فايننشال تايمز: هجمات الحوثيين على أبو ظبي تمثل امتحانا للتقارب الإماراتي ـ الإيراني

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده كل من سايمون كير في دبي وأندرو إنغلاند في لندن تساءلا فيه عن مصير التقارب الإماراتي- الإيراني بعد الصواريخ التي قال الحوثيون الذين تدعمهم إيران، إنهم أطلقوها على أبو ظبي. وقالا إنه مع تلاشي أعمدة الدخان عن المنطقة الصناعية في أبو ظبي بعد تفجير قتل ثلاثة أشخاص والنيران التي اندلعت بموقع بناء في مطار أبو ظبي الدولي، أيقن قادة الإمارات أن أسوأ مخاوفهم قد تحققت.

وأعلنت الدولة الخليجية أن أحداث الإثنين كانت نتيجة لهجمات بالطائرة المسيرة أطلقتها الجماعة الموالية لإيران في اليمن والتي زعمت أنها ضربت “عمق” الإمارات. وقالت الصحيفة إن الهجمات كشفت عن عرضة البلد الذي يقدم نفسه كواحة استقرار في منطقة متقلبة، للخطر من ميليشيات وبرغم أنظمة الدفاع المتقدمة التي اشتراها بمليارات الدولارات.




وأضافت أن توقيت الهجوم من قبل الجماعة الوكيلة عن إيران يعتبر بمثابة فحص للجهود الأخيرة من أبو ظبي لخفض التوتر مع الجارة إيران بالإضافة إلى زيادة التبادل التجاري معها. وطالما حذر قادة الإمارات من التهديد الذي تمثله الجماعات التي تدعمها إيران، ولكنها المرة الأولى التي اعترفوا فيها بأن هجوما على شواطئ المركز التجاري والسياحي الأول في المنطقة والذي يتدفق إليه ملايين العمال الوافدين والسياح للعمل في أبو ظبي والتسوق في دبي، يرتبط بالأمن. وأكدت الإمارات يوم الإثنين أن الحوثيين ليست لديهم القدرة على تقويض استقرار بلادهم. لكن الجماعة المتمردة أتبعت الهجوم بشريط دعائي حذر فيه زعيمهم عبد المالك الحوثي المستثمرين من أن الإمارات لم تعد “بلدا آمنا”. ولم يفت المسؤولون الإماراتيون ربط العلاقة بين الهجوم وزيارة المسؤول البارز في الحركة محمد عبد السلام لطهران وقت الهجوم، وذلك بحسب ما أورده إعلام الحركة.

ويرى شخص على معرفة بالموقف الإماراتي أن “الموقف ليس جيدا للإيرانيين، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار الإشارات التي سيرسلونها عبر تصريحاتهم العلنية أو القنوات الدبلوماسية”. وأضاف “ليست جيدة لجهود التقارب. وكل الإشارات التي حصل الإماراتيون عنها من الإيرانيين: نريد رؤية مزيد من هذا” التقارب. وقال إن هناك محادثات لتوسيع الدبلوماسية ونقلها لمستوى جديد، بما في ذلك زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أبو ظبي. ولكن بعد هجمات الإثنين “أصبحت الكرة في ملعب إيران”. واتهم المسؤولون الخليجيون والأمريكيون إيران، التي لم تعلق على الهجوم بتدريب وتسليح المقاتلين الحوثيين بالدرون والصواريخ المتقدمة. وشن الحوثيون هجمات صاروخية متكررة على السعودية. وقالت المملكة إنها اعترضت ثلاث صواريخ يوم الإثنين. ولم تؤكد طهران تزويد المتمردين بالسلاح لكنها أكدت دعمها السياسي لهم. ويخوض الحوثيون معركة ضد المقاتلين اليمنيين الذين تدعمهم الإمارات والسعودية في الحرب الأهلية التي يشهدها البلد. وسيحاول الإماراتيون معرفة إن كان الحوثيون قد تصرف بمفردهم أم بموافقة تكتيكية من إيران. ونقلت الصحيفة عن المحلل الإماراتي عبد الخالق عبد الله قوله إن الهجوم “سيعرقل جهود التقارب” و “نحن نتعامل مع إيران صعبة، ولا تزال إيران تهديدا. ولا تزال تهديدا لأمن الخليج”.

