ميقاتي يتحرك وحيداً لتفعيل الحكومة وتعطيل «عبوات» باسيل

 

وصف رئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله” هاشم صفي الدين، في مؤتمر “المعارضة في الجزيرة العربية”، المعارضين اللبنانيين لحزبه بـ”صيصان الولايات المتحدة الاميركية والسعودية”.




لا غرابة في هذا الوصف، فـ”حزب الله” طالما عبّر عن احتقاره للقوى والشخصيات اللبنانية التي تناضل من أجل أن ينضبط هذا الحزب تحت سقف الدستور والقانون والمصلحة الوطنية العليا، ويتخلّى عن تبعيته الثابتة والمؤكدة لأجندة “الحرس الثوري الإيراني”.

ولا ينطلق “حزب الله” في احتقار خصومه اللبنانيين من عدم، فهو صاحب سجل ترهيبي أسود في تعاطيه معهم، بدءًا بالاغتيالات القاتلة وصولاً الى الغزوات العسكرية.

ولا ينكر هؤلاء الخصوم أنّ حالهم، بالمقارنة، مع “حزب الله”، كحال “الصيصان” في مواجهة “الجرذان” التي تفتك بهم فتقتل وتخنق وتبث سمومها عليهم وبينهم وفيهم.

وعليه، فإنّه فيما يصف “حزب الله”، على لسان واحد من أرفع مسؤوليه، خصومه بـ”الصيصان”، فإنّ القواعد الشعبية، سواء كانت تابعة لهؤلاء الخصوم أو مستقلّة في مسارها، لا تتوانى عن وصف قيادات هذا الحزب بـ”الجرذان”.

وحتى تاريخه، لم تستطع الجرذان القضاء على “الصيصان” ولكن، في المقابل، لم تنجح “الصيصان” في توفير حماية كافية لها لتقيها من فتك “الجرذان”.

ما هو مؤكّد حالياً أنّ غالبية اللبنانيين ومعهم جميع المعنيين بالشأن اللبناني متفقون على أنّ “الجرذان” ألحقت أضراراً فادحة بـ”القن” فتشتّتت “الديوك” و”الدجاجات” و”الصيصان” وتوهّمت “الجرذان” بأنّها أصبحت “أسوداً” أو “صقوراً”.

وإذا ما انتقلنا من أدبيات “كليلة ودمنة” الى الأدبيات السياسية، فإنّ احتقار “حزب الله” لخصومه اللبنانيين بات قاعدة، بسبب استضعافهم، فهم، وفق اعتقاده، غير مؤهلين لمواجهته لا على المستوى العسكري، ولا على المستوى السياسي.

ويملك “حزب الله” ترسانة عسكرية هائلة يذهب البعض الى حدّ الاعتقاد بأنّها تتفوّق، عدة وعديداً، على القوات المسلّحة اللبنانية، فيما خصومه، وفي أحسن الأحوال، يملكون أسلحة خفيفة.

ويضم “حزب الله” أجهزة أمنية محترفة ناشطة في حقول الجاسوسية والترهيب والاغتيال، فيما يفتقد خصومه، بشكل كامل، إلى هذه الميزة التي تعتبر حاسمة في إقامة “توازن الرعب” كقاعدة ردع.

ويتمتّع “حزب الله” بحمايات سياسية وأمنية وعسكرية وقضائية تؤهّله أن يكون فوق كل حساب، فيما خصومه يخضعون، بنسبة عالية، للملاحقة والمساءلة والمحاسبة.

وتتوافر لـ”حزب الله” مداخيل مالية ضخمة سواء من الجمهورية الإسلامية في إيران أو من نشاطات “غير نظامية” بفعل تحكّمه بالمعابر غير الشرعية التي تنشط في التهريب من لبنان وإليه، فيما خصومه، في غالبيتهم، يعانون من مشاكل التمويل، وإذا ما توافر لبعضهم القليل من “المال الموهوب” فهو بالكاد يكفي لتغطية الكلفة الإدارية لنشاطاتهم.

أمّا على المستوى السياسي الذي يؤسّس نفسه على القدرات العسكرية والأمنية، فإنّ “حزب الله” يتحكّم، بالترغيب والترهيب -وأحياناً بالعقيدة المذهبية- بشريحة واسعة من اللبنانيين تتشكّل منها الغالبية الشيعية في لبنان، فيما القوى المناوئة له “تعاني” من “شرذمة” يمليها الحدّ الأدنى المتوافر من الديموقراطية في بيئتها، الأمر الذي يسمح لـ”حزب الله” باختراقها، من خلال الوقوف مع خصوم خصومه ودعمهم ومن ثم استتباعهم.

وانطلاقاً من هذه القدرات، وبفعل خطأ استراتيجي ارتكبه المناوئون له بدءاً بالعام 2016، يجد “حزب الله” نفسه “صانع الرئاسات”، فرئيس الجمهورية يفرضه فرضاً تحت طائلة الفراغ، ويرفع في وجه رؤساء الحكومة الذين لا يلائمونه “حق النقض”، ولا يكون رئيس مجلس النواب إلّا وفق خياره.

ولهذا، فإنّ خصومه إذا رغبوا بأن يشغلوا مواقع مهمّة في البلاد، فهم يعملون على “استعطافه” هنا وعلى “استرضائه” هناك.

وهذا النهج الذي لا يزال مستمرّاً في لبنان، يفسّر، مثلاً، قدرة “حزب الله” على مواصلة تعطيل مؤسسة مجلس الوزراء، لأنّه يرفض انعقاده، في حال لم يقدم على الإطاحة غير الدستورية وغير الأخلاقية بالمحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار، لأنّه “تمرّد” على القواعد التي سبق أن فرضها عليه، وبصورة علنية، أمينه العام حسن نصرالله، حماية لـ”جماعته”.

وهذا النهج أيضاً هو الذي يمكّن “حزب الله”، وسط عجز السلطات المحلية عن ردعه، من تنظيم مؤتمرات لما يسمّى بالمعارضات الخليجية، في وقت كان لبنان الرسمي، بتدخّل مباشر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يتطلّع لإصلاح العلاقات التي تدهورت كثيراً مع دول مجلس التعاون الخليجي عموماً ومع المملكة العربية السعودية خصوصاً.

إنّ التحقير الذي يتعاطى به “حزب الله” مع خصومه، وضمناً مع حلفائه، ويعكس نفسه كوارث وويلات ومآسيَ على عموم اللبنانيين، لن يقف عند أيّ حد، إذا بقي هؤلاء يتعاطون مع أنفسهم على قاعدة أنّهم فعلاً “صيصان”، في حين أظهرت تجارب لبنانية كثيرة أنّهم، كلّما تغلّبوا على “شهوة السلطة” تحوّلوا الى مصيدة تُطبِق على… الجرذان.

الشرق الأوسط