مخملية الحريري في جهنم لبنان

صحيح أن هناك “مصادر مطلعة” تستطيع أن تخبرك بالشيء وعكسه عن علاقات سعد الحريري بالسعودية، ولكن الحقيقة هي أن السعودية لن تجد في النهاية من يمكنها الثقة به أكثر منه، ولا هو قادر على أن يستغني عنها.

مشروع “تيار المستقبل” هو في الأساس مشروع هذه العلاقة التي لا فكاك منها، بين سنة لبنان وامتدادهم العربي الذي لا بوابة لهم فيه أهم من الرياض.




نجاح التيار وفشله، هو نجاح أو فشل للسعودية في نهاية المطاف.

أما القول إن السعودية نفضت يدها من لبنان، فهذا قول مبالغ فيه. السعودية ليست في وراد أن تنفض يدها من أي أحد. دورها القيادي في المنطقة لا يسمح لها بذلك. ولكنها تخوض معركتها مع المشروع الطائفي الإيراني بوسائل تمتد على مساحة واسعة من الخيارات. وتميل إلى المفاضلة في ما بينها، من دون أن يكون هناك خيار قاطع.

أما المقاطعة الدائمة، فهي ليست خيارا بالأساس. وإذا حدثت فإنها خيار خاطئ، أين منه ما تعلمناه من درس ترك العراق لإيران، قبل أن نعود لنبحث عن منافذ لكي نستدرك.

المشكلة ليست هنا على أي حال. المشكلة في الحريري نفسه. فهو يغيب عن لبنان، ليس لأنه يخشى من خطر يهدد حياته، بل لأنه يمارس الدلع حيال وضعٍ لا يني يزداد تدهورا.

القول، بحسب “المصادر المطلعة”، إن الحريري ينوي اعتزال السياسة وعدم الترشح للانتخابات، بل وترك قيادة التيار لشخصية أخرى، غير صحيح أيضا. ليس لأن “إرث” التيار أكبر من أن يمكن التخلي عنه، وليس لأن السنة هم حجر الزاوية الثالث في لبنان، ولكن أيضا لأن الغنج الذي يمارسه الحريري من خلال تويتر يقول إنه يتصرف كمرجع معني. وهو عندما رفض دعوة الرئيس ميشال عون لعقد مؤتمر لحوار وطني، فقد فعل ذلك كمرجع، وكصاحب قرار غير معتزل.

لا حاجة إلى “مراقبين” ولا إلى”مصادر نيابية” لتقول إن الحريري لا منافس له في تياره، ولا في بيته.

فؤاد السنيورة وتمام سلام، يجوز لهما أن يمثلا شقا، إلا أنهما أقل قدرة على أن يمثلا قوة قادرة على جمع مقاليد التمثيل السني في البلاد.

نجيب ميقاتي ربما كان هو الأكثر قبولا بفضل استقلاليته، إلا أنه معتدل في ظرف غير معتدل. وهو مهادن في أزمة لا تهادن. وأثبت أنه عاجز حتى عن اتخاذ موقف يحمي به قدرة حكومته على العمل. كما أن تجربته الثالثة في رئاسة الحكومة ظلت نموذجا من أعجب نماذج سوء الحظ الشخصي (أولها دام ثلاثة أشهر).

مصير لبنان لا يفترض أن يقف على دور أي أحد. ولسوف تملي الأزمة أن يظهر من يصدح برؤية وطنية للخروج منها. والانتخابات المزمعة في مايو المقبل هي المفصل الذي يحدد ما إذا كانت قوالب الأدوار السابقة سوف تبقى كما هي، أم تجرفها عواصف جهنم

سعد الحريري، في بيئته، موجود في مكانه الطبيعي. والحجر الكياني الثالث بين مكونات البلاد يحتاج منه أن يعود ليلعب الدور المنوط به. والأزمة التي تزداد تدهورا مع مرور كل يوم تتطلب موقفا بطلا، ينهض بشجاعة لحمل مسؤولياته، لا موقف رجل ناءِِ ولا موقف رجل يلعب دورا سياسيا بأطراف أصابعه.

مخاطبة الأزمة من خلال تويتر لإثبات الحضور لا يبدو مريحا لأحد داخل التيار وخارجه. ويفترض ألا يكون مريحا له أيضا.

