عمل للفنانة اللبنانية ميراي حنين مناهظ لزواج القصر في لبنان

أطفال ينجبون أطفالا.. ضحايا الأزمة و”قوانين الطوائف” في لبنان

أسرار شبارو – الحرة

“كنت أرتجف حين غادرت منزل عائلتي متوجهة إلى بيت الزوجية، لم أكن أعلم شيئا عن العلاقة الجنسية وما يدور بين الزوجين. بخطوات بطيئة سرت إلى المجهول وإن كان بمخيلتي أن أمورا جميلة قد تكون بانتظاري، لكن سريعا استيقظت على الواقع المرير، وبأني ما أقدمت عليه خطأ كبير عليّ تحمل تداعياته”.. بهذه الكلمات عبّرت سعاد (اسم مستعار) عن تجربتها مع الزواج المبكر.




حاولت سعاد أن تمنع ابنتها من تكرار خطئها كما وصفته في حديث لموقع “الحرة”، لكن والدها أقنعها بأن “الارتباط بابن عمه سيغير حالها إلى الأفضل”. وفي السنة التالية أنجبت طفلة، قبل أن تنفصل عن زوجها نتيجة تعرضها لـ”التعنيف المستمر” الذي توّجه الزوج بقراره الارتباط بزوجة ثانية، وما يؤلمني أكثر أنه قبل ثلاثة أشهر تم عقد قران ابنتي الثانية وهي الأخرى قاصر”.

تعرّف منظمة الأمم المتحدة للأطفال “اليونيسيف” زواج القصر على أنه “أي زواج رسمي أو غير رسمي يجمع طفلا تحت سن 18 عاما بشخص بالغ أو طفل آخر”، وحذرت المنظمة من أن مليون طفل على الأقل معرضون لخطر العنف المباشر مع اشتداد الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان وتداعياتها على حياة السكان اليومية.

وقالت المنظمة، في تقرير صدر في ديسمبر الماضي، تحت عنوان “بدايات مظاهر العنف: أطفال يكبرون في كنف أزمات لبنان،” إن “نحو 1,8 مليون طفل في لبنان، أي أكثر من 80 في المئة من الأطفال، يعانون من فقر متعدد الأبعاد بعدما كان العدد نحو 900 ألف طفل عام 2019، ويواجه هؤلاء خطر تعرضهم للانتهاكات مثل عمل الأطفال أو زواج الأطفال بهدف مساعدة أسرهم على تغطية النفقات”.

وأورد التقرير أنّ “واحدة من كل خمس فتيات سوريات بين 15 و19 سنة في لبنان متزوجة، في وقت يستضيف لبنان قرابة 1,5 مليون لاجئ منذ اندلاع النزاع في سوريا”.

وصفت الأستاذة الجامعية، الباحثة الاجتماعية، وديعة الأميوني، زواج القاصرات بــ”العمل العنفي”، مضيفة أنه “نوع من المعاناة الصامتة نتيجة المعرفة المعلبة التي تأتي ضمن إطار المجتمعات التقليدية والجماعات التيولوجية حيث تسيطر الأساطير والأفكار الدينية على الإنسان، لا بل يتستر البعض وراء الدين والعادات والتقاليد المجتمعية لتبرير ارتباطه بفتيات صغيرات، في حين أن عددا من الحالات تدخل في إطار اضطراب البدوفيليا أي من ضمن الأمراض النفسية”.

في السابق، كان يتم تزويج القاصرات كون طبيعة الحياة، كما وصفت الأميوني لموقع الحرة، كانت بسيطة إذ “كان هناك قلة وعي ومعرفة على المستوى الطبي والصحة النفسية والاجتماعية، اليوم لا يجوز أبدا أن يستمر هذا النوع من الزواج في ظل تطور العلوم ومعرفة الآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة التي يمكن أن تصيب الفتاة وحتى الفتى”.

تجربة “موجعة”

تقول اللاجئة السورية سعاد (45 عاما) إن ابنتها ذات الخمسة عشر ربيعا عاشت نفس التجربة التي عاشتها هي في صباها، عندما أجبرت على الزواج مبكرا.

