“حزب الله” انطلق في هجوم مضادّ: نسعى مع الحلفاء للحصول على الغالبية

ابراهيم بيرم – النهار

ربما هي المرة الأولى التي يتحدث فيها #حزب الله بهذه الصراحة وبهذه الثقة العالية وعلى لسان القيادي الثالث فيه عن هدف أسمى وضعه نصب عينيه، وهو الحصول “مع الحلفاء على الغالبية النيابية” في الانتخابات الموعودة بعد أقل من خمسة أشهر.




في الشكل يبدو هذا الكلام مفتقداً عنصر المفاجأة والدهشة لأن هدف حصول قوة أو ائتلاف قوى سياسية على الأكثرية النيابية هو هدف يحوز كلّ المشروعية، فكيف إن كان الكلام صادراً عن قوة محورية مثل قوة “حزب الله” ووزنه في المعادلة.

لكن إماطة اللثام عن الرغبة في بلوغ هذا الهدف وفي هذا التوقيت بالذات حيث غالبية استطلاعات الرأي والاستبيانات التي يركّز عليها خصوم الحزب تشي بأن الأكثرية الحالية التي نالها الحزب ومحوره في الانتخابات الأخيرة (عام 2018)هي الى تراجع حتمي وضمور لتنقلب المعادلة النيابية الحالية رأساً على عقب، أمر بالغ الأهمّية في الجوهر وينطوي على دلالات ومفاجآت ويستبطن واحداً من احتمالين:

إما أن الحزب بات يمتلك من المعطيات والوقائع التي تصبّ في خانة حساباته ما يشجّعه على المجاهرة بهذه الرغبة وتالياً يدفعه الى إشهار هذا الرهان وما يتصل به من تحدٍّ كبير يضع نفسه إزاءه.

وإما أن الأمر كله يندرج في سياق “هجوم ارتدادي ودفاع كفائي” شاءه الحزب في هذه المرحلة المتصفة بالتعقيد والالتباس ليردّ ضمناً على حملات الخصوم التي تتوعّده منذ فترة بهزيمة نكراء ستلحق به وبمحوره المفكّك والمنقسم على ذاته بعدما دخل أبرز مكوّناته أي حركة “أمل” و”التيار الوطني الحر” وتيار “المردة” ومن والاهم وتبعهم في صراعات حادّة مفتوحة تبدّدت أمام حدّتها تلك كل جهود الحزب ووعوده بإعادة وصل ما انقطع بين هذه الأطراف.

وبلاغة مجاهرة الحزب بهذا الهدف غير اليسير، أنه يردّ على لسان الشخصية الثالثة في هرم قيادة الحزب وهو رئيس المجلس التنفيذي (حكومة الحزب) السيد هاشم صفي الدين، وبلاغته أنه يأتي أيضاً من خلال المحفل الذي أطلق فيه هذا الكلام وأثبت فيه هذا العهد، وهو محفل جمع نحو خمسين شخصية إعلامية وثقافية وأكاديمية تنتمي الى مختلف الطوائف والمناطق والاتجاهات تشارك في أنشطة “اللقاء الوطني الإعلامي” وهو إطار ناشط كانت له منذ انطلاقته قبيل نحو عامين أنشطة متنوّعة مهمّة.

وكان المحفل نفسه من طبيعة حوارية نقاشية. لم يكتف المشاركون فيه بالإنصات الى وجهة نظر الحزب ورؤيته لمسار الأمور المعقدة والمتشابكة تُتلى على مسامعهم، بل اتخذت أحياناً طابعاً سجالياً، إذ سارع الحاضرون الى إثارة أسئلتهم وهواجسهم وملاحظاتهم التي تعبّر عن قلق عميق واستشعار لعمق الأزمة. فردّ صفيّ الدين بتقديم شرح تفصيلي لم يتردّد خلاله من الإضاءة على نقاط الضعف والخطأ في تجربة الحزب خصوصاً في العامين المنصرمين.

وفي كل الأحوال فأن يجرؤ قيادي من الحزب على مواجهة صريحة مع هذا الطيف الواسع من الحضور حامل همّ وصاحب خبرة وتجربة، والمسكون بقلق أسئلة المرحلة والباحث عن إجابات شافية ووافية، ينزله البعض منزلة أن الحزب قد قرّر الانطلاق حتى النهاية في هجوم سياسي وإعلامي مضادّ بعدما اتبع خلال الأشهر الثلاثة نوعاً من “تقيّة سياسية وانكفاء طوعي” فسّره بعض الراصدين على أنه نهج اعتاد الحزب توسّله كلما وجد نفسه أمام أزمة ناجمة عن أمرين، الأول حجم التطوّرات وتسارعها، والثاني العجز عن إعطاء تفسير مقنع لما يجري والقصور في تقديم أجوبة تشفّ فعلاً عن توجّه جليّ له لاستيعاب المرحلة والبقاء ممسكاً بمنظومة السيطرة والتحكّم بمسار الأمور على نحو يضمن أن لا تخرج من بين يديه.

