غسان الحجار - النهار

مع داليا احمد في وجه كل “تماسيح” السياسة ووسائل التواصل الاجتماعي… والزملاء المتخاذلين – غسان حجار – النهار

عندما بدأت #داليا أحمد تجربتها التلفزيونية في عام 2002 أو 2003، لا أذكر تماماً، وكنت أعمل في “#الجديد”، تصادمنا مراراً، لأني كنت مقتنعاً بأن المحطة في انطلاقتها الثانية بعد تعثّر وإقفال، لا تحتمل المغامرة على الهواء بأفكار ووجوه جديدة لا تملك الخبرة، ولأن داليا لم تكن على كفاءة باتت عليها اليوم، بل كانت تحتاج الى الخبرة، وكانت مرتبكة على الدوام ما يسبّب كثرة الأخطاء. وظنّ البعض أن المواجهة سببها عدم تقبّل لون بشرتها، أو التعالي على جنسيتها، ولم يكن الأمر كذلك قطّ، لأنه يناقض إنسانيتي أولاً، وتربيتي العائلية المسيحية ثانياً، وانفتاحي العقلاني ثالثاً. وبتّ بعد حين معجباً بأداء داليا التي تمكّنت من إثبات ذاتها، وهي اللبنانية الهوى والانتماء والجنسية بالزواج والإنجاب، وهي ربما تحبّ لبنان أكثر من خونة يبيعونه وينكرونه كلّ صباح.

لا أريد في هذا المجال أن أتبنّى أقوالها، رغم اقتناعي بصوابية المضمون، لأني لم أشاهد البرنامج، ولا طريقة التقديم. حتى الدفاع أو التضامن يجب ألّا يكون عشوائياً، وانفعالياً. ومثله إدانة الآخرين، يجب ألّا تسقط في مستوى هؤلاء الساقطين. وبتنا اليوم في عالم وسائل التواصل الاجتماعي المتفلّت، لا من ناحية القيود فحسب، بل من جهة القيم. فمجتمعنا، بات مجتمع الميليشيات التي أحكمت سيطرتها على الدولة والحياة العامة. والتعابير التي نتابعها كلّ يوم بلغة سوقية سواء من أسماء مستعارة أو من أسماء حقيقية، أو من جيوش إلكترونية مأجورة، كلّها تؤكّد المستوى المتدنّي الذي بلغه مجتمعنا. وهذا لا يعني التعميم إطلاقاً، إذ في المجتمع اللبناني رقيّ وإنسانية وأخلاق، لكنّها باتت تختبئ خلف الجدران، لئلّا تواجه السفلة، فتشعر بأنها سقطت الى مستواهم. وفي هذا الأمر ما يحفظ نقاءها، لكنّه يضعف المجتمع، إذ يجب أن تقوم المواجهة، وأن تكون حقيقية وفاعلة، لئلّا يتغيّر وجه لبنان ويندفع بلا كوابح الى السقوط العميق.




منذ أيام تصدّرت مذيعة قناة “الجديد” داليا أحمد الترند، وتعرّضت لحملة #تنمّر و#عنصرية واسعة من مناصري “#حزب الله” بعد وصفها السياسيين في لبنان ومن ضمنهم الأمين العام للحزب حسن نصرالله، بـ”التماسيح”، وذلك في برنامجها “فشة خلق”.

ووُصفت أحمد من قبل أتباع الحزب خصوصاً، ومعهم الحركة، وبعض جمهور “التيّار الوطني الحرّ”، بأبشع الأوصاف، وجرى التنمّر على لون بشرتها بطريقة عنصرية، ووُجّهت إليها ألفاظ نابية. “سوداء البشرة” و”سوداء القلب” و”سودانية” و”أندل وأحقر وأوسخ من ديما صادق” و”شو خصّك ب لبنان تفه عليكي وعلى جنسك” و”وحدة حقيرة بلا كرامة عم تطاولي على سماحة السيد كمان”. وهذه ليست المرّة الأولى التي يتعرّض فيها إعلاميون لهجوم إلكتروني عنيف بسبب مواقف أدلوا بها، من دون أن تحرّك الجهات التي يُفترض أن تكون معنيّة ساكناً، أقله ببيان استنكار وشجب، وهنا يُطرح السؤال عن دور المجلس الوطني للإعلام الميت سريرياً منذ زمن بعيد.

