قاسم سليماني وخليفته.. وتحولات العلاقة مع حسن نصرالله

عندما اغتالت الولايات المتحدة، قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، قبل عامين، سارعت إسرائيل للترحيب بعملية الاغتيال بوصفها ضربة قاصمة لمشروع إيران التوسعي، خصوصاً أن سليماني كان يمسك بخيوط اللعبة السياسية في عدة محاور، على جميع النواحي سياسياً وعسكرياً وحتى اقتصادياً. وحسب تقريرٍ نشره المحلل العسكري في صحيفة “إسرائيل هيوم”، يوآف ليمور، فقد محور “الممانعة” برحيل سليماني رجل القرار الذي كان يصدر الأوامر ويُطاع، وهو الذي أطلق مشروع الصواريخ الدقيقة في لبنان من دون علم أو موافقة نصرالله.

هجوم فاجأ طهران!
يتحدث ليمور في تقريره عمّا يصفها بملامح الضعف في التحكم بمجريات الأمور على الأرض مع غياب سليماني، الذي كان يتمتع بصفاتٍ قيادية بارزة. ولعل خير دليل على ذلك ما حدث قبل شهرين، في 7 تشرين الثاني 2021، عندما أطلقت إحدى المليشيات الشيعية في العراق طائرة مسيّرة انتحارية باتجاه منزل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.




فور هذا الحادث هبط في بغداد وفد من كبار المسؤولين الإيرانيين بقيادة قائد فيلق القدس بالحرس الثوري اللواء اسماعيل قاآني. لقد أرادوا تهدئة الأمور، وأرادوا في الوقت عينه التحقيق في الحادث. فالميليشيا التي أطلقت الطائرة المسيّرة تعمل تحت رعاية إيران، لكنها في هذه الحالة تصرفت من تلقاء نفسها، من دون أي تعليمات صريحة، حتى أنها أقدمت على فعلٍ يتعارض مع السياسة الإيرانية.

ويوضح ليمور أنه لأول وهلة، اعتقد الغرب أن إيران كانت المسؤولة عن الهجوم على الرغم من نفيها المتكرر. لكن بعد مرور بعض الوقت، اتضح أنها فوجئت بالحادث كما هي حال الحكومة العراقية. وحتى واشنطن التي لا يمكن اتهامها بأنها تكّن أي مودة للحرس الثوري الإيراني أو الميليشيات الشيعية في العراق، أوضحت أن إيران لم تكن وراء هجوم الطائرات المسيّرة. ليعود ويؤكد مسؤولون رفيعو المستوى في إسرائيل ذلك الأسبوع الماضي.

سليماني الاستثنائي
ويرى ليمور أنه حتى ما قبل عامين، كان من المستحيل القيام بعملٍ مستقلٍ مثل هذا من قبل الميليشيات العراقية. إذ كانت هذه الميليشيات تحت سيطرة قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني، الذي أدت وفاته إلى تغييرٍ كبير في ميزان القوى في إيران، يؤثر حتى الآن على المنطقة بأسرِها.

وعن دور سليماني في السياسة الإيرانية، يقول الجنرال (احتياط) درور شالوم، وهو رئيس سابق لقسم البحوث في مديرية المخابرات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، في مقابلةٍ أجراها معه ليمور، أن سليماني حصل على تفويض مطلق من خامنئي. حتى أنه في كثيرٍ من الأحيان، كان يقوم بعملٍ ما ويخبر خامنئي عنه بعد وقوعه وحسب.

أضاف “الكل فهم أنه كان يتصرف نيابة عن المرشد ويتحدث باسمه. كان يعرف كيف يأخذ استراتيجية خامنئي ويحولها إلى عملية يتم تطبيقها، تماماً كما كان يفعل الباحث النووي محسن فخري زاده (قُتل عام 2020). لقد كانا شخصيتين رئيسيتين استثنائيتين، وليس من قبيل المصادفة أنهما لم يعودا على قيد الحياة”.

نصرالله لم يعلم
بعيد اغتيال عماد مغنية في دمشق عام 2008 ومقتل اللواء السوري محمد سليمان بعدها بحوالى ستة أشهر برصاص قناص أثناء تواجده في منزله في مدينة طرطوس السورية، أُجبر سليماني، وفق ليمور، على توثيق صلاته بالرئيس السوري بشار الأسد وأمين عام حزب الله، حسن نصر الله. وفي تلك المرحلة، أصبح يلعب دور المرشد للأسد، بحيث أنقذ حياته وأبقاه في السلطة من خلال قوة الحرس الثوري الإيراني ووكيله حزب الله في الحرب ضد قوات المعارضة السورية.

لكن ليمور ينقل عن مسؤولٍ أمني إسرائيلي، أن علاقة سليماني بنصر الله كانت أكثر تعقيداً، لكنها ليست أقل قرباً. ويشرح ذلك بالقول “نصر الله كان أكثر حذراً، لأنه تذكر تجربته مع إسرائيل في عام 2006. لم يعجبه دائماً ما يفعله سليماني، خوفاً من أن يعقد الأمور في لبنان، لكنه مع ذلك لم يمنعه من تحقيق أهدافه”.

وتابع قائلاً “قاد سليماني الجهود لتجهيز حزب الله بالصواريخ الدقيقة التي يمكنها ضرب أي هدف في إسرائيل بمعدل خطأ محتمل دائري يقارب 10 أمتار (33 قدماً). كان هذا المشروع مبادرته الحصرية ونصر الله بالكاد علم بذلك، ولم يكن هذا الأخير (أي نصرالله) مهتماً حقاً”. ويضيف المسؤول الأمني “سليماني كان وراء هذا المشروع وكان يدفع من أجله”.

