علي حمادة - النهار

لبنان في ‘قعر القعر’… – علي حمادة – النهار

 

تدور البلاد كلها في حلقة مفرغة، فلا المؤسسات مثل مجلس الوزراء، أو القضاء، قادرة على العمل بشكل طبيعي، ولا طاولة الحوار التي دعا اليها رئيس الجمهورية في الربع الأخير من عهده يمكن عقدها لطرح القضايا الخلافية الكبرى التي تمنع “الاوكسيجين” عن الرئة اللبنانية، ولا علاقات لبنان الخارجية، لا سيما مع الدول العربية المركزية، قادرة على التحسن ولو بعض الشيء. انها الحلقة المفرغة التي يدور فيها لبنان فيما هو في قعر القعر. كأنها عقارب الزمن الرديء توقفت لإطالة امد الرداءة المستحكمة بكل نواحي حياة اللبناني، والتي تجعل من لبنان كدولة كائنا غير موجود سوى على الورق، وربما في جوانب من أحلام اللبنانيين التواقين الى التغيير الشامل، لا التغيير الموضعي الذي يبدو انه سيسود في صندوق الاقتراع. هذا اذا حصلت الانتخابات ولم يطرأ حدث مفتعل يؤدي الى تطييرها، وتهديد الاستحقاق الرئاسي في تشرين الأول المقبل. كل المؤشرات تدل على ان عقلية معظم القوى الحاكمة في البلاد لم تتغير. فقد ارتاحت الى تلاشي “الثورة” في الشارع، والى تعب اللبنانيين، الذين بات قسم كبير من الغاضبين، الناقمين على الواقع المزري الذي دُفعوا اليه، يفضلون ترك البلاد للتحالف الجهنمي المتحكم بهذه الرقعة الضيقة من الأرض، والانطلاق نحو رحاب جديدة، حيث يمكنهم ان يصنعوا مستقبلا بعيدا من المجرمين الذين سرقوا لقمة عيش الناس، وصادروا روحهم وروح لبنان. دمروا ويدمرون الكيان، ونمط العيش. بعض المجرمين يتفرغون لصراعات على السلطة والمال، وبعضهم الآخر يتفرغون لتدمير فكرة لبنان حجرا حجرا. وفي النهاية الفريقان يتشابهان لانهما يصبّان في المكان عينه.




في موضوع الحكومة لم يطرأ جديد. فالرئيس نجيب ميقاتي يحاول التسلل عبر شقوق الحوافز التي يقدمها الى الأطراف المعطِّلة، لكنه يفشل مرة بعد مرة، حتى انه لم يعد رئيسا لحكومة يفترض انها شُكلت في اطار من التوافق الوطني، بل صار اقرب الى الرئيس المتسول. يتسول جلسة مجلس وزراء، من هنا، ويتسول موقفا من هناك، وفي مكان ثالث يتسول دعوة لكسر شيء من العزلة التي تخنق لبنان. لم يتغير شيء، سقطت الصفقات الواحدة تلو الأخرى، وكأن المطلوب اغراق لبنان اكثر فأكثر.

في موضوع الحوار الوطني الذي دعا اليه رئيس الجمهورية، يكتشف الأخير انه بنهاية عهده الذي يجوز وصفه بأسوأ عهد رئاسي على الاطلاق منذ ولادة الجمهورية، لم يعد احد من شركاء #ميشال عون يرغب في الجلوس الى طاولة يرأسها، ولم يعد لأحد فائدة من إحياء العظام وهي رميم. انتهى العهد قبل ان ينتهي. اما المدة المتبقية منه فستكون صحراء قاحلة يعبرها مع بطانته.

في موضوع الانتخابات النيابية يبقى الخطر يحوم حولها. فالقوى المحلية التي تشعر بدنو العقاب عبر صناديق الاقتراع، مستعدة لفعل كل شيء. هذه القوى بعضها كثيرا ما لجأ وسيلجأ الى الدم، وبعضها الآخر لا يتوانى عن تخريب ما تبقى من مؤسسات بدفعه البلاد الى حافة الاقتتال الداخلي تحت أي مسمّى كان. الانتخابات إنْ حصلت قد لا تحدث تغييرا حاسما في البلاد، لكنها ستكون فاتحة مسار تغييري، اكان على مستوى اللعبة الداخلية والسلطة، او على مستوى اطلاق مسار لكسر قيد الاحتلال الجاثم فوق صدور اللبنانيين.

هكذا لبنان محكوم في المدى المنظور لأزمة قعر القعر الذي هو فيه.