غنّوم لرئاسة لبنان – حسين عبدالحسين – الحرة

يتداول لبنانيون فكرة في قمة السذاجة، مفادها أن خلاص دولتهم الفاشلة ممكن على أيدي زعيم قوي، ربما قائد الجيش اللبناني جوزيف عون، الذي عليه القيام بانقلاب يرمي بموجبه كل الزعماء السياسيين في السجن، ويفرض محاكمتهم، ويفرض تطبيق الدستور والقوانين، وهكذا تستوي الأمور في البلاد.

ربما لا يعرف اللبنانيون أن ميليشيا “حزب الله” الموالية لايران أقوى من جيشهم الوطني بأضعاف مضاعفة، ويمكنها رمي الجيش وكل ضباطه في الزنازين في ساعات وإحكام قبضتها الحديدية على لبنان.




لكن الحزب المذكور يتفادى ذلك، لأن الحكم المباشر يضعه في واجه المسؤولية أمام الناس فيما الحكم غير المباشر — كما يحكم “حزب الله” لبنان حاليا من خلف السياسيين الذين يحرّكهم — يسمح للحزب بأن يحكم بدون أن يتحمل مسؤولية، محلية أم دولية.

ثم أنه يندر أن قدمت الانقلابات العسكرية في الدول العربية نماذج حكم يحتذى بها، فالعراق وسوريا وليبيا كلها أمثلة عن طغيان العسكر، وفشله في الحكم، ولا دليل على أن الاستبداد وحده كفيل بتفادي فشل الدول واندثارها كما يحصل حاليا في الدول العربية المذكورة.

غير الانقلابات العسكرية، لا يقدم اللبنانيون حلولا تذكر. حتى الثوار، مع كل الاحترام لعدد كبير خصوصا الأصدقاء منهم، لا يقدمون أساليب مختلفة في السياسة والحكم، بل يعيدون تقديم الضحالة السائدة نفسها، ويخالون النميمة السياسية سياسات، ويغيب عنهم في الغالب أن المطلوب هو استعادة رؤية رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري، رجل الأعمال الأسطوري الذي تحول من مدقق حسابات بسيط إلى مؤسس وصاحب امبراطورية مقاولات وأعمال.

والحريري حاول إدارة لبنان كشركة، وهو أسلوب حمله معارضوه ضده على الرغم أنه الأسلوب الأكثر نجاحا في تجارب الدول من ماليزيا وهونغ كونغ (سابقا) إلى دبي اليوم، والتي ينتشر على رفوف مكتباتها كتاب بعنوان “الحكم كرئيس تنفيذي لشركة”، بقلم حاكمها محمد بن راشد، الذي قال يوما أنه استوحى نموذجه الاقتصادي من خطة الحريري للبنان.

اليوم، يحكم لبنان فعليا رجل دين لم ينه تعليمه الثانوي وتعثر في دراسته الحوزوية الدينية، فانضم لميليشيا أمل، قبل أن تجنده الاستخبارات الإيرانية وتعيد تقديمه كمرشد أعلى للبلاد. المرشد هذا هو زعيم “حزب الله” حسن نصرالله، الذي زادت في بهدلته خطاباته المضحكة عن الاقتصاد عن تصدير البطاطا اللبنانية إلى العراق، كحل للانهيار الاقتصادي، وزراعة العدس على شرفات المنازل.

يعاون نصرالله في الحكم، أو بالأحرى يحشد له بعض التأييد المسيحي، رئيس لبنان ميشال عون، وهو قائد سابق للجيش يمكن تلخيص سجله العسكري بالخيانة وعدم الانضباط مذ كان برتبة نقيب، وصولا إلى إحراقه البلاد عن بكرة أبيها ليترأسها للمرة الأولى في حربيه “التحرير” و”الإلغاء”، وللمرة الثانية التي أوصل فيها لبنان إلى نهايته. وبين نصرالله وعون، قائد ميليشيا أمل نبيه بري، الذي يتزعم العملية التشريعية في لبنان، فيساهم في تمزيق أحشاء دولة تناقض فقرات دستورها بعضها البعض منذ يوم الاستقلال.

