سمير عطا الله

علِّمهُما – سمير عطالله – النهار

قاعدة العمل الوطني هي الخُلق والمسؤولية، أما السياسة فقاعدتها أنها بِلا قواعد على الإطلاق، وأحياناً بِلا خُلُق وغالباً بلا وطنية. فالسياسة، على سبيل المثال، لا يهمّها إطلاقاً بِناء الأوطان أو تكسير الرؤوس، بل في إمكان السياسي أن يتحدّث على تكسير الرؤوس وكأنه عملٌ ضروري لبناء الأوطان .وفيما يُقرّ العمل الوطني بأن لا شرعية إلّا بالعمل الجماعي، فإن السياسة حربٌ دائمةً على الآخرين دون تمييز في مدى ضرر ذلك على الدولة ومستقبل الشعوب .

كان الرئيس #كميل شمعون من ألمع وأذكى رجال الدولة. ولكم يكن سياسياً محلياً فقط، وإنما انخرط منذ بداياتهِ بمعرفة السياسة الدولية والعربية، وقد زاد من سِعة آفاقهِ وعمله في المحافل الدولية الأكثر أهمّية في تلك الأيام، أي الأمم المتحدة ولندن .




المرحلة أيضاً كانت مختلفةً في مستوياتها وكذلك العلاقات بين الدول. ومع أن #لبنان كان، كما هو دائماً، نقطة صراع متعدّد الأضلاع، فإن كميل شمعون استطاع، سياسياً ثم رئيساً، أن يُدير العلاقات مع الخارج في توازن واعتدال. أيَّد العرب والعروبة من دون أن يُعرِّض علاقاتهِ مع الإنجليز الذين أقاموا بالمنطقة القضيّة الفلسطينية قبل أن يبدأوا بالانسحاب من الشرق.
الرئيس الذي حمل العرب والأمم إلى لبنان بعدما حمل لبنان إلى العرب والأمم، وصل في نهاية المطاف إلى الجدار التاريخي: هل هو كميل نمر شمعون الذي من دير القمر والشوف، أو من رئاسة الجمهورية اللبنانية في قلب العالم العربي: تفرطعت البلاد! نزل الرئيس من منصّة الأمم المتحدة إلى شحيم وصيدا والقليعات. وراح يُكسر الرؤوس التي يقوم على وجودها الكثير من بقاء لبنان. من آل جُنبلاط، إلى آل الخطيب، إلى آل شهاب، إلى آل الأسعد، إلى كل آلٍ من الآلات، التي لا تقاس بها معارف التجديد ولا مواجهة الثورات اللواتي تضافرن على البلد من داخل الحدود وخارجها .

بعد كميل شمعون أدرك العُقلاء مِمّن يدركون أن تكسير الرؤوس مُغامرةٌ حمقاء تؤدّي إلى شيء واحد هو خراب البلد. وكان لا بدّ، بعد تلك الفوضى الدموية التي عبثت بالجهات الأربع، من رجلٍ مثل فؤاد شهاب، يُعرف من خلال معرفته (حقائق الأرض)، لِيُدرك بديهيات الأشياء، وأن الفارق بين الهِرمل وجُبيل كالفارق بين طرابلس وجونية، إذ يفصل بين المدينتين شاطئٌ من ستين كيلومتراً وعالمٌ من ستين عاماً.

بعد فؤاد شهاب اتخذت معاركُ تكسير الرؤوس بُعداً شديد الخطورة وهو البُعد الخارجي، وقد كان هذا البعد حاضراً في السابق على كلّ المستويات، لكنهُ هذهِ المرّة اتخذ استقطاباً غير متوقع هو إلغاء الاستقلال أو تعليقُه أو ‒ ما هو أكثر خطورةً ‒ احتقاره وإعتباره نوعاً من الخيانة القومية، وعبئاً على الأمم، وعثرةً في سبيل تحرير فلسطين والوحدة العربية، كان كثيرون من اللبنانيون في انتظار تلك السانحة، وكان المُناخ معبّأً بكلّ الدوافع والقناعات، من القناعة التي تؤمن بأن العيش مستحيلٌ بين فريقي الأسرة الوطنية إلى من يعتبر أنّ الحلّ أن يأخذ كلّ فريقٍ أرضهُ معهُ ويذهب بها شرقاً أو غرباً ولا مكان لِما هو بينَ بين.

