“متأيرنون” أكثر من إيران – نديم قطيش – أساس ميديا

أيّام قليلة فصلت بين حفلة التصعيد ضدّ السعودية التي افتتحها حسن نصرالله وبين الإعلان عن قرب إعادة فتح السفارات بين الرياض وطهران.

المفارقة أن يتزامن خبر التهيئة لإعادة فتح السفارات مع إحياء حزب الله في بيروت الذكرى السادسة لإعدام السعودية مواطنها نمر نمر، الذي أدّى إعدامه إلى قيام مجموعة من المتظاهرين الغوغائيين بإحراق السفارة السعودية في طهران ومهاجمة قنصلية المملكة في مشهد. الأمر الذي أفضى إلى قطع العلاقات بين البلدين على المستويات السياسية والتجارية والسياحية والطيران والرياضة وغيرها.




ففيما تتهيّأ إيران لإعادة الوصل مع السعودية، كانت دعوات القطيعة تصدر بإلحاح عن أداتها اللبنانية، أي حزب الله، في ذكرى النمر، ويقول في سياقها رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، هاشم صفي الدين: “اليوم من الواجب الشرعي والأخلاقي والوطني فضح هذا النظام لأنّ أبناء آل سعود يتدخّلون في كلّ أوطان المنطقة، والمطلوب أن ترتفع الأصوات وأن يُقال لآل سعود كفى هيمنة وتدخلاً وتدميراً وأذيّةً لشعوب وأوطان هذه المنطقة”.

من المضحك أن يوجّه صفي الدين هذه الدعوة، بصفة الواجب الشرعي، ويقرأ مزامير القطيعة، فيما رعاته ورعاة سيّده يسلكون درباً معاكسة تماماً.

صحيح أنّ تبادل السفارات وربما قبلها القنصليات هو مجرّد خطوة في مسار طويل لاستعادة الحدود الدنيا من شروط التعايش مع إيران، وأنّ الاشتباك بين السعودية وإيران وأدواتها في المنطقة، كان قائماً حتى في ظلّ وجود علاقات ديبلوماسية بين البلدين، وأنّ التطوّر الأخير لا يرقى إلى حدوث خرق استراتيجي في العلاقات الإيرانية السعودية، لكن يبقى أنّ التنافر بين ما يصدر عن طهران وما يصدر عن أدواتها في “ولاية الظاحية” فاضح، ومضحك، ومؤلم..

لمصلحة مَن خطاب العنتريّات هذا الذي لا يؤذي إلا اللبنانيّين، في حين أنّ إيران وبسبب الكارثة الاقتصادية التي تضربها، تبحث عن تسويات وحلول مع جوارها الخليجي الثريّ، طمعاً بإيجاد مخارج؟

لم يعد سرّاً مثلاً أنّ إيران مستميتة لرفع معدّلات التبادل التجاري مع الإمارات في القطاعات غير المشمولة بالعقوبات الأميركية. ولم يكن بلا دلالة أن يقول أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني خلال استقباله مستشار الأمن القومي الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، في طهران، في شهر كانون الأول الفائت، إنّ “العلاقات الودّيّة مع دول الجوار والتبادل الاقتصادي والتجاري والاستثمارات تُعدّ من أولويّات إيران في مجال السياسة الخارجية.”

فحين يتحدّث أعلى رجل أمنيّ إيراني عن التجارة والاستثمارات في أوّل إطلالة إيرانية إماراتية على هذا المستوى، فهو يؤشّر بلا شكّ إلى طبيعة التحدّيات التي تواجهها بلاده ويقول بلا مواربة إنّ الاقتصاد المتدهور هو أشدّ المخاطر التي تتهدّد أمن الجمهورية الإسلامية، وهذا صحيح.

لماذا على اللبنانيين إذاً أن يدفعوا فواتير عنتريّات حزب الله، إذا كانت إيران تعدّ نفسها للعضّ على الكثير من الجراح والقبول بتسويات مع مَن تكنّ لهم عداءً حقيقياً؟ ولماذا يصرّ حزب الله على أن يكون ملكيّاً أكثر من الملك، في التعبير القاسي عن مواقف ما عادت تصدر من طهران، أقلّه في مرحلة التقيّة الراهنة؟

توزيع الأدوار لا يكفي لتفسير هذا الافتراق الشاذّ بين ما تسعى إليه طهران من تهدئة ومصالحة، وما يصدر عن حزب الله من مواقف تجاه السعودية.

ما أراه هنا، رعونة صرفة وتعبير عن توتّر كبير يعيشه الحزب، نتيجة انكسار هيبته في أكثر من ملفّ، وتفاقم التجرّؤ عليه من ضمن التجرّؤ على عموم المنظومة السياسية بعد ثورة 17 تشرين الأول 2019، ما بات يفقده الكثير من مميّزات النضج السياسي والاستراتيجي الذي لطالما تمتّع به لمناورة الواقع السياسي اللبناني المعقّد.

حزب الله مشكلة. حزب الله المتوتّر مشكلة أكبر ولغم خطير يقيم في النخاع الشوكي للبنان بلداً ودولةً وجمهوريّةً وكياناً.