اقتراح قانون استعادة الأموال المحوّلة إلى الخارج: لماذا لا يشمل السياسيين؟

سلوى بعلبكي – النهار

تضع #لجنة المال والموازنة اللمسات الاخيرة على اقتراح قانون استعادة الأموال المحوّلة الى الخارج بعد 17 تشرين الأول 2019، الذي تقدم به تكتل “لبنان القوي” بعدما طرأت عليه تعديلات فرضتها النقاشات داخل اللجنة التي كان يفترض أن تعقد لهذه الغاية اجتماعا عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم، لكن دعوة نقابات النقل البري الى التحرك ارجأ الجلسة الى الاثنين المقبل.




وإذا كان يعوَّل على مشروع القانون هذا لمحاسبة المسؤولين عن الذين هرّبوا اموالهم بما سرّع انهيار الاقتصاد والقطاع المصرفي والعملة الوطنية معا، كما محاسبة المصارف التي تصرفت باستنسابية ففرضت قيودا غير محقة على أموال المودعين وأجازت حرية تحويل أموال المحظيين والسياسيين وأصحاب المليارات، إلا أن النائب ابرهيم كنعان أكد لـ”النهار” ان ثمة “إهمالا كاملا من الجميع دولةً ومصارف لحقوق المودعين وعرقلة لأي محاولة تعيد اليهم بعض حقوقهم او خسارتهم”، موضحا أن هذا الاقتراح كما تمت مناقشته وتطويره في لجنة المال والموازنة، “لا يتعارض مع نظامنا الحرّ ولا يخالف مبدأ عدم الرجعية للقوانين المالية”.
بَيد ان مصادر مصرفية أكدت أن مشروع القانون هذا لا يطاول إلا نحو 20% من الأموال التي تم تحويلها، بدليل أنه لم يأتِ على ذكر السياسيين والجمعيات الدينية وتلك التي يتلطى خلفها سياسيون حوّلوا مبالغ طائلة.

وفي المقابل، تعيب هذه المصادر على جمعية المصارف “عدم التحرك للرد على الاتهامات التي طاولتها بتحويل 11 مليار دولار بعد الثورة، في حين ان الحقيقة هي أنه من بين هذه الاموال تلك التي أمّنها #مصرف لبنان للمصارف والبالغة 9 مليارات دولار لتحويلها الى المصارف المراسلة بدل مستحقات عليهم وبدل “ودائع ائتمانية” (Fiduciary deposits) حتى لا توقف هذه المصارف (اي المراسلة) تعاملها مع القطاع المصرفي اللبناني”، لافتة الى أن “وزير المال السابق غازي وزني قال هذا الامر صراحة أمام وسائل الاعلام”.

وفي انتظار انعقاد جلسة لجنة المال والموازنة الاثنين، تم تسريب مشروع قانون استعادة الأموال المحوّلة الى الخارج قبل إجراء التعديلات عليه بما طرح علامات استفهام من مصادر نيابية عن ماهية تسريب النسخة النهائية قبل إدراج التعديلات عليها. وتنص مواد المشروع على الآتي:

“المادة الأولى: بصورة استثنائية، يُلزَم جميع مساهمي المصارف من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين وأصحاب الحقوق الاقتصاديّة الحائزين ما لا يقلّ عن 5% من رساميل المصارف، كما محامو المصارف والمديرون التنفيذيون فيها، وجميع الأشخاص الذين قاموا أو يقومون بخدمة عامة وتقاضوا مالاً عاماً بصفتهم تلك، بإعادة جميع الأموال النقديّة والمحافظ الماليّة المحوّلة منهم إلى خارج لبنان بعد تاريخ 17/10/2019، إذا كان مجموع قيَمها يوازي مبلغ 50 ألف دولار على الأقل، خلال مهلة أقصاها 30 يوماً اعتباراً من تاريخ نفاذ هذا القانون، وبمعزل عن أي طلب أو إجراء آخر.

المادة الثانية: يعتبر الأشخاص المعنيون بأحكام المادة الأولى من هذا القانون، أنهم استغلّوا نفوذهم أو الأسرار التي اطلعوا عليها بمعرض وظائفهم أو سلطتهم لإجراء التحاويل المعنيّة بأحكام هذا القانون، ولاسيما منهم من أقدموا على إجراء هذه التحاويل في أوقات الإقفال القسري أو الرسمي للمصارف.

المادة الثالثة: في حال عدم إعادة الأموال النقديّة والمحافظ الماليّة المشمولة بالمادتين الأولى والثانية أعلاه، تُعتبر عمليّات التحاويل التي جرت لها كأنّها حاصلة بأموال تمّت حيازتها بصورة غير مشروعة عملاً بأحكام قانون العقوبات اللبناني، والقانون الرقم 189/2020 المتعلق بالتصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع، والقانون الرقم 44/2015 المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

المادة الرابعة: لا تفيد الأموال النقديّة والمحافظ الماليّة المستردّة عملاً بأحكام المادة الأولى من هذا القانون من أيّة إجراءات تحفيزيّة معمول بها بمقتضى تعاميم مصرف لبنان.
المادة الخامسة: يُعتبر بحكم الشخص الواحد لأعمال المادة الأولى كلّ من زوج الأشخاص الطبيعيين المشار إليهم في المادة المذكورة وفروعهم القاصرين.

المادة السادسة: تحدد الآليّات اللازمة لإنفاذ هذا القانون بموجب مراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح كلّ من وزيري المال والعدل، وبعد استطلاع رأي مصرف لبنان”.