والبين بين، هي تلك البساطة العبقرية التي جعلت لبنان ممكناً ومستحباً. وجعلت سنواته السعيدة نموذجاً تطلبه شعوب الأرض، من إيرلندا إلى رواندا. وفقد هذه النموذجية عندما باع سيادته لقضيّة أخرى، بالمال والسلاح. وطافت في شوارعه تظاهرات تدعو الى إلغاء الوجود، وتحمّل النظام كلّ موبقات الأرض وتدعو إلى هدمه. وكتب نزار قباني في “الأسبوع العربي” التي كنت رئيس تحريرها (سوف تقتلونه وتندمون). فردّ عليه شفيق الحوت في “المحرّر”! هذا شاعر لا أحبّه. وبعد خروج المقاومة الفلسطينية التقيت المناضل صلاح خلف (أبو إياد) في الكويت. وعندما أراد أن يُدخّن سيجارة خرجت معه إلى سطح مبنى جريدة “الأنباء”، وسألته: ألم يكن أفضل لكم ولنا، أن تُعقد هذه الندوة في بيروت، أي بدلاً من أن تمرّ بها طريق فلسطين؟

أعتذر أنّني رويت هذه الحادثة أكثر من مرّة. لكنّها تحضر كلما تطلعنا حولنا ورأينا البلد يتفكّك ويضمحلّ، بسبب رعونة سياسيين لبنانيين وقصر نظرهم ورؤيتهم المريضة إلى حاضر البلد ومستقبله. وفي هذا الخلل الوطني الرهيب، يتساوى الفكر التكفيري والفكر التكسيري. ويروّع العقلاء أن يشاهدوا البترون مُلحّة في إلغاء نبيه بري. وأيّ لبنان سوف يبقى لهم ولنا، إذا تحققت فعلاً أضغاث الأحلام، بأن يصبح الفتى هو ميزان الوحدة، ويصبح نبيه بري ووليد جنبلاط وسمير جعجع وسامي الجميّل و17 تشرين خارجها .

هذا كثير على لبنان، سواء كان في هوانه الحالي المروّع، أو حتى في حالة طبيعية نادرة. وقد شق فكر التيّار المسيحيين شقاً عضوياً منذ أن اعتبروا لبنان مقاطعة حزبية، لكن يجب أن يتبصّروا في هذا الهياج القائم على شق لبنان مرةً أخرى وتكسير الرؤوس وفلسفة الهجوم الدائم والحروب الدائمة والمعارك التي تنتهي دائماً بتكسير ما بقي من لبنان وكرامته، والآن رغيفه ولحافه.

لم يبق شيء يُكسَر، إلّا إن كانت هناك متعة نرجسية في تحطيم الحطام، فما بقي منه شيء. جولة تكسير بلا نهاية. تكسير رياض سلامة. تكسير السُنّة. وبعد كلّ هذه الحفلة دعوة إلى مؤتمر حوار يقول الفتى في سماحه المألوف وتواضعه المعروف، أنه بمن حضر. بعد احتلال الكويت عُقد لقاء في الرياض برعاية الملك فهد بن عبد العزيز. وتقرّر أن يحضره من العراق نائب صدّام عزت الدوري، وعن الكويت وليّ العهد، الشيخ سعد العبدالله. وقبل الدوري “مشاركة” الشيخ سعد، الضحيّة، على شرط واحد: لا يحق له الكلام .

الحوار بمن حضر. وبعده صدر تصريح لنائبي المفضّل الدكتور ماريو عون يقول فيه إن الثنائي الشيعي يرفض فكرة الوطن والمواطنة. يا أيها النطاسي البارع، علّمهما.