“هبة” غير المرحب بها.. معاناة لبنانية بأسبوع التجمد

يضرب اللبنانيون، مساء اليوم الثلاثاء، موعداً مع “هبة”.. تسمية أطلقتها الأرصاد الجوية في لبنان على عاصفة ثلجية ستحل ضيفاً قارساً على سكان البلاد المنهكين بتأثيرات أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخهم، والتي يعانون في ظلها من صعوبة تأمين تكاليف أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها تكاليف التدفئة الضرورية للبقاء خلال شتاء لبنان القاسي.

“هبة” لم تكن أول الضيوف، إذ سبقها بالوصول منخفض جوي نهاية الأسبوع الماضي اكتست خلاله مرتفعات لبنان كافة بالثلوج، وانتهى بسيطرة موجة قوية من الصقيع والجليد بلغت صباح أمس الاثنين السواحل اللبنانية، التي سجلت درجات حرارة تدنت بشكل ملحوظ عن معدلاتها السنوية، ووصلت إلى عتبة الصفر شمالاً في طرابلس وعكار، ليحل من بعدها مناخ قطبي ناجم عن دخول البلاد تحت تأثير موجات “المنخفض الأيسلندي”، الذي يسيطر على كامل الحوض الشرقي للبحر المتوسط.




و”الأيسلندي” عبارة عن منخفض ضغط جوي شبه دائم، يتمركز شمال المحيط الأطلسي بين آيسلاندا وجرينلاند، وبين خطي العرض 60° و65° شمالاً، ويعتبر هذا المنخفض دون المداري واحداً من مراكز الضغط الجوي الأساسية لنصف الكرة الأرضية الشمالي. يتسع خلال فصل الشتاء حينما يكون البحر أدفئ نسبيا من اليابسة بينما يتقلص حجمه بشكل كبير خلال فصل الصيف.

وتفاوتت تقديرات الخبراء بين من اعتبر أن هذه العاصفة ستكون الأشد قسوة وبرودة على لبنان منذ 30 عاماً، وبين من قارنها بموجة صقيع مشابهة شهدتها البلاد عام 2015 في حين تسري توقعات تفيد بأن العاصفة ستغطي 70% من الأراضي اللبنانية بالثلوج.

الصقيع يشل البلاد

أول تأثيرات الموجات القطبية اختبرها اللبنانيون يوم أمس الاثنين وصباح اليوم الثلاثاء، حيث لف الجليد كافة المناطق التي يزيد ارتفاعها عن 600 متر فوق سطح البحر، قاطعا الطرقات الجبلية بين المناطق والقرى، مجمداً كل أشكال الحركة فيها، إذ فضل معظم سكان تلك المناطق التزام منازلهم، عوضاً عن التوجه إلى أعمالهم ومصالحهم في ظل الطقس المتجمد.

وأغلقت القوى الأمنية عدداً كبيراً من الطرقات الجبلية ولاسيما الطرقات الدولية التي تشهد كثافة سير بسبب تكون طبقات سميكة من الجليد أدت إلى تسجيل عدد من حوادث السير نتيجة الانزلاق، وانتشرت مقاطع مصورة من مناطق عدة لاسيما في منطقة الكحالة وعاليه وصولاً إلى بحمدون وحمانا حيث يمر الطريق الدولي المؤدي إلى محافظة البقاع، حيث سجل سلسلة حوادث سير أدت إلى انقطاع الطريق كما هو حال معظم الطرق الجبلية التي يزيد ارتفاعها عن 800 متر.

وعانى سكان المناطق الجبلية والداخل اللبناني من أزمة مياه ناتجة عن تجمد أنابيب إمدادات المياه وانفجار عدد كبير منها بسبب الجليد، الأمر الذي انعكس انقطاعاً في المياه داخل المنازل، لم تنهيه ساعات النهار، إذ لم تحمل بدورها درجات حرارة مرتفعة طيلة النهار ليعود الجليد مع فترة ما بعد الظهر، كذلك عانى عدد من السكان في استخدام سياراتهم وآليات التنقل بسبب تجمد مياه التبريد في المشعاع (الرادياتور).

قطاع الزراعة كان من أكثر القطاعات تأثراً سلبياً بالموجة القطبية، إذ ضرب الصقيع معظم المناطق الزراعية في لبنان، وطال محاصيل الخيم البلاستيكية في كل من عكار والبقاع وجبل لبنان، مما أدى إلى تلف كبير في المحاصيل والمزروعات، يطالب المزارعون الحكومة اللبنانية بتعويضهم عنها.

وفي سياق مكافحة الجليد عمدت بعض البلديات، لاسيما في المناطق الجبلية وفي القرى الواقعة على الطرقات الدولية إلى رش الملح على الطرقات لمنع تشكل الجليد، وجرف الثلوج من الشوارع منعا لتجمدها على الطريق.