واندلعت الحرب في اليمن عام 2014 عندما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء وأطاحوا بالحكومة فيها. وقررت الإمارات المشاركة في الحرب ضدهم عام 2015 ولخوفها من وجود جماعة مؤيدة لإيران في حديقتها الخلفية. ولهذا أرسلت ألافا من الجنود إلى جانب السعودية. ومع مناقشة المحللين لدور إيران في اليمن إلا أن الإمارات والسعودية تنظران إلى الحوثيين هم جماعة وكيلة لها مثل حزب الله في لبنان. ودعمت الدولتان الخليجيتان، الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في استراتيجية “أقصى ضغط” بعد خروجه من الإتفاقية النووية عام 2018. إلا أن أبو ظبي بدأت بتغيير موقفها في 2019 بعد تعرض عدة ناقلات نفط للتخريب قرب شواطئها. وفي نفس الوقت حملت إيران مسؤولية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد المنشآت النفطية الحيوية في السعودية عام 2019. وصدمت الدولتان الخليجيتان ليس من قوة الهجوم، ولكن من رد الولايات المتحدة.

وقال ديفيد روبرتس، الخبير بشؤون الخليج في كينغز كوليج بلندن “سينظر (إلى الهجمات على النفط السعودي) كنقطة تحول مركزية في تاريخ الخليج”. وأضاف أن “المقاييس سقطت من أعين قادة الخليج بعدما اكتشفوا في الواقع مدى ضآلة المساهمة الأمريكية في هذه المسألة الأساسية” والضمانات التي كان عليها تقديمها كحارس للأمن. وأدت الحادثة لتغذية إحباط الإمارات من السياسة الأمريكية المتأرجحة في العقد الماضي وما اعتبرته سياسة غير متوقعة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة وما نظر إليه على أنها محاولة لفك الارتباط والخروج من المنطقة. وبعد فوز جوي بايدن في عام 2020 وأثر انتخابه على المنطقة بالإضافة إلى تداعيات وباء كورونا بدأت الإمارات بإعادة ترتيب سياستها الخارجية. وتحركت من السياسة الحاسمة في العقد الماضي واستبدلتها بالدبلوماسية الاقتصادية. وكانت إيران مركز التحول وقام مسؤولون بارزون بزيارتها وزاد التعاون التجاري بين البلدين.

وسحبت الإمارات معظم قواتها من اليمن في 2019، بعدما أعلنت أنها حققت كل أهدافها، ولكن من أجل تخفيض التوتر مع إيران، كما يقول المحللون. ولكن الإمارات دعمت في الأسابيع الماضية تحالفا مشتركا من قوات التحالف في محاولة لوقف تقدم الحوثيين. ورد الطيران السعودي بضرب صنعاء يوم الإثنين حيث قتل حوالي 20 شخصا. وقال الحوثيون إنهم شنوا الهجوم يوم الإثنين “لتلاعب” الإمارات في اليمن. ولو كان هجوما من طرف واحد فسيرى الإماراتيون ظل إيران فيه. وفي الشهر الماضي، قال المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات أنور قرقاش إن اللاعبين من غير الدول هم “تهديد حقيقي” للأمن الإقليمي. ولكنه أضاف أن الإمارات وإن خلافاتها مع إيران لكنها تعترف بالحاجة للتعامل مع الجمهورية الإسلامية عبر الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي “لإدارة هذه الأزمات”، لكن هجمات الإثنين أظهرت هشاشة هذا التقارب، وبحسب روبرتس “هذه المفارقة القاتمة للمفسدين” وأن الهجمات “كشفت عن الحاجة للدبلوماسية والضعف ولكنها قد تعقدها أكثر”.