اعتداءات على “اليونيفيل” في لبنان.. “تكتيك لحزب الله”؟ أم “رد فعل محلي”؟

أثار الاعتداءان اللذان تعرضت لهما قوات حفظ السلام الدولية في جنوب لبنان من قبل أهالي المنطقة خلال أقل من شهر، التساؤلات حول ما إذا كان هناك مخطط مدروس يقف خلفه “حزب الله” أعطى من خلاله الضوء الأخضر للبدء بتنفيذه، أو فيما إن كان ما حصل مجرد إشكالات عابرة لا أبعاد لها ولا رسائل وراءها.

في 22 ديسمبر الماضي، تعرضت دورية لقوات “اليونيفيل” في بلدة شقرا الجنوبية للاعتداء بحجة التقاط صور داخل البلدة وذلك بالتزامن مع مغادرة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لبنان بعد زيارة استمرت لأربعة أيام، طالب خلالها بتحول “حزب الله” إلى حزب سياسي كبقية الأحزاب.




بعد الاعتداء أكدت نائبة مدير المكتب الإعلامي لليونيفيل، كانديس آرديل، أن “حرمان قوات الطوارئ من حرية الحركة والاعتداء على من يخدمون قضية السلام أمر غير مقبول، وخرق لاتفاقية وضع القوات التي وقع عليها لبنان”.

وأضافت “كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يجب أن تتمتّع هذه القوات بوصول كامل ومن دون عوائق إلى جميع أنحاء منطقة عملياتها، على النحو المتفق عليه مع الحكومة اللبنانية وعلى النحو المطلوب بموجب قرار مجلس الأمن الدولي 1701”.

وفي الرابع من الشهر الحالي، تكرر المشهد في بلدة بنت جبيل، حيث دعت آرديل السلطات اللبنانية إلى “إجراء تحقيق سريع وشامل، ومحاكمة جميع المسؤولين عن هذه الجرائم”، لافتة إلى أنه “على عكس المعلومات المضللة التي يتم نشرها، لم يكن جنود حفظ السلام يلتقطون الصور ولم يكونوا في ملكية خاصة، بل كانوا في طريقهم للقاء زملائهم في القوات المسلحة اللبنانية للقيام بدورية روتينية”.

“استفزاز غير بريء”

الاشتباكات مع قوات “اليونيفيل” ليست بالأمر الجديد لا سيما بعد توسيع تفويضها في أعقاب حرب تموز  2006 بين إسرائيل وحزب الله، لكن الجديد هو تكرار المشهد في الآونة الأخيرة في أقل من شهر.

عن ذلك علّق العميد الركن المتقاعد، يعرب صخر “وافق حزب الله على مضض على القرار الدولي 1701 الذي يضع ضوابط للميليشيات في الجنوب، وذلك لتهدئة الوضع بعد حرب تموز التي كلفته خسائر باهظة، وما يحصل الآن حالة تنكر للقرار”.

ويقول صخر إن “حزب الله”يحاول “جعل الجنوب منطقة نفوذ حصري له من خلال تقييد حركة القوات الدولية، لذلك كسر القرار الدولي 1701 بالممارسة من دون أن يبالي لا بالدولة اللبنانية ولا بالقانون الدولي ولا بالشرعية الدولية، الإقليمية والمحلية، معتبراً اعلان أهالي الجنوب أنهم هم من اعتدوا على اليونيفيل “تعبيرا ملطفا لحقيقة أنهم دروع بشرية لتحقيق مآرب حزب الله”.

كما اعتبر الناشط السياسي الكاتب، مكرم رباح، أن “أسلوب حزب الله باستخدام غطاء الأهالي للاعتداء على القوات الدولية بات مفضوحاً حيث يؤكد كل مرة أنه تنظيم لا يتعاطى إلا الأمن والعسكر ولا أعتقد أن هناك من لا يزال يصدق أن الأهالي يمكنهم التعرض لدوريات اليونيفيل المكلفة بتأمين الحماية والسلام في المنطقة من دون غطاء من حزب الله”.

ما يحصل بحسب رباح “استفزاز غير بريء، بمعنى أن الحزب يعلم أن إسرائيل تضغط أكثر فأكثر على الأمم المتحدة لتغيير  قواعد الاشتباك مع اليونيفيل أو حتى منع تطبيق انسحابها”.

وأشار رباح إلى العامل الاقتصادي، حيث قال: “لقوات اليونيفيل حلقة اقتصادية كبيرة يستفيد منها أهالي الجنوب، من هنا فإن انسحابها من لبنان يمكّن حزب الله من السيطرة أكثر فأكثر على أبناء المنطقة الذين يعتمدون على القوات الدولية في مداخيلهم”.

الجانب الاقتصادي دفع العميد الركن صخر إلى طرح علامات تعجب واستفهام، قائلاً: “كيف يمكن لمن يسترزق من القوات الدولية وبـ ‘الفريش’ دولار أن ينقلب على نفسه وعليها فجأة ويبدأ بمهاجمتها، والحقيقة أنهم مجرد دروع مدسوسة بينهم مسلحون من حزب الله للقيام بهذه العراضات”.

يعود وجود قوات اليونيفيل في لبنان إلى عام 1978 وذلك بعد الاجتياح الإسرائيلي وسيطرته على جنوب البلاد، حيث قدمت الحكومة اللبنانية احتجاجاً إلى مجلس الأمن ليتبنى بعدها القرارين 425 و426 اللذين يدعوان إسرائيل إلى وقف أعمالها العسكرية وسحب قواتها من جميع الأراضي اللبنانية.