صحيح أن جمهوراً واسعاً أيضاً ردّ بعنف على “المهاجمين” إلّا أنّ ردّ “الجديد” كان الأعنف عبر شاشتها بمقدّمة أخبار نارية هاجمت فيها الثنائي. وقد أشارت في مقدّمتها إلى “أن جمهور الثنائي أخرج كلّ ما في مزرعته من ثعالب ونمور وعجول للردّ السفيه وسوق القدح والذم إلى سوق الرذيلة السوداء.. فكان رئيس مجلس الإدارة تحسين خيّاط مرة أخرى في مرمى قبائل الرجم والاتهام.. فيما عوملت داليا أحمد كغريبة في ديارنا وهي اللبنانية بيننا في الوطن والهوية والأسوأ من نفيها عن وطنيتها كان اللغة المشينة المستخدمة في سحق لون بشرتها ما يؤهّل الجهل الى مرتبة عنصرية رفيعة”. وفي هجوم لاذع قالت “مَن كان مختصّاً بالقَبْعِ والخَلعِ ونشرِ رسائلِ التعطيل قضاءً وقدَراً حكومياً لن يَعجزَ عنِ استخدامِ جيوشِه العُنصريةِ المَصقولةِ بالفراغِ، ومَن كان أقصى إبداعِه يُختَصَرُ بهتشاغ يَعتمدُ على النُّباح فإنَّ المردودَ الطبيعيَّ لهذهِ الآراءِ سيكونُ عُواءً في الهواء”. وتابعت “مناسبةُ هذا البلاغِ أنّ مَن تعتمدُ عليهم حركةُ أمل وحزبُ الله للدفاعِ إلكترونياً ليسوا إلّا صورةً عن بضعةِ مجتمعٍ متنمّرٍ عُنصريٍّ لا حُجّةَ لديه سِوى اللجوءِ إلى استخدامِ ضباناتٍ لعقلِه تُسعفُه على كتابةِ الشتائم وضربِ الكرامات”. وهذهِ المرّةَ لسنا أمامَ جيوشٍ “مبرغتة” لا اسمَ لها ولا لون بل الأخطرُ هو في تبنّي الحملة على الزميلةِ داليا أحمد من قبلِ إعلاميينَ وناشطين وشخصياتٍ بأسمائِها الثلاثية وتنتمي إلى محورِ المقاومةِ بفَرعيهِ وثنائيّتِه”.

في كلّ حال، يتأكد أن أحزاب لبنان أفلست بمعظمها، ولم تعد تجد غير الشتيمة سلاحاً، والجيوش الإلكترونية أداة لقمع المعبّرين عن آرائهم، ولم تعد تملك حجّة الإقناع والجذب إلّا عبر التحريض الطائفي والمذهبي والمناطقي أو عبر المال السياسي. لكن الأصعب من أوضاع الأحزاب، هو حال ذاك اللبناني الذي، رغم كلّ التجارب التي مرّ بها، والخبرات التي كسبها من تفاعله الخارجي وأسفاره وأعماله، وأيضاً هجرته وتهجيره وسعيه الى جنسيات أخرى، لا يزال على عنصريته تجاه ألوان البشر، وعلى فوقيته تجاه شعوب العالم، وكلنا يذكر وزير الخارجية السيّئ الذكر شربل وهبي الذي دافع عن كرامة بلاده بأن شتم العرب “البدو”. هؤلاء الذين بلغوا الفضاء الخارجي، وأقاموا الجامعات والمتاحف وكلّ الصروح العلمية والثقافية، وعمّروا بلادهم، وبنوا خططاً للأعوام 2030 أو 2050، فيما نحن غارقون في وحول السياسيين الذين لا يحرّكون ساكناً لإنقاذ البلد، كأني بهم “تماسيح”.