لكن الحريري لم يكن آخر اللبنانيين الأذكياء وأصحاب الرؤية، بل أن الانتشار اللبناني يعج بأمثال الحريري، ممن أنجزوا في اغترابهم وقدموا نماذج نجاح. الحريري كان من المغتربين القلائل ممن راهنوا على لبنان، وأدى رهانه إلى مقتله، وهو ما أقنع كل الاغتراب اللبناني باستحالة انتشال لبنان من أيدي “الزعران” الذين يحكمونه.

من هؤلاء المغتربين مؤلف كتاب “العرض متحررا” للصديق أحمد غنّوم، الذي يروي رحلته في عالم الأعمال، منذ انخرط في سلسلة استيراد المواد الغذائية في تركيا، أبان تبني الأخيرة اتفاقية التجارة الحرة، ودخولها في عضوية منظمة التجارة العالمية في العام 1999. على مدى ست سنوات، أقام غنّوم شراكات مع لبنانيين من أمثاله، منهم فادي نحّاس وقريبه سمير صيداني، وأنشأوا شبكات استيراد وتوزيع في تركيا والدول المجاورة لها، خصوصا الدول السوفياتية والاشتراكية سابقا، مثل أرمينيا وأذربيجان وجورجيا ورومانيا وغيرها.

في كتابه الشيّق، يروي غنّوم تفاصيل كثيرة، منها سعي كبار التجّار الدوليين، من أمثال اللبناني الأصل روجيه تمرز، إلى تمويل عمليات شراء نفوذ، بما في ذلك داخل العاصمة الأميركية واشنطن، والاستناد إلى القوة الأميركية في فرض قوانين التجارة واقتصاد السوق على بعض حكومات العالم.

و يروي غنّوم كيفية التعاطي مع دول أدمنت على الفساد وتواطئ حكامها مع عصاباتها في التحايل على القوانين وترهيب المنافسين، وكيف تواجه الشركات المستوردة والموزعة، مثل شركة غنّوم وأصحابه، عمليات القتل والخطف والابتزاز التي تتعرض لها في باكو أو تبليسي.

مع ذلك، لا يتراجع غنّوم وأصحابه، بل يواصلون العمل الدؤوب، بصبر وثبات، فينجحون أحيانا ويفشلون أحيانا كثيرة، ولكنهم في نهاية المطاف يبنون مؤسسات وشبكات ويجنون أرباح. هكذا هي الدول، كالشركات، مشاكلها كثيرة ومتشعبة ويتطلب نجاحها علاقات وصداقات، بعضها محلي وبعضها عابر للقارات، بعضها في مزارع الدجاج في البرازيل وبعضها الآخر في أروقة الكونغرس في الولايات المتحدة، فالحكم ليس بيانات وخطابات حماسية، بل رؤية، وتحديد مصلحة مع عمل دؤوب للوصول إليها.

أمثال غنّوم، وعددهم يتجاوز الآلاف بين المغتربين اللبنانيين وبعض المقيمين، هم الخلاص للبنان. هم أصحاب الدماء الجديدة والأفكار الخلاقة والخبرة الدولية. أما رجال الدين المنغمسين في السياسة، وقادة الجيش اللبناني، السابقين والحاليين والمستقبليين، وقادة الميلشيات، السابقين والحاليين، وزعماء الإقطاع المندثر، كل هؤلاء هم فشل أكيد منذ الاستقلال اللبناني في 1943 حتى اليوم، تخلله لمحتا نجاح في زمن الحيادية المفروضة دوليا بين 1958 و1969 ثم في زمن الفذّ رفيق الحريري بين 1993 و2005.

في حديثي الأخير مع غنّوم، قال إنه حزين لحال لبنان وأنه قلّص علاقته ببلده الأم إلى أدنى درجة. ومثل غنّوم كثر. لم يعد لبنان يشبههم أو يشبه نجاحاتهم، بل صار صورة عن كل من تعثّر في دراسته ومهنته فالتجأ إلى المؤسسة الدينية أو العسكرية للتغطية على فشله. وعلى ما يقول اللبنانيون: ضيعانك يا لبنان.