حكامنا لا يقرأون… أو يهملون المبادرات – مروان اسكندر – النهار

كثر الحديث في الآونة الاخيرة عن موضوع استيراد الغاز من مصر والكهرباء من الاردن حيث انجز الاردنيون مع الصينيين حقولا لانتاج الطاقة من الالواح الحرارية الشمسية بطاقة 1000 ميغاواط، اي ما يفوق طاقة أحدث معملين لانتاج الطاقة في #لبنان، وقد وفّرا الطاقة الكهربائية بكفاية حتى اوائل القرن الحالي.

التوجه نحو الغاز كان واضحًا لدى الرئيس #رفيق الحريري، فهو انجز عقود انشاء معملين لانتاج الطاقة في الزهراني ودير عمار شرق طرابلس، على ان يكون انتاج المعملين بطاقة 900 ميغاواط، وشدد على انجاز معملين بطاقة 80 ميغاواط لكل منهما في بعلبك والجنوب.




لقد أصر الرئيس رفيق الحريري على ان تشمل مواصفات المعملين الاكبر بطاقة 900 ميغاواط امكانية استعمال الغاز كلقيم بدلاً من المازوت، وهكذا كان. فمعملا الزهراني ودير عمار يمكن تشغيلهما بفعالية اكبر ونفقات اقل اذا ما استُعمل الغاز.

أراد الحريري تأمين الغاز الطبيعي لمعملي انتاج الكهرباء في اقرب فرصة، فتفحّص اولاً قدرة سوريا على تأمين الغاز من انتاجها المحلي الذي هو اليوم في تحكّم الاميركيين ومنافعه تحوّل للاكراد سكان المنطقة منذ زمن. وحينما تأكد من عدم توافر كميات الغاز من سوريا شرع في محادثات لاستيراد الغاز من مصر وتوصّل الى عقد اتفاق رباعي على تنفيذ هذا المشروع، وبدأ العمل على انجاز خط لنقل الغاز من مصر الى الاردن فسوريا ولبنان، وعام 2005 انجز العمل على خط لنقل #الغاز المصري من سوريا الى لبنان عبر خط آخر يربط معمل دير عمار بحمص.

بعد انجاز الخط من مصر الى الاردن وسوريا، تبين للمصريين ان طاقتهم على التصدير انخفضت لسببين: اولاً انجاز معمل لتسييل الغاز في مصر ومن ثم تصديره بأسعار مناسبة، وزيادة الاستهلاك المحلي بسرعة وإصرار المصريين على تزويد اسرائيل كميات متفقاً عليها، وبالتالي انحسر توافر الغاز المصري حتى عام 2007 حين تم اكتشاف احد اكبر حقول الغاز في العالم في المياه الاقليمية المصرية من قِبل شركة “ايني” الايطالية وبإشراف مهندس لبناني يعمل مع هذه الشركة.

التصدير الى سوريا ولبنان بدأ منذ العام 2009 ومن ثم انقطع، ربما لأن العلاقات اللبنانية – السورية اصبحت متشنجة بعد اغتيال الرئيس الحريري، ونحن اليوم ننتظر استعادة القدرة على استيراد الغاز المصري بضمانة اميركية وبإعفاء سوريا من عقوبات اميركية والزام الطرف اللبناني التقيد بشروط تماثل ما هو معمول به مثلاً بين ابو ظبي وقطر، حيث استهلاك ابو ظبي من الغاز يتجاوز قدرة الانتاج المحلي، وطاقة انتاج الغاز في قطر تتجاوز اي بلد آخر ما عدا روسيا التي هي اكبر مصدّر للغاز في العالم وتزوّد الدول الاوروبية، بما فيها اوكرانيا، نسبة 50% من الاستهلاك الاوروبي، الذي يتزايد للاعتبارات البيئية والتشريعات الدولية.

