي ربيع دندشلي أنه ليس تفصيلاً العودة إلى القواعد الثابتة في “دعشنة” مدينة طرابلس وشبانها، فطرابلس التي أظهرت حركة ثورية لبنانية فريدة في 17 أكتوبر/تشرين الأول، لا بد من الانتقام منها بمفعول رجعي، وإعادة حصر المشكلة داخل البيئة السنّية، التي تعيش ضياعاً سياسياً واجتماعياً.

وبالتالي، أي تفجير أو استهدافات قد تحصل في الساحة السنّية، سيكون هدفها افتداء الطوائف الأخرى، أو حجب أي احتمال لأي انفجار اجتماعي أو أمني في أي بيئة أخرى. فهكذا تتحمل التنظيمات الإرهابية مسؤولية ما يجري من تداعيات خطرة. يُعطف ذلك على واقع سياسي سيئ لدى السنّة في ظل عدم إعلان الرئيس سعد الحريري عن موقفه النهائي من الاستحقاق الانتخابي، وهل سيكون مشاركاً شخصياً أم سيدير العملية من الخلف، فيما يبقى تيار المستقبل في صلب المعركة، أم أنه سيقطع أي علاقة بالاستحقاق.





المصدر: عربي بوست