التدفئة.. أصعب التحديات

أما المعاناة الأكبر التي واجهها اللبنانيون خلال تجربتهم مع اليوم الأول من موجة الصقيع، كانت في تأمين تكاليف التدفئة اللازمة. يقول أنطوان حدشيتي، 58 عاماً، الذي يعيش في قضاء بشري، أن طقس هذه الأيام يوازي أسابيع من أيام الشتاء العادية، بالنسبة إلى مصروف التدفئة، “لا يمكنك في هذا الطقس أن تطفئ المدفئة طيلة النهار وخصوصاً في فترة الليل والفجر حيث تنخفض الحرارة إلى أدنى درجاتها، فيما مصروف المحروقات أو الحطب يزداد 3 أو 4 مرات لتوفير الدفء اللازم.”

ويحسب أنطوان تكاليف التدفئة بالأيام والساعات، وفق ما يؤكد لموقع “الحرة”، ويضيف “أنا موظف اتقاضى راتبي بالعملة اللبنانية، ومهما بلغت الزيادات والإعانات التي نتلقاها بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، تبقى منخفضة جداً قياساً بحجم الغلاء المعيشي ولاسيما تكاليف التدفئة، ولولا الإعانة التي أتلقاها من اخوتي خارج لبنان، لما كنت اليوم قادراً على تأمين قوت يومي، فأسعار مازوت التدفئة لوحده باتت تستنزف شهرياً كامل راتبي.”

ما يعيشه أنطوان بات حالة عامة في لبنان، فالانهيار الكبير للعملة امام الدولار، أدى إلى ارتفاع قياسي في أسعار المحروقات التي يستوردها لبنان بالدولار ما يفرض بيعها وفقاً لسعر الصرف. وفي ظل هذا الواقع وانعدام الدعم الحكومي بلغ سعر صفيحة المازوت (20 ليترا) المستخدم بشكل أساسي في التدفئة 350 ألف ليرة لبنانية، في حين أن الحد الأدنى للأجور في لبنان لا يزال محدداً بـ 675 ألف ليرة لبنانية، يوازي سعر صفيحتي مازوت لا تكفي العائلة الواحدة أكثر من يومين للتدفئة.

أما الحطب فلا يقل سعراً، حيث ناهز سعر الطن الواحد 3 ملايين ليرة لبنانية، تمثل مخزون شهر واحد من التدفئة، وتتجاوز هذه التكلفة لوحدها تتجاوز المعدل العام لأجور اللبنانيين في الشهر الواحد.

محسن ماضي، 62 عاماً، يعيش في منطقة زحلة، كان يعمل في تصليح الأدوات الكهربائية قبل أن ينخفض الإقبال بشكل كبير على مصلحته بعد الأزمة الاقتصادية، لم يستطع محسن كحال كثير من اللبنانيين تأمين مخزونهم الفصلي من الحطب أو المازوت للتدفئة، وبلغ حد التسليم بمواجهة فصل الشتاء مع زوجته وأولاده بالبطانيات وثقل الملابس، وبمدفئة باردة، إلا إذا استطاع تأمين ما يشعلها.

ويجول محسن مع نجله على مناشر الخشب والأحراش المحيطة لتأمين قليل من الحطب، إلا أن الأمر لم يعد عملياً مؤخراً إذ أن محسن ليس الوحيد الذي يبحث عن الحطب في الجرود ولدى المناشر، عدد كبير من أبناء منطقته يحذو حذوه، بحسب تأكيده، إضافة إلى أن سيطرة الطقس البارد يحد من القدرة على الحركة وإمكانية بحثه عن الحطب، ويجبره على التزام منزل بارد للوقاية من الثلوج والرياح في الخارج.

حصل محسن على مساعدة بسيطة مع بدء موجة الصقيع الحالية، بعض الجيران والأقارب تبرعوا له بكميات من الحطب تكفيه 10 أيام مقبلة، لا يعلم من بعدها كيف سيتدبر الأمور، يقول لموقع “الحرة”، إنه لطالما انتظر الشتاء وتمنى نزول المطر والثلج لما يحمله من خيرات، “لكنني اليوم أدعوا الله صباحا ومساء أن ينتهي فصل الشتاء بأسرع وقت وأن لا يكون قاسياً لنتمكن من تجاوزه بخير مع عائلتي.”

وبينما تتركز شدة العاصفة على المناطق الجبلية والداخلية، لا تستثني معاناة التدفئة سكان المناطق الساحلية التي بدورها تسجل درجات حرارة منخفضة جداً عن معدلاتها الموسمية، لكن الفارق أن تلك المناطق لا تتمتع بتجهيزات التدفئة المعتمدة في الجبال، وإنما تعتمد على الكهرباء التي تشكل معاناة أخرى في لبنان، حيث ترتفع تكلفتها إلى مستويات قياسية نظرا لعجز الحكومة عن تأمين حاجة البلاد، واعتماد السكان على المولدات الخاصة التي تسعر وفقاً لسعر المازوت وسعر صرف الدولار.