وبمعنى آخر، لم يكن الذاهبون الى ذلك اللقاء، بلهفة الباحثين عن إجابات تبدّد الالتباس وتجلو الصورة الضبابية، ينتظرون فيضاً من التبريرات الذرائعية لـ”عجز” الحزب عن أن يكون عند حجم الآمال التي عُلّقت عليه من جانبهم ذات يوم في المساهمة بفاعلية في تقويم ما اعوجّ من أمور البلاد وما حلّ بالعباد بفعل فساد المنظومة الحاكمة وعقم تجربتها في السياسة والاقتصاد منذ اتفاق الطائف الى الأمس القريب. فإذا بهذا الحزب الذي تخطّت فاعلياته وقدراته العسكرية الحدود يقف موقف العاجز في الداخل حتى عن جمع شتات حلفائه بعدما بلغ سيل انقسامهم الزبى، وإقناعهم بضرورة فتح أبواب النقاش والتحاور في ما بينهم. ولم يكن مقنعاً لقسم واسع من الحضور الردّ الجاهز وغبّ الطلب لدى الحزب وفحواه أنه فعل ما في وسعه في هذا المجال ولم يفلح وكان لسان حاله يقول: لقد صحّ منّي العزم ولكن دهر عمق التباينات بين هؤلاء الحلفاء أبى.

ورغم إلحاح الحضور لم يستطع صفي الدين أن يعد بنتائج أفضل لاحقاً، إذ قدّم تشخيصاً للمعضلة فحواه: أن إجماع حلفاء الحزب على الوقوف الى جانب المقاومة هو إجماع صادق واستراتيجي ويشكّل أساساً لمفهوم التحالف، لكنه يكاد يكون المشترك الوحيد الجامع في مقابل التباين في مقاربة كيفية تحديد الأولويات والمنطلقات في مقاربة الشؤون الداخلية.
ومن هذه المحطة التي بقيت إشكالية، أي من دون حسم، دخل صفيّ الدين الى مسألة أخرى أكثر درامية فرضت نفسها خلال الأعوام الأربعة الماضية ليقرّ ضمناً بأن الواقع الخلافي العميق الذي ظلّ يعصف من دون توقف بين القوى الحليفة له “ذهب بريح” الأكثرية النيابية التي حصل عليها بأريحية في دورة #الانتخابات النيابية الأخيرة وضيّع فرص الاستفادة منها إذ استنتج بصراحة أن هذا الواقع حال دون انبثاق “جبهة متماسكة تستطيع تشكيل الأغلبية الحاكمة” وتالياً التأسيس لواقع مستقبلي بمواصفات مختلفة للبلاد.

وهو ينطلق من تلك المقدّمات ليوحي بأن التجربة المرّة علّمتنا، ويُفترض أنها علّمت سوانا ومن سبقنا، عبرة ودرساً فحواهما: أن الأكثرية النيابية لا تساوي الكثير ولا يمكن ترجمتها عملياً، في بلد عنده كلّ هذا الكمّ من التعقيدات المتشابكة مثل #لبنان، يحتاج دوماً الى الاحتكام الى شيء اسمه “التوافق والميثاقية” وتتحكّم في جزء من منظومته السياسية والشعبية الى حسابات الخارج وتوجيهاته وإيحاءته.

وكان صفيّ الدين بذا يعلن الإذعان لمعادلة: أن هذا هو واقع البلد ورغم كلّ ما نملكه من عصب وعزم وقوة ليس بإمكاننا أن نغيّر فيه حرفاً سبق أن كُتب أو نبدّل نصّاً سبق أن خُطّ. وهذا يعني استنتاجاً أننا أسرى التركيبة اللبنانية ولم نستطع خروجاً من شعاعها القطري أو انفكاكاً من جاذبيتها وتأثراتها، ورغم ذلك كله نتحضّر لهجوم مضادّ عنوانه العريض عازمون على استرداد الأكثرية النيابية لأنها إحدى وسائل الوقاية والحماية.