هل يعاني الحريري من أزمة مالية؟ ربما. ولكن إذا شاء المرء ألا يضع العربة أمام الحصان، فإن الحريري ليس بحاجة إلى الكثير من المال ليقود تياره.

أحزاب كبرى لا تقف على باب أحد لتمويل دورها. وثمة تجارب لأفراد قادوا شعوبا وبلدانا من دون أن يكون المال عاملا حاسما في سعيهم.

التخلي عن ممارسة السياسة بالدلع، هو المدخل الأول لكي يستعيد الحريري دوره كشخصية لا يمكن تجاوزها، بكفاية من المال أم من دونها.

“الحريرية السياسية” إنما هي حريرية مشروع وطني سبقته وفرة المال. هذا صحيح. ولكن في بلد جف المال من أيدي ثلاثة أرباع سكانه، فإن المال لم يعد هو العامل الأهم في الدور الوطني.

العامل الأهم هو الموقف الصلب، الشجاع. هو الرؤية الواضحة إلى المخارج من الأزمة. هو الصوت الذي لا تهزه المخاوف، ولا تهزمه التسويات. الصوت الذي لا يهادن في إدانة جهنم ومن ساق البلاد إليها.

لبنان الذي يقف على عتبة الانهيار، لم تعد تكفيه مناورات السياسة التقليدية ولا توسطاتها. أزمة غير معتدلة تتطلب موقفا صريحا، ويعرف كيف يستعيد قدرته على بعث الأمل بإمكانية تحرير لبنان مما انتهى إليه.

وما لم يكن الإفلاس السياسي العارم الذي يعانيه العهد، بتحالفاته وخياراته ومناوراته كلها، حافزا لتقديم مشروع وطني بديل، فلا حافز آخر، ولا مشروع، والانهيار التام والشامل هو ما سيكون العاقبة.

وليس من اللائق أن يكون سمير جعجع أكثر شجاعة وقدرة على المبادرة من الحريري، أو أن يبدو كمَنْ يقتحم عليه داره. كما لا يصح أن يظهرا كمتنافسين أصلا. على الأقل لأنهما يمكن أن يكونا ركيزتين لتحالف وطني واسع ينقض التحالف القائم.

لقد وفر حزب الله لكل لبنان الفرصة لكي يرى ماذا تعني هيمنة المشروع الإيراني عليه. والمسافة التي كان يضعها الحريري بين حزب الله، كحزب سياسي، وبين المشروع الإيراني، كانت مجرد وهم، وقد بدده حزب الله بنفسه.

هذا الوهم، إنما كان مسلكا من مسالك الفجور السياسي التي لم يعد لها مبرر منذ أن سقط لبنان في جهنم، لاسيما وأن الحريري نفسه كان هو الذي يقف على الباب عندما كان مكلفا بتشكيل الحكومة.

المخملية التي تعامل بها الحريري مع حزب الله، ومع الطرف الآخر في “الثنائي الشيعي”، بل ومع العهد كله، لم تتوافق مع واقع الأزمة، وكانت مجرد محاولة تعايش مع الطرف الذي صنعها، بينما كان لبنان لا يجد سبيلا للتعايش مع نقص الخبز، ونقص الكهرباء، ونقص الوظائف.

هذه المخملية هي التي تُبقي الحريري خارج لبنان. لا يريد أن يكتوي بأوجاع البلد. ولا أن يسمع صراخ الناس. حتى وهو يعرف أن له دورا يتعين أن يؤديه.

مصير لبنان لا يفترض أن يقف على دور أي أحد. ولسوف تملي الأزمة أن يظهر من يصدح برؤية وطنية للخروج منها. والانتخابات المزمعة في مايو المقبل هي المفصل الذي يحدد ما إذا كانت قوالب الأدوار السابقة سوف تبقى كما هي، أم تجرفها عواصف جهنم، أم يظهر من يجرؤ على التجاوز.

ويحسن بالحريري أن يشمر عن ساعديه ويكف عن الدلع. يحسن به أن يعود من رفاهية باريس لينغمس بأوجاع اللبنانيين ويسمع صراخهم. يحسن به أن يبني صورة أخرى، ومشروعا للتحرر الوطني بالاعتماد على الحجرين الثاني (المسيحيين) والرابع (الدروز). سيكون ذلك كافيا لتجاوز حجر العثرة القائم.




علي الصراف – العرب