تصف سعاد تجربتها مع الزواج المبكر بـ”الفاشلة” و”الموجعة”؛ هي التي اشترطت على زوجها إكمال تعليمها، لكنه لم يسمح لها بذلك بعدما أصبحت في منزله، وقالت “حلمت كأي فتاة بارتداء الفستان الأبيض والانتقال إلى حياة أجمل يغمرها الحب والرومانسية كما اعتدنا أن نرى في الأفلام، لم أكن أعلم أنه بدلا من ذلك هناك مسؤولية كبيرة تنتظرني من الصعب تحملها”.

الخطأ الأساسي بنظر سعاد أن “الأهل يربون بناتهن على معتقدات لا أساس لها من الصحة، منها أن الزواج فرحة العمر، فيه يجدن الاستقلالية، لكن الحقيقة بعيدة عن ذلك، فهي ستصبح مسؤولة عن زوج ومنزل وأطفال أما الفرح فلا يعود له مكان”.

وأضافت سعاد: “تمكن زوجي من اقناع ابنتي وهي بعمر الخمسة عشر عاما من الزواج، فعانت مثلما عانيت، أنجبت طفلة وهي طفلة، وعندما طلبت الطلاق رفض والدها، تدخلت لانتشلها من المأساة التي تعيشها، فكان جواب زوجي إن انفصلت ابنتي عن زوجها سيكون هذا مصيري، وبالفعل تطلقنا سوية”.

تخشى سعاد اليوم على ابنتها الثانية أن تواجه مصيرا مشابها “بعدما حرمت هي الأخرى من طفولتها وتعليمها وحياتها الطبيعية”.

وعن الأسباب التي تدفع إلى الزواج المبكر، قالت إن “الوضع الاقتصادي يلعب دورا كبيرا، كذلك التسرب المدرسي، تجلس الفتاة في المنزل من دون علم وعمل، فيفضل والدها تزويجها خوفا من إقامتها علاقة عاطفية مع شاب”.

الناشط السوري، الشيخ عبد الناصر العسلي، اعتبر أن “الفوضى في الزواج وتزويج القاصرات اللواتي لم يتحضرن لتحمل المسؤولية جريمة يتحمل مسؤوليتها الأهل، المجتمع والقانون، كونها تعرّض القاصر للعنف سواء اللفظي، الجسدي أو الجنسي، من رجل لم تألفه بعد، مما يؤدي إلى زيادة في نسبه ومستوى الطلاق، عدا عن حالات الإجهاض التي تتكرر بسبب ضعف بنيتها الجسدية”.

حالات العنف التي تصل إلى العسلي جلّها، كما قال، “بين أزواج من القاصرين والقاصرات حيث يؤدي تخلي الأهل والمجتمع عن رعاية الزوجين صحيا ونفسيا إلى وصول الخلافات والعنف إلى حد الإعاقات الجسدية لا بل حتى القتل، والعدد الكبير يصاب بقلق دائم واضطرابات نفسية، والنتيجة ظهور عورات اجتماعية منها الجهل، التفكك الأسري، الإرهاب الفكري، عدم تحمل المسؤولية، كون أصعب ما يواجهه الإنسان في الحياة هو عدم الاستقرار في المنزل”.

من جانبها، اعتبرت المحامية في منظمة “كفى”،  ليلى عواضة، أنه “من خلال القانون يتم تحديد أي مجتمع نريد، إن كان أميّا أو متعلماً، نساء يقتحمن سوق العمل من عدمه، لهذا نطالب الدولة بالتدخل وإلغاء قوانين الطوائف ووضع قوانين مدنية تفرض من خلالها مبادئ عامة على رأسها سن الزواج، مفاعيل الزواج وواجبات الزوجين”.

وأشارت عواضة إلى أن وزارة العدل اللبنانية “وضعت تزويج القاصرات من بين مؤشرات الاتجار بالبشر، إذ تحت مسمى الزواج تتعرض القاصرات للعديد من الجرائم من ضمنها الاستغلال الجنسي، ولن يتم وضع حد لذلك إلا من خلال قانون موحد للأحوال الشخصية يرعى شؤون الأسرى”.

تجنبا لكلمة “عانس”

استخلصت اليونيسف في ديسمبر 2021 أنه “في حين ينزلق لبنان أكثر فأكثر في أزماته المتعددة العميقة، يلجأ بعض من فيه، من الأسر الأكثر ضعفا، الى آليات عدة للتأقلم، كردة فعل على حالة اليأس التي تجتاح الأفراد، فالديون أصبحت ترهق كاهل الأهل ما يجعلهم يجبرون بناتهن الصغيرات على الزواج”.

