فايننشال تايمز: جعلت قبره مزارا.. طهران تريد تحويل قاسم سليماني لـ”رمز وطني مقدس”

نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا لمراسلتها في طهران نجمة بوزورجمير قالت فيه إن إيران تحاول تحويل الجنرال قاسم سليماني إلى رمز وطني. وقالت إن هدى سمعت نقاشا في رحلة بالحافلة من أجل “الحج” إلى قبر سليماني الذي قتلته غارة أمريكية في كانون الثاني/يناير 2020 وهو خارج من مطار بغداد الدولي، ودار نقاش بين زوار آخرين حول ما يجب الدعاء به عندما يصلون إلى “المقام المقدس”.

واكتشفت المصورة البالغة من العمر 33 عاما أن سليماني اكتسب بعد وفاته بعامين موقعا أسطوريا إن لم يصبح نفسه قديسا.




قالت هدى: لا أحد يقترح أن سليماني معصوم ولكن هذا هو الشعور عند زيارة المقام. تشاهدين كل الناس هناك من العصرانيين إلى المتدينين

 وقالت هدى “لا أحد يقترح أن سليماني معصوم ولكن هذا هو الشعور عند زيارة المقام. فقد كان هادئا وروحيا وتشاهدين كل الناس هناك من العصرانيين إلى المتدينين”. وكانت هدى قد سافرت هذا الشهر لزيارة ضريح سليماني في مدينة كرمان، جنوبي إيران. وقالت “بكيت هناك واكتشفت كم كان رجلا مخلصا وقويا وكيف ضحى بنفسه لحمايتنا”.

وتعلق الصحيفة أن مقام سليماني نابع من محاولات الجمهورية الإسلامية وبعد عقود على انتصار الثورة عام 1979 لكسب الجيل الجديد ممن باتوا يشعرون بالخيبة من النظام الإيراني بسبب فساده والفقر الذي يعيش فيه الناس. ويحاول قادة إيران تنشيط طاقة القطاعات المؤيدة للنظام من خلال تمجيد سليماني، الرجل الذي جاء من أصول متواضعة واحتضنته الثورة لكي يصبح رمزا عسكريا مهما.

ونظرا لعدم ارتباطه بأي فساد أو فضيحة فهو يمثل الرمز المهم الذي يمكن لقادة إيران أن يستعيدوا الدعم للثورة من خلاله، وقد قاد سليماني العمليات الخارجية للحرس الثوري في العراق، وسوريا، ولبنان، وأفغانستان. ولديه سجل بدعم المرأة وكان يشير إليهن بـ “بناتي”، حتى البنات مثل هدى التي لبست قلنسوة أثناء زيارة قبره لا تلتزم بالزي التقليدي في البلاد. وفي بداية كانون الثاني/يناير نظمت الجمهورية الإسلامية “أسبوع المقاومة” من أجل إحياء ذكرى “استشهاده”. ووضعت ملصقات له وقالت إنها ستوفر الإقامة المجانية والطعام لأكثر من 250.000 زائر لقبره. وعرضت دور السينما فيلما وثائقيا عن سليماني مجانا. وتجمع آلاف من أنصاره في العاصمة طهران لإحياء ذكرى مقتله في 3 كانون الثاني/يناير وانضم إليهم الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي والذي تعهد بالانتقام من الساسة الأمريكيين.

 وقال محلل سياسي إصلاحي “تم استخدام ذكرى سليماني كدم جديد من أجل الحفاظ على مزاج الثورة وجذب موالين شباب جدد”. وأضاف “لم تعد الجمهورية الإسلامية قادرة على الترويج لمثلها والاحتفال بمؤسسيها من خلال إحياء ذكرى الثورة في شباط/فبراير ولأكثر من عشرة أيام. لكن سليماني هو قصة معدلة وهو المسؤول الوحيد البارز الذي قتلته الولايات المتحدة، مما يضيف إلى تميزه”. وقالت الصحيفة إن إظهار حمى الثورة في الداخل ترافق مع استعراض العضلات في المنطقة. ففي الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير اشتبه بقيام جماعات موالية لإيران في سوريا والعراق وبالتزامن مع ذكرى مقتل سليماني بشن سلسلة من الهجمات على قواعد تعمل فيها القوات الأمريكية. ولم يقتل أي أمريكي. وفي الوقت نفسه أعلنت إيران عقوبات على 51 أمريكيا قالت إنهم متورطون بمقتل سليماني وممارسة الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان.

وعلقت الصحيفة أن الرغبة بتحويل سليماني لبطل قومي تأتي في وقت اجتمع فيه الدبلوماسيون الإيرانيون مع ممثلي الدول الأخرى في فيينا لإحياء الاتفاقية النووية الإيرانية التي مزقها دونالد ترامب في 2018. وقالت إيران إنها مستعدة للعودة إلى الاتفاقية التي وقعها باراك أوباما عام 2015 في حالة رفعت واشنطن العقوبات التي أعيد فرضها وفرضتها إدارة ترامب وقدمت ضمانات بألا يقوم رئيس أمريكي في المستقبل بالتخلي عن المعاهدة.