تجنيب لبنان
إلى ذلك، يشير ليمور في تقريره الذي في متناولنا، أن فكرة سليماني كانت بسيطة. ذلك أنه كان يريد شن هجمات منتظمة ضد إسرائيل من دون إشراك حزب الله ولبنان في حرب. لذا، فقد خطط لإنشاء قواعد جوية وبرية وبحرية دائمة في سوريا وتزويدها بآلاف المقاتلين الشيعة ليجعل الحياة صعبة على إسرائيل.

من جانبه، يتحدث المسؤول الأمني الإسرائيلي عن خطة سليماني وتجنبه الحرب على الأراضي اللبنانية: “أراد سليماني أن يحيطنا بهلال الإرهاب. ورغم أن بعض خططته قد فشلت، لكن فكرته العامة لم تنهر. بل على العكس”. ويقصد المسؤول هنا بشكل أساسي العملية التي بدأت قبل اغتيال سليماني، والتي ازدادت سرعتها منذ مقتله، ألّا وهي إغراق المنطقة بقدرات الضربات الدقيقة، معظمها بواسطة طائرات مسيّرة مسلحة بأنظمة مختلفة، والتي تسمح لإيران باستخدام وكلائها للهجوم، وتجنب المسؤولية والمخاطر.

قاآني ونصر الله
وفي معرض الحديث عن خليفة سليماني، يصف درور شالوم اسماعيل قاآني، بالكلمات التالية: “إنه رقيق، غير كاريزماتي، يشبه موظفي المكاتب. في البداية، شكك الكثير من الناس في المحور الشيعي بقدرته على القيام بالمهمة، ولا يزال يواجه صعوبة في تسليم البضائع”.

ويمكن رؤية الدليل على ذلك، حسب ليمور، في إقالة قائد فيلق القدس السوري، جواد رافاري، مؤخراً، بعد أن فشلت خططه الضخمة في أن تؤتي ثمارها، ويرجع ذلك جزئياً إلى الإجراءات الاستباقية الإسرائيلية. وهنا، يوضح الدكتور راز تسيمت، الخبير في الشؤون الإيرانية من معهد “دراسات الأمن القومي”: “قاآني ليس سليماني، لكن سيكون من الخطأ مقارنته بما كان سليماني عليه في السنوات العشر الأخيرة من حياته. يجب مقارنته بما كان عليه فيلق القدس قبل ذلك: قوة صغيرة وسرية. نميل إلى أن نعزو الكثير من الصعوبات التي يواجهها فيلق القدس إلى الاغتيالات المستهدفة، لكن الحقيقة هي أن هذا ليس العامل الوحيد. الحروب في سوريا والعراق انتهت وهذان البلدان يمران بعملية إعادة ترتيب، وفي العراق ولبنان هناك انتقادات للإيرانيين بسبب أنشطة فيلق القدس، الأمر الذي يجعل الأمور معقدة بالنسبة لهم”.

ويستطرد تسيمت بالشرح ” لم يكن سليماني مجرد استراتيجي عسكري بارز، بل سياسي عظيم أيضاً. أما قاآني فلديه تأثير أقل بكثير في المنطقة، على حزب الله ونصر الله، على سبيل المثال، مما كان لسلفه. لكن لا ينبغي لنا أن نرفع آمالنا هنا أيضاً، إذ لا يزال نصر الله يرى خامنئي وإيران مصدر سلطته الدينية، وهذا ليس من المرجح أن يتغير. سيظهر التأثير الأكبر على الميليشيات الأخرى، مثل تلك الموجودة في العراق، لأنها متجذرة بقوة في الولاء الشخصي لسليماني، الذي جمعها وقادها”.

من فيلق صغير إلى قوة إقليمية
ويواصل ليمور الإضاءة على مسيرة سليماني، مشيراً أنه في عهد الأخير، خضع فيلق القدس لتغييرين رئيسيين. لقد تحول من وحدة سرية صغيرة الحجم إلى منظمة ضخمة تعمل في عدة دول. ويقول البعض إن فيلق القدس في أوج قوته دفع رواتب 150 ألف جندي. أما التغيير الثاني فكان في نفوذ الفيلق، حين جعل سليماني فيلق القدس هو العامل المهيمن في الحرس الثوري الإيراني وخارج صفوفه. إن قدراته العسكرية الاستثنائية من حيث الرؤية الإستراتيجية جنباً إلى جنب مع جاذبيته الشخصية والتأثير الهائل الذي كان يتمتع به كجزء من الدائرة الداخلية للمرشد الأعلى وجه قدراً كبيراً من القوة إلى المنظمة التي يقودها.

وبذلك يختم المسؤول الأمني الإسرائيلي الذي قابله ليمور الحديث عن التغييرات التي أقدم عليها سليماني بالقول “لا يوجد الكثير من الأشخاص الذين يمكنهم إجراء تغييرات من هذا القبيل، لأخذ منظمة صغيرة نسبياً وتحويلها إلى مشغل فائق القوة مع أنظمة في عدة دول في وقتٍ واحد. لقد فعل سليماني ذلك في العراق، سوريا، وفي اليمن، وتزامن كل ذلك مع ضغوطه من أجل تعزيز قوة حزب الله”.





سامي خليفة – المدن