عمر المشمشاني، من بلدة ببنين العكارية شمالي لبنان، والد ست فتيات زوّج ثلاثة منهن وهن قاصرات. وبحسب ما شرحه لموقع “الحرة” “الزواج سترة بالنسبة لنا، كما أن المعتقد السائد في منطقتنا أن وصول الفتاة إلى سن التاسعة عشر من دون زواج يعني أنها أصبحت عانس، فهناك متخلفون كثر يرددون أنها باتت كبيرة ومن الصعب أن تجد من يرتبط بها”. لكن ماذا عن إكمالهن دراستهن؟ عن ذلك أجاب “بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة لم يكن بإمكاني ذلك”.

في عمر الست عشرة سنة زوّج عمر ابنته ريان وهي الآن والدة لأربعة أبناء، وفي ذات السن تزوجت بيان، أما نريمان فانتقلت إلى منزلها الزوجي عندما بلغت السابعة عشر من عمرها. وعن الشروط التي يضعها على صهره قال “أن يعاملها معالمة حسنة، يحترمها ويؤمن متطلباتها من طعام وملبس، فلا أطلب منه لا قصرا ولا غيره”.

وعن ظروف بناته وأزواجه في ظل الوضع الاقتصادي الذي يمر به لبنان، أجاب عمر “لا أحد في لبنان ظروفه جيدة في هذه الأيام، فزوج ابنتي ريان بالكاد يستطيع تأمين الحليب والحفاضات لأولاده حيث يعمل صيادا، وزوج ناريمان يعمل في محل لبيع الدجاج، والأخير في شركة في بيروت”، وعما إن كن يعانين من مشاكل مع أزواجهن قال “لا يخلو الأمر من بعض الإشكالات، لكني أتدخل لحلها بالتراضي لتدارك الأمر”.

وفيما إذا عبرت أي من بنات عمر عن ندمها لارتباطها في سن مبكر، قال “نعم إحداهن ندمت، كونها تصورت شيئا فانصدمت بالواقع”.

تُزوّج القاصرات، كما قالت الأميوني، “باسم الشرع وهو في الحقيقة عمل مناف للشروط الإنسانية وحقوق الفرد، بل ينعكس سلبا على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية والوطنية، على صعيد تدني مستوى التعلم، الوعي، الصحة، الحقوق، الواجبات، الاقتصاد، الديمغرافيا وغيرها الكثير من المتغيرات الأساسية التي ترتكز عليها المجتمعات لأجل التطور”.

وتساءلت الأميوني “كيف لطفلة أو مراهقة أن تلد طفلا من جسدها غير مكتمل بيولوجيا ودماغها غير المكتمل، وبالتالي فقدانها القدرة على الوعي والتمييز بين الصح والخطأ؟! كيف لها أن تلعب دور المسؤول عن التربية وهي التي لم يكتمل وعيها اجتماعيا، وكذلك بالنسبة للذكر إذ كيف يمكن أن يكون مسؤولا عاطفيا وماديا واجتماعيا أمام زوجته وأولاده؟! أين المجلس النيابي الذي يعجز أمام حماة طوائفهم لماذا لا يعمل على تطوير القوانين؟!

تداعيات “الجريمة”

أصدرت “اليونيسف” في العام 2016 تقريرا أكدت فيه أنّ “6 بالمئة من اللبنانيات اللواتي كانت تتراوح أعمارهن أثناء إعداد التقرير ما بين 20 و24 سنة كنّ قد تزوجن قبل بلوغهن سن الـ 18” وفي دراسة أخرى أعدتها سنة 2017 شملت نحو 2,400 من النساء والفتيات اللاجئات السوريات في البقاع الغربي في لبنان، ظهر أن “ما يزيد على ثلث من شملهن المسح واللاتي تتراوح أعمارهن بين 20 و24 عاما قد تزوجن قبل بلوغهن 18 عاما، كما تزوجت 24 في المئة من الفتيات اللاجئات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عاما”ً.

وبحسب دراسة صدرت سنة 2020  عن “جمعية مساواة – وردة بطرس للعمل النسائي” و”لجنة حقوق المرأة اللبنانية”، تحت عنوان “الزواج المبكر- أسبابه وآثاره ونتائجه السلبية على القاصرات اللبنانيات واللاجئات السوريات والفلسطينيات”، شملت 300 حالة من حالات الزواج المبكر من كافة المناطق اللبنانية، ظهر أن نسبة الزواج المبكر لدى القاصرات في لبنان تجاوزت الـ13 في المئة، حيث أن النسب المئوية لزواج القاصرات اللبنانيات هي 57,3 في المئة، زواج القاصرات من اللاجئات السوريات 30,7 في المئة، زواج القاصرات من اللاجئات الفلسطينيات من سوريا 12 في المئة”.

