فارس خشان - الحرة

نظرة من “الجحيم اللبناني” إلى أحوال “العدو الإسرائيلي” – فارس خشان – الحرة

لم يعد توصيف الواقع اللبناني ذا نفع، فالجميع يعرف المأساة وأبعادها الإنسانية، الاجتماعية، النفسية، الوطنية، الاقتصادية والمالية.

ولم يعد بثّ التفاؤل يجدي نفعاً، لأنّ المأساة وأثقالها في مكان والطبقة السياسية وطموحاتها، في مكان آخر، ففيما كان الدولار الأميركي يفتتح السنة الجديدة برقم قياسي جديد في مقابل الليرة اللبنانية، خرج أركان الطبقة الحاكمة على اللبنانيين، بطروحات تتمحور كلّها حول الطموحات التي تعتمل في صدورهم، من دون أن ينسى أيّ منهم الحديث، وسط الإفاضة في شحذ الهمم بعبارات مثل الشهامة والكرامة، عن التفوّق على “العدو الإسرائيلي الغاشم”.




وطالما أنّ كلّ سنة يُفترض أن تبدأ بـ”جردة حساب”، كان لا بدّ من إجراء جولة على حال إسرائيل الاقتصادية والمالية، وهي التي عاشت، طوال العام 2021، “واقفة على قدم واحدة”، كما قال الأمين العام ل”حزب الله” حسن نصرالله، والابتسامة العريضة تفترش شفتيه.

ويفترض المنطق أن تكون إسرائيل المحاصرة من “محور الممانعة” الذي يروّج، بلا هوادة، لقوته ولقدرته ولتأثيره، في حال سيّئة للغاية، شبيهة إلى حدّ ما بأحوال الدول والأقاليم التي يسيطر عليها هذا المحور، ويزجّها في حروبه ويورّطها في صراعاته.

ولكنّ الوقائع والأرقام والدراسات والتقارير، تُظهر عكس ذلك تماماً، بحيث عاشت إسرائيل، على الرغم من التأثيرات السلبية لجائحة كوفيد- 19، واحدة من أفضل سنواتها الاقتصادية والمالية والتجارية والاستثمارية، الأمر الذي يجعل مقارنتها بواقع لبنان وسائر الدّول والأقاليم التي يهيمن عليها “محور الممانعة” نوعاً من الدعابة هنا وجلد الذات هناك.

إذن، كيف أنهت إسرائيل العام 2021؟

تشير التقديرات إلى أنّ تل أبيب حققت، في العام الماضي، نمواً بلغ سبعة في المائة، متخطية، بذلك، المعدّل العالمي الذي بلغ 5،6 بالمائة، وذلك على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي عانت منها قطاعات مهمة مثل السياحة والمطاعم والترفيه، بسبب جائحة كوفيد-19.

وبيّنت التقارير أن الصادرات الإسرائيلية ارتفعت، في العام 2021، بنسبة 18,5 بالمائة عمّا كانت عليه في العام 2020، بحيث بلغت قيمة صادراتها حوالي 140 مليار دولار أميركي، محققة بذلك رقماً غير مسبوق منذ تاريخ نشوئها.

وفي العام 2021 أيضاً جذبت إسرائيل استثمارات أجنبية بلغت قيمتها عشرين مليار دولار أميركي.

ووضعت الحكومة الإسرائيلية خطة تهدف إلى جذب الكفاءات من الخارج، نظراً لحاجتها إلى اليد العاملة المؤهّلة.

وسجّل الشيكل الإسرائيلي، في العام نفسه، قوة غير مسبوقة في مقابل الدولار الأميركي واليورو الأوروبي، الأمر الذي دفع بمصرفها المركزي إلى التدخّل لشراء الدولار الأميركي واليورو الأوروبي، لوقف تنامي قوة العملة الوطنية.

بطبيعة الحال، وعلى الرغم من هذه الأرقام والنتائج المهمّة، تعاني إسرائيل من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية كثيرة، مثلها مثل غالبية الدول في العالم، ولكنّها، بالمقارنة مع دول وأقاليم “محور الممانعة” التي زُجّ بها في الجحيم، هي في الفردوس.

وليس السحر هو سبب هذا الفارق الشاسع، بل “البديهيات”، فإسرائيل، على الرغم من كل المآخذ على طبيعة نظامها، تحكمها مؤسسات تُحدّد العدو وتختار الصديق، وتقرّر حالات الحرب والتهدئة والسلم بما يتوافق مع مصالحها، وتسهر على تطوير علاقاتها مع الدول الصديقة وعلى إقامة جسور تفاهم مع خصومها، وليس فيها ميليشيات أقوى من الدولة وتتموّل من دول لها أجندات خاصة، وهي لا تتوانى عن مكافحة الفساد الذي أدخل ويدخل رؤساء ووزراء إلى السجون، وهي تهتم اهتماماً كبيراً بمواطنيها الذين يحاسبون الحكّام في صناديق الاقتراع بناء على الإنجازات وليس الشعارات، وبالاستناد إلى إيجابية النتائج وليس العصبية الطائفية.

وفي سياق الخوف من المحاسبة، فإنّ إسرائيل، وفي سياق تحضير نفسها لحرب محتملة مع لبنان، شرعت في بناء ملاجئ لتوفير الحماية الممكنة لسكّان إحدى وعشرين بلدة قريبة من الحدود مع لبنان.

في المقابل، فإنّ انهيار دول وأقاليم “محور الممانعة” ليس نتاج “لعنة” أو “مؤامرة” بل هو الابن الطبيعي للنهج الذي يتحكّم بشؤونها وشجونها.

وإذا أخذنا لبنان نموذجاً، يتبيّن أنَ “حزب الله”، بدل أن يساهم من موقعه كحزب سياسي واسع التمثيل، في إقامة دولة قادرة، حوّله إلى متراس متقدّم للجمهورية الإسلامية في إيران، فسقطت الدولة ومؤسساتها وهرب المستثمرون وتعاظم الفساد وارتفعت الجريمة وصودر القضاء ومُنِعت المساءلة وانهارت القطاعات المنتجة وتعاظم التهريب وتقطّعت أوصال العلاقات مع أهم الدول التي طالما وقفت إلى جانب لبنان في أزماته وفي معاناته.

إنّ هناك أسباباً لبنانية كثيرة تُبقي إسرائيل في خانة “العدو”، ولكنّ الأعداء، في العادة، يُنافس بعضهم البعض الآخر، لأنّ الصراع بينهم لا يمكن حصره بالبعد العسكري فقط.

مصيبة لبنان أنّ “حزب الله” يتحكّم بلبنان فارضاً عليه نهجاً خطراً للغاية يقوم على المعادلة الآتية: فقر الشعب وانهيار الدولة هما مصدر قوتنا لأن ليس هناك ما يمكن أن يثير الحسرة، أمّا رفاهية إسرائيل ونمو دولتها فهما مصدر ضعفها لأنّهما يجعلانها تحسب ألف حساب.