وفيما تحدثت بعض المصادر عن اختلاف في وجهات النظر بين اعضاء لجنتي المال والموازنة والادارة والعدل، تؤكد المعلومات أن ثمة من يصر على إدراج السياسيين والمؤسسات الدينية والجمعيات في مشروع القانون بغية إعادة جميع الأموال النقديّة والمحافظ الماليّة المحوّلة منهم إلى خارج لبنان بعد تاريخ 17/10/2019، فيما يصر آخرون على أن يبقى مشروع القانون كما هو من دون اي تعديل.

مشروع القانون هذا استهجنته مصادر مصرفية، منتقدة معدّيه على خلفية أنه تم تعديله بعدما كان يشمل كل الذين حوّلوا اموالا الى الخارج بعد الثورة من رجال اعمال وسياسيين ومؤسسات دينية، ليصبح التركيز على موظفي المصارف ومحاميهم والمساهمين. بيد ان مصادر نيابية علّقت على هذه “الادعاءات” بانها “تشويه للواقع ومحاولة رخيصة للتهرّب من تصحيح الوضع والمحاسبة، اذ ان مشروع القانون الذي يناقَش في اللجنة يركز على فكرتين: الاولى الفساد اي مصدر المال، والثانية الاستنسابية التي اعتمدتها المصارف في إجراء التحاويل. كما يطاول بشكل اولي واساسي السياسيين والموظفين العموميين الذين أفادوا من عمليات التحويل الى الخارج بشكل استنسابي كائنا من كانوا. أما فكرة شمول موظفي المصارف فأتت فقط من مبدأ استغلال المواقع والمناصب التنفيذية والمعلومات التي قد تصلهم بحكم موقعهم لخدمة مصالحهم الشخصية، وهو يقع أصلا ضمن خانة الاثراء غير المشروع، وهو جرم يعاقب عليه القانون”.

وتشرح المصادر التعديلات التي طرأت على المشروع، والتي جاءت بعد النقاشات في لجنة المال والموازنة، إذ “توصّلنا الى صيغة نهائية تنص المادة الاولى فيها على الآتي: “يشمل نطاق تطبيق هذا القانون خصوصا الأموال النقدية والمحافظ المالية لدى المصارف العامة والخاصة، والتي جرى تحويلها الى الخارج، أي المنتخب والمعيّن من نواب ووزراء ورؤساء وصولا الى موظف الفئة الرابعة وكل من يعمل بالمال العام سواء كانت هذه الأموال بالدولار الأميركي أو بأي عملة أخرى، المتأتية من جرائم الفساد”. وهذا يعني أن القانون رُبط بالفساد بعد 17 تشرين 2019 والمحدد تعريفها في المادتين الأولى والثالثة من القانون الرقم 175/2020 (قانون مكافحة الفساد في القطاع العام، والمسند إليها في القوانين الأخرى النافذة لا سيما القانون 44/2015، اي قانون تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب الصادر في 24-11-2015)”. إذاً المادة الاولى من القانون تتعلق بمحاسبة ومحاكمة الموظف العمومي وكل من يتقاضى مالا عاما من الدولة، في حال ثبت أنهم يتقاضون أموالا متأتية من جرائم فساد مثل استخدام نفوذ ورشوة وغيرها من الامور التي تُعتبر بحسب القانون متأتية من جرائم فساد.

المصادر أكدت ان مشروع القانون لم يذهب الى رجعية القوانين من دون سبب مشروع وارد في قانون الإثراء غير المشروع، أو في أي حالة يُكتشف فيها قضائيا مالٌ متأتٍ من جرائم فساد، حيث تُفتح السرية المصرفية فورا.

أما المادة الثانية التي تتعلق بأصحاب المصارف والمساهمين وأعضاء مجلس الإدارة وموظفي المصارف، فالمقصود هم الذين من خلال مواقعهم كان لديهم علم بالإنهيارات والقرارات التي ستصدر في البلاد وعمدوا الى تحويل أموالهم الى الخارج، كما كل سياسي إستغل نفوذه وضغط على الموظفين لتحويل أمواله الى الخارج في فترة الإنهيار المالي، خصوصا في الفترة التي أغلقت المصارف أبوابها بوجه المواطنين العاديين.

وتؤكد انه “في حال عدم إعادة هذه الأموال المشمولة بالمادتين المذكورتين آنفاً الأولى والثانية خلال مهلة محددة من تاريخ نفاذ هذا القانون، وبمعزل عن أي إجراء سابق، تكون الدعوى العامة مباحة، بما يعني إقامة دعوى قضائية وفقا لقرائن قانونية على تحقق هذه الشروط الواردة في هذا القانون لمساءلة القضاء عن العقوبة أو الإجراءات التي من الممكن إتخاذها بحق كل من هرّب أمواله الى الخارج”.

وقبل اللجوء الى القضاء، تتحدث المصادر عن آلية عملية فعالة تفرض إجراءات صارمة على كل من حوّل سابقا مبالغ مالية كبيرة تجبره على رد نسبة من هذه الأموال، مثلا إلزام المصارف بعدم فتح أي حساب جديد أو إضافي لهؤلاء على حساباتهم المصرفية …الخ، وكلها ستكون إجراءات قاسية وتحفيزية لإعادة الأموال المنهوبة.

أما بالنسبة الى موضوع السرية المصرفية، فتُرفع خلافا لأي نص آخر، ويُعلّق العمل بها وبالحصانات في الدعاوى المسندة الى هذا القانون، وتعد الأفعال موضوعها من إختصاص القضاء العدلي، وهذا الموضوع وارد سابقا في قوانين عدة أقرت في المجلس النيابي، منها قانون الإثراء غير المشروع، وقانون مكافحة الفساد وقانون رفع السرية المصرفية عن القطاع العام.