وفي ما يتعلق بالوضع الاجتماعي للقاصرات المتزوجات تبين بحسب الدراسة أن “18 في المئة فقيرة جدا، 40 في المئة فقيرة، ومتوسطة الحال 37,3 في المئة، فوق المتوسط 4,7 في المئة”.

كذلك استخلصت حملة “لا تكبرونا بعدنا صغار” أن “الفقر هو السبب الرئيسي الذي يدفع الأهل لتزويج بناتهن تحت سن الـ18 سنة في لبنان، وهذه الظاهرة انتشرت كثيرا في الفترة الأخيرة خصوصا في مخيمات اللاجئين السوريين، حيث تزداد الحاجة والمعاناة يوما بعد يوم”، بحسب ما قالته مسؤولة مكتب التواصل في الحملة جنى السقعان لموقع “الحرة”، مضيفة “من هنا انطلقت فكرة الحملة التي تشكلت من مجموعة من اللبنانيين/ات، السوريين/ات والفلسطينيين/ات.. منهم من عاش فعلا تجربة تزويج الأطفال ومنهم من شاهدها عن قرب، بالإضافة إلى كل من يؤمن بأن تزويج الأطفال جريمة بحق الطفولة”.

قررت المجموعة، كما قالت السقعان، “خوض محاولة إحداث تغيير مجتمعي بالاعتماد على قصص المنظمين الشخصية والأدلة والبراهين الواقعية، إن كان من الناحية الصحية أو حتى الاقتصادية، وبعد جهد استمر عدة أشهر استطاعت الحملة أن توقف خطوبة 60 طفلة، وتؤجل 50 خطوبة إلى ما بعد الـ 18 سنة وجمع 100 تعهد من آباء وأمهات بعدم تهيئة بناتهن للخطوبة قبل الـ 18 عاما” من العمر.

عدا عن أن تزويج القاصرات جريمة بحقهن، يرى الشيخ العسلي أن هناك مشكلة كبرى تنتج عنه ألا وهي “عدم تثبيت عقد الزواج الذي قد يقتصر على ورقة عادية من دون ذكر أي تفاصيل عن بيانات الزوجين، لكن غالبا ما يتم التزويج  لفظيا وبدون حتى مرجع شرعي أو قانوني، وعند الحمل أو الإنجاب يسارع البعض لتثبيته، فيضطر القاضي إلى الموافقة وإن كانت الفتاة قاصرا، في حين يبقى عدد كبير من الأطفال من دون تسجيل في الدوائر الرسمية ما يجعل حقوقهم ضائعة”.

من جانبها تطرقت عواضة إلى السابقة التي أقدمت عليها المحامية العامة الاستئنافية في جبل لبنان، القاضية نازك الخطيب، بتوقيف رجل دين بتهمة التدخّل بجرم الاستغلال الجنسي وتسهيل مجامعة فتاة تبلغ من العمر 15 سنة ونصف بالخداع وذلك عبر قيامه بعقد قرانها على شخص من دون موافقة ولي أمرها”.

وشرحت عواضة أن “القاضية اعتبرت أن عقد قران القاصر يدخل ضمن إطار الاتجار بالبشر، ولو كان الأمر غير ذلك لحكم على الشيخ بدفع غرامة مالية قدرها مئتا ألف ليرة، مع العلم أنه كان يمكن لقاض آخر أن يقصر الحكم على الغرامة المالية حيث أن الأحكام استنسابية، ونحن نطالب بتشديد العقوبات على مثل هكذا جرائم في وقت يتساهل فيه مجلس النواب مع كل ما يتعلق بصلاحيات الطوائف، بمعنى أن هناك تواطؤا بين السلطة الطائفية والسلطة السياسية”.

وشددت عواضة على “ضرورة التزام لبنان بتعهداته الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل الذي صادق عليها، والتي تعرّف الطفل بأنه الإنسان الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، لكن قوانين الأحوال الشخصية بعيدة كل البعد عن ذلك، مع العلم أن منظمة كفى أعدت اقتراح قانون وفق أسس علمية، بعد دراسة حاجات المجتمع وأفراده وتجاربهم مع المحاكم الدينية”.