بعد اغتيال الحريري، واغتيال القدرة على النمو في لبنان، وفد الى بيروت وزير النفط القطري عبدالله العطية، الذي كان في حينه مسؤولاً عن انتاج الغاز وتصديره.

عرض الوزير القطري على لبنان تزويد لبنان حاجاته من الغاز لتشغيل محطة او محطتين لانتاج الكهرباء بسعر يساوي دولارين لكل الف قدم مكعب، ولأجل إعلام القراء كل 6000 قدم مكعب من الغاز طاقة تساوي او تفوق بقليل طاقة انتاج برميل من النفط، وبالتالي كان يعرض ولفترة زمنية ملحوظة تزويدنا كميات من الغاز بسعر يوازي 12 دولارًا لبرميل النفط، وفي ذلك التاريخ كان سعر برميل النفط يزيد على 60-70 دولارًا بحسب النوعية والمصدر.

اضافة الى تزويدنا كميات من الغاز تُنقل بناقلات الغاز المسيل الذي يعاد تغويزه في مصانع خاصة، عرض القطريون ان يتحملوا كلفة انجاز محطة تغويز وارسائها، إما قبالة معمل دير عمار في البحر او الزهراني. وجدير بالذكر ان كلفة معمل التغويز، بحسب تقديرات وزارة الطاقة اليوم، تبلغ مليار دولار.

لقد كان العرض القطري في ذلك الوقت سخيًا وكان يؤمّن للبنان وفورات في تكاليف استيراد المشتقات تفوق المليار دولار سنويًا، وقبل هذا العرض كان البنك الدولي قد وضع دراسة حول قضية توفير الكهرباء في لبنان قدّمها الى الرئيس الحريري عام 1996، وبيّن فيها ان استعمال الغاز وتوسيع طاقة انتاج الكهرباء وتعديل التعرفة امور تساهم في الغاء حاجات الدعم.

الحماسة اليوم لموضوع الغاز اصبحت تحوز الاهتمام الرسمي. والسؤال هو: لماذا لم يتم الاتفاق عام 2005 مع قطر ووزيرها للنفط الذي كان متعلقًا بلبنان وخصائصه؟

الوزير القطري صرح بعد مغادرته بيروت بسرعة بانه حزين لفقدان لبنان هذه الفرصة لان كثرة الذين طرقوا ابواب فندقه حتى وقت نومه وهم يدّعون قدرتهم على توفير الواسطة لانجاز العقد، دفعت الوزير الى الابتعاد عن لبنان وسماسرة السياسة، وبالتالي خسرنا فرصة كانت ستفيدنا حتى اليوم الى حد بعيد.

التعلق باستيراد الغاز من مصر له ما يبرره، لكن المنفعة انخفضت الى حد بعيد، فأسعار استهلاك الغاز في اوروبا ارتفعت ستة أضعاف هذه السنة لان هنالك سياسات مقررة في فرنسا والمانيا وايطاليا واسبانيا بإنهاء الاعتماد على الفحم الحجري والمازوت والتوجه الى الغاز وانتاج الطاقة من الالواح الزجاجية الشمسية (اي ما يتوافر من الاردن) والرياح.

بعد الحرب العالمية الثانية والدمار الواسع في الدول الاوروبية واليابان، زادت الحاجة الى توافر المشتقات النفطية وكانت الولايات المتحدة هي المصدر الاهم، وقد استطاعت تركيز المعاملات على الدولار الذي بات العملة الاساسية للسياسة العالمية.

اليوم اصبحت روسيا ميزان تسعير الغاز وتأمينه، واصبحت الصين الدولة الانجح في انتاج الالواح الحرارية الشمسية وهندسة انشاء حقول هذه الطاقة، ونحن بعيدون عن الطاقة الشمسية المتوافرة لنا، علمًا ان الاردن عرض تزويدنا الكهرباء من الحقل الذي انجزه الصينيون. الجميع يتماشون مع تقنيات الحداثة إلا نحن وقد كنا اوائل المحدثين.