الدكتور داود الصايغ

مبروكة لكم الأحقاد فهذا كل ما لديكم – داود الصايغ – النهار

لم يأتِ الظلام من انقطاع التيار. فالأجيال السابقة عاشت على أضواء الشمس وأنوار القلوب. العتمة الحالية عندنا جاءت من انطفاء القلوب. مشكلة #لبنان الحالية تكمن في الأبواب الموصدة. لأنه ليس هنالك من مفتاح لتلك الأبواب، سوى ذلك الضوء البهي الذي يكمن في النفوس الكريمة.

قال الشاعر العربي “وقد ينبُتُ المرعى على دُمنِ الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هي”. فالحقد هو قاعدة التعامل اليوم بين من لهم القرار في لبنان، أكانوا على الكراسي داخل السلطة أم خارجها. والحقد مُدمّر. كلّ جرائم العالم منطلقها الحقد، الذي لا يُفترض بعالي الرُتب أن يحمله.




ولكن أي علو هو ذاك الذي ارتـقى بالمتربعين على كراسي هذه الأيام. هل هنالك لعنة ما بالنسبة إلى الذين يؤمنون بلعنات الأقدار. هل هنالك أكبر من تلك اللعنة واللبنانيون يتفرّجون على اتهامات تطاير الملايين المنهوبة، مرفقة بملايين الشتائم التي لو كان هنالك اليوم قاضٍ بسيطٍ متحرر اختلط عنده نور المعرفة بنور الضمير لوضعهم خلف القضبان.

نبتَ المرعى على دُمن الثرى. نبتَ العشب على دروب الوفاق والحوار والأيدي المتلاقية. ولم يعد هنالك بالنسبة إليهم سوى قضية حياة أو موت. حياتهم أو موتهم هم. أما حياة لبنان أو موته فقد تلاشت في ضمائرهم كما تلاشت أموال المودعين في المصارف الذين أصيبوا بالسكوت من هول ما يرون وما يسمعون.

بالطبع هنالك تراكمات السنوات وتـقصير السابقين كما يرددون. وإذا صحّ فذلك حصل في كل مكانٍ وزمان. ولأجل ذلك جاء المصلحون ولأجل ذلك رفعتم الشعارات. بالطبع هنالك الذراع الايرانية التي يتسع مداها يوماً بعد يوم ربما لأنها ترى أنه لا بدّ من ساعة حساب. فاللبنانيون هم اليوم صامتون. ولكن أصلب أنواع التمرّد هو ذلك الصمت الدفين. والساعة تقترب. لأجل ذلك يهوّلون. لأجل ذلك يقتحمون المقار الرسمية ويهددون. لأجل ذلك يتكرر مشهد الأصابع المرفوعة. وهم أول العارفين أن كل ذلك لن ينفع.

ولكن أين أنتم أيها المعتدّون بالقدرة، وبالحسابات الانتخابية وبالمقاعد والحقائب الدسمة. أين أنتم أيها الحالمون بالكراسي التي يلتصق أصحابها بها، فلا يعود لهم من هموم سوى القضاء فيها أو القضاء عليها، حرصاً منهم قبل كل شيء وهذا ما أوحت إليه ضمائرهم، بأن الفاجعة تكون بالفراغ. ودون أن يخطر ببالهم أن الفراغ قد حصل ساعة جلوسهم على الكراسي.

لقد افتُـتحت السنة الجديدة بالمآسي إياها. انتهت الأعياد بمزيدٍ من إصابات ذلك الداء الذي ما زال يحيّر البشرية. ولكن حيرة اللبنانيين تتجاوز الإصابات، لأنهم أصيبوا بما هو أسوء من ذلك. أصيبوا بالتوصيفات التي تنال الوجود ذاته. وهو كلامٌ صدر عن أعلى المرجعيات العالمية “إنكم تعيشون أزمة وجود”، تذكروا باخرة “التيتانيك”، كانت نماذج من أقوال كبار الأصدقاء في العالم.

لا يذكر العارفون ببعض مراحل الحياة السياسية منذ الاستقلال وحتى اليوم حالاتٍ من الشتائم تكال للمسؤولين والسياسيين مثل ما نراه منذ سنواتٍ قليلة. كان هنالك أزماتٌ وحروب أقصاها الحروب الأخيرة التي أسماها غسان تويني حروب الآخرين على لبنان أو حرب الآخرين على لبنان. من كان هؤلاء الآخرون؟ كان هنالك دائماً آخرون مذ بدأ لبنان بالتكوين الحديث منتصف القرن التاسع عشر ولكن في ما عدا مجاعة ١٩١٥-١٩١٨ لم يعرف اللبنانيون أياماً من العوز مثلما هم عليه اليوم. وأخبار الشاشات والإذاعات والأقلام باتت محصورة كلها بنقل صور هذه الوقائع.

على أن ذلك حصل يومذاك في زمن تهاوي الامبراطوريات والانتقال من الزمن العثماني إلى الزمن الفرنسي. رددوا يومها ذلك التعبير الذي صار مُلكاً للتاريخ بأن “البحر قد أُقفل”. أُقفل البحر في صراعات الكبار وما عاد أحدٌ بمستطاعه مدّ اليد إلى اللبنانيين. ولكن الزمن عاد وتغيّر، فكان عام ١٩٢٠ موعد لبنان الكبير، وعام ١٩٢٦ موعد الدستور، وعام ١٩٤٣ موعد الاستقلال، في انطلاقة لبنان المُبَشِّر بالخير والصداقة والانفتاح والتنوع والحوار.