هذا الواقع يدفع الكثير من سكان المدن الساحلية إلى البحث عن أساليب تدفئة أخرى او اللجوء إلى اساليب بدائية كالبطانيات أو إشعال الفحم داخل المنازل، توفيراً لمصروف الكهرباء.

العاصفة مستمرة

وبحسب توقعات مصلحة الأرصاد الجوية في المديرية العامة للطيران المدني، يبدأ تأثير العاصفة الثلجية “هبة” بعد ظهر اليوم الثلاثاء وتشتد مساء مع أمطار غزيرة ترافقها عواصف رعدية ورياح شديدة تتجاوز سرعتها الـ 100 كلم/س، خصوصاً شمال البلاد، وتنخفض درجات الحرارة بشكل تدريجي وملحوظ حتى صباح الأربعاء، حيث تتساقط الثلوج على ارتفاع 1100 متر وما دون في المناطق الشمالية والداخلية خلال النهار، ويتدنى مستوى تساقطها ليلا لتلامس الـ600 متر.

وحذرت مصلحة الأرصاد المواطنين اللبنانيين من سلوك الطرقات الجبلية، ومن ركن سياراتهم بالقرب من اللوحات الإعلانية المهددة بالسقوط نتيجة الرياح، كما نبهت صيادي الأسماك من ارتفاع موج البحر إلى حدود الـ 5 أمتار، متوقعة سقوط حبات البرد على الساحل خلال النهار.

وتستمر حتى ظهر الخميس، حيث تنحسر تدريجا وتحل موجة من الصقيع ويتكون الجليد في المناطق الجبلية والداخلية حتى يوم الجمعة، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون المعدلات السنوية بنحو 6 درجات.

وبحسب التوقعات، لن يكون نهار الجمعة آخر أيام العاصفة، حيث سيسيطر من بعدها موجة قطبية جافة شديدة البرودة حتى نهار الأحد المقبل، المتوقع أن يشهد وصول منخفض جوي جديد مصحوب بكتل باردة ومتساقطات غزيرة.

إرشادات ونصائح

بدورها أصدرت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية lari توصيات ونصائح عدة للسلطات اللبنانية والمواطنين والمزارعين من أجل تخفيف الأضرار الناتجة عن العاصفة، وفي حديث لـ “الحرة” نبه رئيس مجلس إدارتها الدكتور ميشال أفرام، إلى ضرورة الابتعاد عن التهويل والتضخيم المعتمد في نقل أخبار الطقس، لافتا إلى أن الطقس الحالي “سبق أن شهده لبنان مثله وأشد وأطول وأكثر برودة في الماضي.”

أفرام دعا الوسائل الإعلامية إلى توخي الدقة في نشر الأخبار المتعلقة بالطقس لما لها من تأثير على حياة وأرواح وسلامة الناس، داعيا إلى نشر التحذيرات التي تصدرها مصلحة الأبحاث ليستفيد الناس منها بدلا من التهويل عليهم، منتقداً أداء السلطات اللبنانية فيما يخص الإجراءات المتخذة خلال العاصفة.

وتساءل أفرام “أين رش الملح على الطرقات؟ أين إدارة السير؟ أين حرص المواطنين على سلامتهم وسلامة غيرهم؟” مضيفاً “منذ أسبوعين والمصلحة تحذر من الطقس المقبل ومع ذلك لا إرشادات تسمع ولا إجراءات تتخذ، حتى رش الملح على الطرقات يحصل بكميات قليلة وبغير وقته اللازم، إهمال وإهمال قد يكلف المواطنين حياتهم وأموالهم.”

ووجهت مصلحة الأبحاث نداء إلى مزارعي عكار والبقاع، نصحتهم فيه بري المزروعات ليلاً عندما تبلغ درجات الحرارة الصفر، من أجل حمايتها من الصقيع، كذلك طلبت منهم تدفئة البيوت البلاستيكية ومزارع الدواجن مع انخفاض درجات الحرارة إلى الصفر، طالبة من المزارعين ضرورة استخدام ميزان الحرارة لمراقبتها والتصرف عند انخفاضها.

ونصحت المواطنين بالانتباه لتجمد المياه في منازلهم داعية إلى فتح صنابير المياه قليلاً خلال الليل لمنع انفجار القساطل بسبب التجمد.

كذلك طلبت Lari من المواطنين استخدام مانع التجمد في سياراتهم وآلياتهم الزراعية ومضخات المياه ابتداء من ارتفاع 700 متر وما فوق عن سطح البحر، كذلك الإنتباه إلى الجليد وعدم استخدام الطرقات الجبلية إلا عند الضرورة لافتة إلى إلزامية تجهيز السيارات بسلاسل معدنية أو مسامير خاصة عند الحاجة للتنقل على الجليد، منبهة من أن السيارات رباعية الدفع التي تفيد في الثلوج لا تفيد على الجليد وتكون عرضة للانزلاق كما غيرها.