 ومع زيادة المعاناة الاقتصادية بسبب العقوبات أصبحت التظاهرات التي ينظمها الطلاب والمدرسون وعمال الخدمة المدنية والمتقاعدون والمحاربون القدماء جزءا رئيسيا من الحياة اليومية. وبعد خمسة أيام على مقتل سليماني ردت إيران بضرب قواعد عسكرية في العراق وأسقطت طائرة أوكرانية قتل من كانوا على متنها وعددهم 179 راكبا واعترف الحرس الثوري لاحقا بالخطأ. ونظمت عائلات الضحايا الإيرانيين تظاهرات وطالبت بتقديم المسؤولين عن الخطأ إلى المحاكمة. وقالوا إن الطائرة استهدفت بشكل مقصود لمنع الولايات المتحدة من مهاجمة إيران.

 وقال المسؤول الصحي السابق محسن أسدي لاري “لست قاضيا، ولكنني توصلت إلى نتيجة وهي أنهم أسقطوا الطائرة كي تكون درعا بشريا ولوم الولايات المتحدة” وقتل اثنان من أبناء لاري في الحادث. وقالت إن القائد البارز في الحرس الثوري الجنرال حسين سلامي اقترح له ولزوجته زهرة مجد، المحاضرة الجامعية هذا “قالوا لو لم تسقط الطائرة لاندلعت حرب خطيرة في اليوم التالي. ولكانت أمريكا قد ضربت إيران ولتعرضت حياة 10 ملايين شخص للخطر. ورد الحرس الثوري أن كلام مجد غير صحيح ومشوه. ووقفت ابنة سليماني زينب، أمام النصب الذي أقيم لوالدها في بغداد. وأغضب مظهرها وهي تحمل أيفون 13 الكثيرين لأن استيراده ممنوع في إيران ولكونه رمزا للاستهلاك الغربي. وبالنسبة لهدى الزائرة لضريحه فقد كانت إيران مكانا جيدا للعيش لو لم يقتل سليماني “لم يكن يستحقق الموت بشكل طبيعي ولكن من الباكر استشهاده” و”نحن بحاجة إليه، وأعتقد أننا أصبحنا وحيدين وحدث الكثير من البؤس بسبب غيابه”.

وقفت ابنة سليماني زينب، أمام النصب الذي أقيم لوالدها. وأغضب مظهرها وهي تحمل أيفون 13 الكثيرين لأن استيراده ممنوع في إيران ولكونه رمزا للاستهلاك الغربي

 وأشارت الصحافية في تقرير آخر إلى أن النظام الإيراني اليوم منشغل بمعالجة الاقتصاد رغم ما قاله مؤسس الجمهورية آية الله روح الله الخميني أن هدف الثورة هو نشر الإسلام والتركيز على الاقتصاد يعني تحويل الناس إلى حيوانات. لكن الثورة بعد 4 عقود مهتمة أكثر بالاقتصاد وما يطلق عليه قادتها “اقتصاد المقاومة”. ويقوم الحل هذا على مواجهة الإجراءات العقابية الأمريكية التي تتهم إيران بتطوير البرنامج النووي ولعب دور غير بناء في الشرق الأوسط.

 ويعتقد قادة إيران أن تعافي الاقتصاد ودعم الرفاه الاجتماعي نابع من التركيز على السوق المحلي والاستغناء عن الاستيراد، بالإضافة إلى زيادة الصادرات غير النفطية للجيران ومزيد من النفط للصين. ويقول قادة إيران إن الاقتصاد بدأ بالنمو من جديد وهو ما عكسه تقرير للبنك الدولي صدر حديثا.

ويتوقع التقرير أن الاقتصاد الإيراني بدأ بالتعافي التدريجي بعد عقد ضائع 2011- 2021 من تراجع النمو. وبعد انكماش شهده العامان الماضيان زاد الناتج المحلي العام بنسبة 6.2% وهذا بسبب توسع قطاع النفط والخدمات والقيود الأقل تشددا لمواجهة كوفيد-19. وفي الوقت نفسه زاد إنتاج النفط الإيراني ووصل إلى 2.4 مليون برميل في اليوم في الفترة ما بين كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر 2021، مع أن إيران لا تزال بعيدة عن مستوى ما قبل العقوبات وهو 3.8 مليون برميل في اليوم عام 2017.

وتقول الصحيفة إن التطورات شجعت القادة الإيرانيين في وقت يتم فيه التفاوض على البرنامج النووي في فيينا. ورغم اللهجة المشجعة في تقرير البنك الدولي إلا أنه قال إن النمو الجديد لم يؤد لتقليل الفجوة في الدخل مع دول الخليج.