بالحرامات والبطانيات… هكذا واجه فقراء بيروت العاصفة “هبة”

في الأيام الماضية سيطرت العاصفة “هبة” على حالة الطقس في #لبنان، وفي الوقت الذي استمتع الكثير من اللبنانيين بالثلوج التي غطت المناطق الجبلية، كانت الكثير من العائلات، التي لا يتجاوز دخلها اليومي الدولار الواحد، تُعاني من حدّة البرودة مع غياب أيّ وسائل للتدفئة. ففي أزقة الأحياء الفقيرة في بيروت، ثمة من يفتقد الى أدنى وسائل التدفئة في ظلّ الانقطاع المستمرّ للتيار الكهربائي، وعجزهم عن الاشتراك بالمولدات الخاصة أو شراء قوارير الغاز التي بات سعرها يلامس الحدّ الأدنى للأجور، فكانت وسيلة هؤلاء الوحيدة هي البطانيات والحرامات لمواجهة العاصفة.

النوم باكراً لمواجهة “هبة”




في منزل مكوّن من غرفة واحدة في منطقة برج حمود، يُشبه الى حّد بعيد متحفاً صغيراً حيث تنتشر التحف المبعثرة في أرجائها كما تنتشر الرطوبة في جدرانه، يجلس أغوب بوغوسيان، البالغ من العمر 72 عاماً، الى جانب زوجته أنطوانيت “أجمل فتاة في برج حمود”، بحسب وصفه. لم يُرزق الزوجان بأولاد إلّا أنّ ذلك لم يُقلل من قصة الحبّ الممزوجة بالوفاء التي جمعت بينهما منذ عام 1976، ويتفاخر باختلاف المذهب بينهما، فيرتفع صوته ضاحكاً “كاثوليكية أمّا أنا فأرثوذكس”.

يستلم أغوب دفّة الحديث، حيث تُعاني زوجته من ضعف السمع، فيستذكر عمله في شراء الأنتيكا لبيعها في سوق الأحد، إلّا أنّ انتشار فيروس كورونا وتقدّمه بالعمر لم يعد يسمحا له بالعمل. يصف بوغوسيان الذي يعتمد في مأكله وملبسه على مساعدات الجمعيات، غلاء الأسعار الحاليّ بـ”الجنوني”، ويُثني على صاحب الغرفة التي يقطن فيها لعدم أخذ أيّ إيجار “بسبب وضعنا الصعب”، كما يقول.

ويشرح أغوب كيفية مواجهتهم للعاصفة “هبة”، فـكهرباء الدولة لم تأتِ سوى لساعات قليلة، في حين أنّ الشباك الوحيد المتواجد في المنزل مكسور ومُغطى بقطعة حديد لا تمنع تسرّب الهواء منه”، لذا لم يكن أمام الزوجان سوى “النوم باكراً والاستعانة بالأغطية للتدفئة”.

دولاران ونصف لعائلة من 4 أفراد

من برج حمود الى المدوّر، تختلف قصة عائلة الصيّاع عن بوغوسيان في الكثير من التفاصيل، إلا أنهما يتشاركان في المعاناة من الفقر، فالسيدة أولغا صيّاح، الوالدة لشابيّن وفتاة، كانت تعمل في مطبخ احدى مدارس بيروت قبل إقالتها بسبب الظروف الاقتصادية. يقتصر دخل الأسرة على راتب الابن البكر الذي يعمل في قوى الأمن الداخلي، والذي لا يتعدّى معاشه المليون ونصف المليون ليرة، أي ما يُعادل دولارين ونصف تقريباً في اليوم، “صاحب المولد الكهربائي في الحيّ يقدّر وضعنا ولا يتقاضى منّا سوى 600 ألف ليرة مقابل 3 أمبير، فيتبقّى 900 ألف لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد”، إلّا أنّ هذا الاشتراك في المولّد الكهربائي لا يسمح للعائلة باستخدام آلة التدفئة، لذا “قضيناها تحت الحرامات” لمواجهة الصقيع في الأيام المنصرمة.

ترى أولغا في انفجار مرفأ بيروت، رغم الدمار الهائل والمآسي التي خلفها، منحى إيجابيّاً يتمثّل بتقديمات الجمعيات التي “لولاها لما تمكّنا من الصمود، فلغاية اليوم ما زالت هذه الجمعيات تُقدم كرتونة مونة كلّ شهرين تقريباً، أعتمد على محتوياتها في الطبخ”، أمّا عن تأمين الغاز “فأنتظر انخفاض سعره قليلاً لكي أتمكّن من تعبئة القارورة”.

الحطب بديل الغاز

أمّا علي ناصرالدين، ربّ الأسرة المكوّنة من زوجة و7 أولاد، فيقطن منذ 20 عاماً في منزل مكوّن من غرفتين في منطقة الكرنتينا مقابل إيجار 500 ألف ليرة شهرياً. ناصرالدين كان يعمل سائق تاكسي، إلّا أن انفجار مرفأ بيروت قد تسبب بتدمير سيّارته، ولم يتمكّن من شراء سيارة أخرى، رغم تقديم أحد الأشخاص مساعدة بقيمة 10 ملايين.

أمام المنزل تلهو ابنته الصغرى الى جانب موقد حطب، تعتمد زوجته عليه في الطبخ “فأسعار قوارير الغاز عالية جداً وتفوق إمكاناتنا”، أمّا مهمة علي فتكمن في جمع الخشب من الشوارع المحيطة من أجل استخدامها في الموقد.

يعمل علي في الوقت الحالي في موقف “كاميونات” مقابل أجر لا يتجاوز المليوني ليرة، لذا فإنّ “مساعدات الجمعيات تُشكل متنفّساً لنا”، أمّا عن كيفية مواجهة العاصفة “هبة” فترتفع ضحكته مكتفياً بالقول “نمنا بكير”.

انقطاع #الكهرباء يحول دون التدفئة

أما في النبعة، فتطقن السبعينية آروسيان بيرقريتان في منزل مكون من غرفة واحدة يتوسطها “آلة للخياطة” وفي احدى زواياها “سلّم حديد” مخصص للوصول الى السطح. بيرقريتان الوالدة لشاب وفتاة، تقطن بمفردها بعد أن تزوج أبنائها وبات لديهم مسؤوليات تفوق قدراتهم. لذا، اضطرت بيرقريتان الى العودة للعمل على آلة الخياطة رغم ضعف نظرها. وبسبب تواجدها في منطقة تتسّم بالدخل المحدود لمعظم القاطنين فيها فإنها لا تتقاضى مقابل عملها سوى القليل “إذا قلتلن 20 ألف بيبطلوا يقصروا أو يطولوا القطعة عندي، ومجموع ما أجنيه في الشهر لا يتعدى الـ 500 ألف ليرة”، أي بمعدل أقل من دولار واحد في اليوم الواحد.

لم تتمكن بيرقريتان من التنعم باستخدام آلة التدفئة لمواجهة العاصفة، “فكهرباء الدولة لم تأتي سوى ساعات قليلة جداً”، كما أن هذا الانقطاع يؤثر على عملها اذ تضطر الى تأجيله من يوم لآخر بانتظار الكهرباء “فدخلي لا يسمح لي بالاشتراك بالمولد الكهربائي”، وعن كيفية مواجهة الغلاء الفاحش تقول “الله بيساعد”.

المصدر: النهار