كتب وإنسان! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

حاولت في الفترة الماضية أن آخذ قسطاً من الراحة بعيداً عن الأخبار المتلاحقة التي معظمها سلبي، ويتعلق بشكل أساسي بتداعيات جائحة «كوفيد – 19» ومتحوراتها المتعاظمة وأرقامها المفزعة والمقلقة والمدمرة.

ولجأت إلى صديقي الصدوق الكتاب لأحاول أن أفهم في هذه الفترة المهمة من أحداث العالم ما هي المواضيع الأهم التي يتناولها صناع الرأي والبحث والفكر في الغرب، والتي لها تأثيرات رئيسية على اتجاهات صناعة القرار السياسي والاقتصادي في العالم بعد ذلك. وتمكنت من قراءة بعض العناوين اللافتة والمؤثرة في هذه المجالات المختلفة، كان أبرزها كتاب «العالم للبيع: المال القوة والتجار الذين يساومون على مقدرات الأرض»، وهو من تأليف خافيير بلاس وجاك فارتشي. ويركز هذا الكتاب على العالم الخفي الغامض والمجهول في تجارة المواد الأولية لكوكب الأرض وتأثيراتها على إفساد دول العالم الثالث، وتدمير البيئة لأجل الحصول على تلك المواد، وتفعيل القدرات المالية السفلية للعالم الخارج عن القانون لأجل تحقيق هذه الأهداف. وهو عالم خطير للغاية خارج عن سيطرة منظومة القانون والشفافية والحوكمة التي تتبع في العالم الاقتصادي الحر، كما هو معروف اليوم.




أيضاً وفي ظل الحديث المتصاعد والمتواصل والمستمر والمفهوم عن نمو وسطوة الذكاء الصناعي على العديد من أوجه حياتنا العامة، يأتي كتاب «ألف دماغ» لمؤلفه جيف هاوكينز، الذي يتناول نظرية جديدة للذكاء، ويحاول فهم التطور البشري والإنساني لمفهوم الذكاء، وقدرة الوعي الإنساني، ونمو مستوى المعرفة وأدوات تغيير الذكاء الصناعي من تقنية حديثة، وانعكاس ذلك على مستقبل العلاقة بين الآلة والإنسان في الحياة بشكل عام، وهو كتاب في غاية الأهمية، لأنه يضع خريطة طريق لما سوف تكون عليه آليات فكرة الذكاء التي كانت محصورة دوماً فيما يأتيه البشر وتحققه الإنسانية. واليوم هناك عنصر جديد أضيف عليه، وهو الذكاء الصناعي الذي هو منتج متوازن ما بين القدرات الإلكترونية التقنية الحديثة والذكاء الإنساني المتطور والمستمر.

هناك كتاب آخر لفت نظري واستمتعت بقراءته بعنوان «هكذا يقولون لي كيف سينتهي العالم»، وهو عن سباق التسلح السيبراني بقلم الكاتبة نيكول بيرلورث، وتتناول الكاتبة في هذا الكتاب المهم جداً مستقبل التطور المحموم بين الدول الكبرى وبعض الدول المتوسطة المتعلق بمواجهات السيبرانية والهجمات الإلكترونية التي تصيب المنشآت والأفراد والمؤسسات، وبعد ذلك ستصيب الدول بشكل ممنهج، وكأنها حرب مفتوحة على أكثر من صعيد خدمي وأمني يشكل فيه تهديد صريح لمستقبل العلاقات التقليدية بين الدول وكفاءة وفاعلية وتأثير القطاعات المختلفة على علاقات الأفراد والمؤسسات والشعوب. وهذا الكتاب يتحدث عن مخاوف الناس والتهديدات القائمة بسبب استمرار هذا السباق وتطور أدواته والتطور الهائل الذي يحصل في التقنية المصاحبة له، مما ينذر بعواقب وخيمة، وهو تماماً ما تحذر منه الكاتبة بيرلورث باستمرار خلال صفحات الكتاب الكبير.

ولم يفت على المؤلفين أن يكون من نصيب الكتب التي صدرت كتاب يتناول موضوعاً محورياً مهماً وأساسياً، وهو ما يطلق عليه موضوع اليوم أو نكهة الشهر، وهو الحديث المستمر الذي لا ينقطع عن أزمة المناخ العالمي، وكان من أهم الكتب الصادرة في هذا المجال كتاب بعنوان «حرب المناخ الجديدة… معركة إعادة استحواذ كوكبنا» وهو للكاتب مايكل مان. ويتناول الكتاب أهم التهديدات الحاصلة بحق كوكب الأرض؛ تهديدات بيئية في المقام الأول تحديداً، وأثر ذلك كله على وضعية المناخ الحالي والمستقبلي، وترجمة كل ذلك الأمر إلى معانٍ قابلة للقياس فيما يخص معايير جودة الحياة بالنسبة للشعوب والأمم، وانعكاسات ذلك كله على العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية، وتهديد مفاهيم الرخاء والأمن والنمو والاستقرار، وتطور ذلك الأمر إلى معايير مجاعة وهجرة وتشرد وحروب في أكثر من بقعة حول العالم، فالمناخ بالنسبة للكاتب لا يشكل فقط حالة من الطقس المتغير، ولكنه حسب وصفه تحول جذري في سلوكيات ومصائر الشعوب والأمم على الأصعدة المعنية في نوعية حياة هذه الشعوب واستقرارها كدول بشكل مطلق وانعكاسات ذلك على الكوكب بشكل عام.

في خضم ما يتم الحديث عنه من ضرورة وأهمية وجدارة احترام محاولات إعادة قراءة التاريخ ونقده مجدداً، حسب المفاهيم المعاصرة والأدوات المستحدثة، يأتي كتاب «فجر كل شيء تاريخ جديد للإنسانية» للكاتبين ديفيد غريبر وديفيد وينغرو، في هذا المجال، ككتاب مهم ومثير للجدل، ويتطرق إلى التاريخ البشري بصورة غير تقليدية، مراعياً ما وصلنا إليه اليوم من أدوات قياس وأدوات نقد وأدوات مطابقة تسمح لنا بشرح الفرق بين التاريخ المثبت والرواية المشكوك فيها والأسطورة والخرافة، مما يعني أنه أيضاً يضع طريقاً للمسيرة المستقبلية للتطور البشري ومساره القادم.

لعل ما لفت نظري في كل هذه الكتب المهمة والمؤثرة والفعالة التي تطرح أفكاراً جريئة ومهمة وشجاعة هو قدرة البشر والإنسان على أن يتحول باستمرار، وأن الثابت يبقى القليل والمتحول هو الأساس في مراحل نمو وتطور الإنسان عبر الأزمنة والأمكنة، وهذه القدرة البشرية العظيمة والمتنامية التي ما كتب لها أن تتحرر من قيود الجمود وأغلال القولبة تستطيع أن تغير واقعها، وتنهض بمستقبلها، وتكتب تاريخاً جديداً متواصلاً بشكل مبهر ومؤثر ومفيد، فإن القولبة والجمود والتحجر هي التي تغتال الإبداع، وتقتل الخيال ويدفن معه الإنسان.