نظرة الأديان

لا يخضع الزواج والطلاق والحضانة في لبنان لقانون مدني موحد، بل تختلف قوانين الأحوال الشخصية بحسب كل طائفة، فمن الطوائف الدينية من يسمح بتزويج الفتيات في عمر التسع سنوات، ما دفع منظمات إنسانية ونسوية إلى رفع الصوت والمطالبة بتشريع قانون موحد للأحوال الشخصية يحدد السن الأدنى للزواج بثمانية عشر عاما، لكن الأميوني اعتبرت أن “رجال الدين سيرفضون الزواج المدني، كونه بالنسبة لهم لا يجوز المس بالمعرفة الدينية”.

عدّل المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى قانون الأحوال الشخصية السنة الماضية، حيث رفع سن الزواج، كما قال القاضي حسن شحادة لموقع “الحرة”، إلى 18 سنة “مع بعض الاستثناءات الضيقة لمن أتمين الخامسة عشر من عمرهن، وعدّل ذلك ما كان ينص عليه قانون حقوق العائلة العثماني المعمول به لدى المحاكم الشرعية السنية في لبنان، والذي ينص على أن الأنثى تزوج بعمر 9 سنوات بإذن ولي الأمر، أما التي تبلغ من العمر 17 سنة بإمكانها الإقدام على هذه الخطوة من دون موافقة ولي أمرها”.

وعن الاستثناءات شرح شحادة أن “المادة 41 من القانون المعدل نصت على أنه إذا راجع القاصر أو القاصرة اللذان أتمّا الخامسة عشر من العمر القاضي الشرعي وادعيا أنهما بلغا فله أن يأذن لهما بالزواج إن كان حالهما الجسدي، العقلي والنفسي يتحمل ذلك وأذن وليهما، وبالاستناد إلى المادة 42 يخضع القصّر أثناء تقديمهم معاملة الزواج لفحص طبي وعقلي نفسي من قبل أخصائيين اثنين معتمدين من المحاكم الشرعية للتثبت من عدم وجود مانع عقلي، نفسي أو جسدي يمنع من الزواج”.

وفيما إن كان القاضي شحادة مع توحيد قانون الأحوال الشخصية، أجاب “برأيي الشخصي هذا الموضوع يجب أن يخضع لحوار بين مختلف الطوائف اللبنانية ممن لديها محاكم شرعية وروحية، على أن يصدر عن ذلك توصيات تعكس طموحات كل الطوائف لتعرض على المجلس النيابي لإقرارها”.

كذلك أكد مدير المركز الكاثوليكي للإعلام، الأب عبدو أبو كسم، أن الكنيسة ليست مع زواج القاصرات “بل مع أن تعيش الفتاة كل مراحل حياتها ما قبل البلوغ بالمعنى القانوني، أي بحسب ما نصت عليه شرعة الأمم المتحدة بأن الطفولة من عمر يوم إلى 18 سنة”، مشددا في حديث لموقع “الحرة” على أن “الكنيسة تؤيد زواج الراشدين الذي يرتكز على الرضى والإرادة الحرة، وهما يحتاجان إلى إدراك ووعي، ومن دونهما يكون الزواج باطلا”.

لكن ماذا عن موافقة الكنيسة الكاثوليكية على تزويج الفتيات في سن الأربعة عشر عاما؟ عن ذلك علّق الأب أبو كسم لموقع “الحرة” “هذا استثناء نادر في ظل انتشار الوعي والثقافة، لكن إن ذهبت قاصر (خطيفة) مع شاب نكون في هذه الحالة أمام الأمر الواقع، عندها نأخذ رضاها ورضا والديها على الزواج قبل عقد قرانها”.

وأكد  أبو كسم أنه مع تعديل قانون الأحوال الشخصية لحفظ كرامة الإنسان سواء كان رجلا أو امرأة، لافتا إلى أن “مشاركة لجنة من قضاة لدى المحاكم المارونية والكاثوليكية في مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية، كون ما كان يصلح سنة 1951 لم يعد يصلح اليوم، إذ على الأقل يحتاج إلى تطوير”.