ولكن أن يُصبح اللبنانيون في عوز بعد مئة عام على ولادة كيانهم فهذا ما لم يدخل في حسابات أو رؤى أقدر المنجمين من نوستراداموس إلى أولئك المهرجين الذي يظهرون على الشاشات و”يُبصّرون” على الطلب. تعالوا نتحاور قالوا. حسناً ذلك. وقد نسوا أن لبنان لا يقضي عمره في الحوار. الحوارات والمؤتمرات تُنظّم في سبيل الاتفاق على رؤية أو مخطط أو حلّ. وذلك على المستويات العالمية أو الإقليمية أو المحلية. وفي فيينا يتحاورون منذ سنوات في سبيل الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى. وقد شاهدنا قبل أيام الحوار الهاتفي بين الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتن وتباحثا حول أوكرانيا. واللقاءات داخل المنظمات أو الاتحادات العالمية أو الاوروبية هي لقاءات حوار ولكن أين نحن من الحوار في لبنان؟ حوار أناسٍ امتهنوا التعطيل. حوارٌ على ماذا؟

لقد أقفلتم الأبواب على كلّ من هو قادر. على كلّ من عنده حلّ. هنالك أصحاب حلول في لبنان. أين هم يا ترى؟ أوفدتم إلى مجالس الوزراء أمس واليوم مندوبوكم وأزلامكم (من الجنسين)، حتى إذا تعثّر أحدهم أكثر من المتعثّرين، أفتى من أوفده أنه لن يرسل بديلاً عنه! فأين هي السلطة يا ترى؟ هل هي مشتـتة بين مجموعاتٍ يتمترس كلّ منها خلف مصالحه وخلف ارتباطاته الخارجية؟ السلطة ليست ضائعة ومركزها مجلس الوزراء الذي يُفترض به اتخاذ القرارات. هكذا كان الحال حتى قبل أن يتم تعديل الدستور ويحدد أن السلطة الإجرائية منوطة بمجلس الوزراء. الإصلاحات الكبرى في التاريخ الاستقلالي حصلت بمقررات مجلس الوزراء وتحديداً عبر التشريع الاستثنائي بواسطة المراسيم الاشتراعية وعبر المادة ٥٨ السابقة ومهلة الأربعين يوماً.

لقد ألغوا وسيلة التشريع السريع في الدستور المعدّل. ولكن السلطة الإجرائية باتت منوطة بشكلٍ واضح في مجلس الوزراء. على أن أي مشترع دستوري، عندنا وعند غيرنا من الدول التي تحترم الدساتير لم يخطر بباله أن السلطة المسؤولة هذه سوف تصبح سلطة صفقات. وأن مجرّد انعقاد مجلس الوزراء صار خاضعاً لصفقة. هذا اسمه تجارة وليس ممارسة لسلطة. والمصيبة أن الجميع مشاركون فيها.

لقد حصل ذلك في السابق لأنه كان هنالك مُخْلِصون. أصحاب القرار والفعل اليوم مخلصون لمن ولماذا؟

أين هو ذلك السرّ أو ذلك اللغز أو ذلك الشيطان الأكبر على حدّ توصيف البعض الذي يرفع أسعار الدولار والليرة كل يوم بدون رقيب وعبر ذلك التعبير الجديد الذي أسمه اللولار. أليس الأجدر البدء من هنا وترك الحوار إلى المتحررين من أثـقال مصالحهم؟

في آخر لقاءٍ للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في قصر الصنوبر في أيلول ٢٠٢٠ دعا الحاضرين من القيادات إلى ترك موضوع حزب الله وصواريخه جانباً، والمباشرة بما هو متوفر من وسائل إصلاح. حصل ذلك قبل أن يكيل لهم الشتائم العلنية في مؤتمر صحافي خاص في قصر الإليزيه.

لقد بات معروفاً: حسابات حزب الله معلنة، وأمينه العام يهاجم السعودية دون كلل، في الوقت الذي يجري فيه الحوار بينها وبين إيران. وبالمناسبة ما هو هذا التعبير الذي عُمّمَ في السياسة والاعلام عن “الثنائي الشيعي”. إنه مُضلِل وينطوي على غُبنٍ وغموض. فهل أصبح شيعة لبنان خارج المكوّن اللبناني، وهل أن قياداتهم مهمتها التعطيل؟

هذا غير صحيح. وهذا من ضمن الجلبة الحالية التي لم يوضع لها حدّ. ولكن أين هو الصحيح. لم يتحوّل لبنان إلى بلدٍ غير قابل أن يُحكم. لقد تحوّلت الصراعات السياسية، وهي مشروعة في كل بلدٍ ديمقراطي، إلى أحقادٍ قاتلة في لبنان. فهل هنالك من حلول غير صندوقة الاقتراع في الانتخابات النيابية القادمة، وصندوقة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية القادمة في مجلس النواب الجديد حيث المطلوب أن يعاد الاعتبار إلى تلك الصندوقة الشفافة التي يُنتظر أن ينبعث منها ذلك الضوء الذي ينير العقول والضمائر.