لكن قاضي محكمة بيروت الشرعية الجعفرية، الشيخ موسى سموري، جزم أنه ليس مع توحيد قانون الأحوال الشخصية شارحا لموقع “الحرة” بقوله: “لهذا القانون أسس دستورية وقانونية، فالدستور أعطى لكل طائفة الحق في احترام خصوصيتها الدينية والحديث عن تعديله أمر معقد يحتاج إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي والدستور، وهذه الدعوة ستؤدي إلى مخالفات واضحة وصريحة للشريعة الإسلامية”.

وأضاف القاضي سموري أنه “من وجهة نظر شرعية تصبح الفتاة مالكة لقرارها مع رقابة وإذن ولي أمرها اذا أصبحت بالغة راشدة، ولهذا تحديد شرعي يختلف عن التحديد القانوني، فمثلا تبلغ البنت شرعا برأي فقهائنا إذا أتمت التاسعة من عمرها، لكن يبقى شرط آخر وهو الرشد الذي يمكن اختباره لمعرفة مدى استيعابها ووعيها وإدراكها للأمور وقدرتها على تقدير الصواب من الخطأ، وهذا يعني أنه لا يكفي أن تبلغ التاسعة من العمر”.

يمكن أن تبلغ الفتاة الثالثة عشر من عمرها”، كما قال القاضي سموري “ولا تكون راشدة، وعندما يثبت رشدها من المنظور الشرعي جاز زواجها، وبعد تحقق الشرط الشرعي ينظر في القانون، فإن لم يكن هناك مانع قانوني كأن لو فرضنا أن قانون المحاكم الشرعية يمنع ذلك والحال أنه لا يمنع، فحينئذ يراعى القانون”.

مخاطر وحلول

أثبتت الدراسات، بحسب اختصاصية علم النفس هيفاء السيد، أن مخاطر عدة تواجهها القاصرات عند زواجهن، سواء على الصعيد النفسي أم الجسدي، “فمن الناحية النفسية يولد لدى الفتاة القاصر شعور بالإحباط الشديد لعدم تمتعها بالقدرة على تحمل المسؤولية والمعرفة الكافية للتعامل مع الاشكاليات الزوجية، عدا عن معاناتها من الحرمان العاطفي والعيش مرحلة الطفولة والتعلم والانخراط في سوق العمل، ما قد يؤدي إلى إصابتها بأمراض نفسية كالهستيريا، الفصام، القلق، الاضطرابات الشخصية، الاكتئاب الذي قد يصل إلى حد الانتحار”.

وعلى الصعيد الجسدي، فإن القاصرات معرضات، كما قالت الاختصاصية النفسية، إلى “نزيف كون بنيتهن الفيزيولوجية غير مؤهلة للقيام بعلاقة جنسية، كذلك الحال عند حملهن ووضعهن لمولودهن، عدا عن أنهن معرضات للإجهاض بنسبة كبيرة، كل ذلك له انعكاساته السلبية على نموهن النفسي، فقد يتقبلن أو يرفضن المولود نظرا للتغيرات العضوية والهرمونية فهن ذوات شخصية طفولية لا تدرك ما يدور”.

الوقاية من هذه الظاهرة الهدامة وتقليص انتشارها يكون بحسب الاختصاصية النفسية “من خلال برامج أسرية إرشادية تبرز مساوئ التزويج المبكر من خلال زيادة الوعي الثقافي، كما أن للمحاكم الدينية دورها في منع الزواج قبل سن الثامنة عشر الذي ينتشر بشكل أكبر في المجتمعات الفقيرة وغير المثقفة”.

وإذا كان حل هذه المعضلة بحسب عواضة يكون “من خلال إقرار قانون موحد للأحوال الشخصية يوحد سن الزواج بـ18 عاما”، فإن الأميوني ترى أنه “لاسبيل لذلك سوى بالتوعية المجتمعية، وهذا دور المنظمات الدولية والجمعيات الأهلية، إضافة إلى مسؤولية المجلس النيابي والإعلام الذي يجب أن يسلّط الضوء على هذه المشكلة”.

كذلك اعتبر الشيخ العسلي أن التخلص من هذه الظاهرة يفرض “إقامة دورات تأهيل لكلا الطرفين الراغبين في الارتباط وذلك قبل الزواج، يشرف عليهما مختصون، حكام شرعيون، وقانونيون لإقرار أهليتهما للزواج ويتابعانهما بعد الزواج لفك النزاعات كي لا ينتهي الأمر بالطلاق والشقاق”.