كما قرر المجلس إنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان “اليونيفيل” وذلك لتأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة السلم والأمن الدوليين ومساعدة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها الفعلية في المنطقة، وقد وصلت طلائع هذه القوة في 23 مارس 1978.

وبعد حرب تموز 2006 بين إسرائيل و”حزب الله” تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 1701 الذي نص على تجريد كل الجماعات اللبنانية من سلاحها، داعياً الحكومة اللبنانية لنشر قواتها المسلحة في الجنوب بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة.

والسنة الماضية تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 2591 الذي مدد بموجبه مهمة اليونيفيل في لبنان سنة إضافية، وفي 31 أكتوبر 2021، بلغ عدد المشاركين في هذه القوى 10,144 جندياً  ينحدرون من 46 دولة.

طلائع "اليونيفيل" وصلت لبنان في 23 مارس 1978
طلائع “اليونيفيل” وصلت لبنان في 23 مارس 1978

رفض “استعمار” اليونيفيل

العميد المتقاعد، أمين حطيط، قدم وجهة نظر مختلفة عن صخر ورباح، حيث اعتبر أنه “منذ زيارة غوتيريش إلى لبنان بدأ الطرف الإسرائيلي محاولاته لتعديل مهام اليونيفيل، وهو ما لا يمكن أن يقبله لبنان الرسمي وحزب الله”.

وأضاف “فبحسب القرار 1701 دور القوات الدولية مساندة الجيش اللبناني من دون أن تعطى الحق بالقيام بمهمات عملانية منفردة ومستقلة عن الجيش، كالتعقب والتفتيش الذي تقوم به بطلب من اسرائيل، تجاوزت اليونيفيل المهام الممنوحة لها وفق القرار 1701 هو الفعل، أما رفض الاهالي لهذا التجاوز فهو رد الفعل”.

ويرى حطيط أنه “دائماً كان لبنان يصر عند كل تمديد لقوات اليونيفيل على عدم تعديل مهامها، من هنا يبدو أن اليونيفيل تريد تعديل القرار بشكل واقعي من خلال السلوك من دون المسّ بالنص وهو ما لن يحصل، حتى لو اقتضى الأمر أن تحصل مواجهات واسعة النطاق بين الأهالي واليونيفيل”.

وعن توجيه البعض أصبع الاتهام إلى “حزب الله” بالوقوف خلف ما قام به الأهالي أجاب حطيط “لا يحتاجون إلى من يدفعهم لذلك، فهم حرروا أرضهم ولن يقبلوا بأن تستعمرهم اليونيفيل، ووحده الجيش اللبناني له الحق بفرض الأمن والتفتيش والتعقب، واذا أرادت اليونيفيل مصادرة دور الجيش ستتحول إلى قوة احتلال وستتشكل مقاومة ضدها”.

ومثل حطيط، اعتبر المحلل السياسي، فيصل عبد الساتر، أنه “ليس هناك من نهج اسمه إشكالات مع القوات الدولية وليس هذا ما يريده أبناء الجنوب أو القوى المعنية، اليونيفيل تشير إلى اعتداء تعرضت له دورياتها في حين يقول الأهالي إنها تقوم بمهمات غير منصوص عليها في الـ1701 ، أما التفسير المرجعي لذلك فهو غائب، لأن قرار 1701 شأنه شأن القرارات الدولية الأخرى التي لها علاقة بإسرائيل حيث تكون دائماً ملتبسة كي تفسر لصالح الأمن الاسرائيلي”.

واعتبر عبد الساتر أن “بعض الأهالي في بعض القرى اللبنانية بدأ يساورهم الشك من بعض السلوك الذي تقوم به بعض القوات الدولية أثناء قيامها بدوريات وفقاً لمندرجات القرار الدولي 1701، وما فاجأ السكان سواء في بلدة شقرا في بنت جبيل أم في مدينة بنت جبيل قيام عناصر من اليونيفيل بتصوير بعض الأماكن بشكل ملتبس ومن خارج اختصاصها”.

في ذهن أولاد الجنوب بحسب عبد الساتر فإن “القوات الدولية بقيادتها منحازة إلى الطرف الاسرائيلي أكثر من كونها تنفذ مهمة دولية وقد سبق هذين الإشكالين محاولات عدة من قبل القوات الدولية لنشر كاميرات مراقبة عالية الدقة وحساسة جداً في محيط مناطق انتشارها، ما عرضها للكثير من الإشكاليات حتى تم إفشال هذا المشروع كونه يعتبر مخالفاً لمنطوق القرار 1701 على الأقل من وجهة نظر الطرف اللبناني المعني بمثل هذا الأمر، سواء كان حزب الله أو من يدور في فلكه أو من هم من السكان العاديين”.

وعن إصرار البعض على أن الأهالي لن يتهجموا على قوات اليونيفيل من دون ضوء أخضر من حزب الله أجاب عبد الساتر: “أهالي الجنوب هم من بيئة الحزب، ولماذا لا يقولون إن القوات الدولية تريد عمداً إثارة مثل هذه الإشكالات على مستوى قيادتها أو أن سلوكها هو الذي يتسبب بذلك”؟ لافتاً إلى أن “الحس الأمني الموجود عند أهالي الجنوب مرده إلى عمليات التجسس التي تحصل لصالح إسرائيل أو إعطاء إحداثيات أو تحديد مواقع ومنازل”.

محللون يرون أن انعدام ثقة السكان المحليين في جنوب لبنان بالقوات الدولية يعد مشكلة أساسية
محللون يرون أن انعدام ثقة السكان المحليين في جنوب لبنان بالقوات الدولية يعد مشكلة أساسية

بين الخشية واستبعاد التصعيد

ما يخشى منه رباح مسرحية يلجأ إليها حزب الله حيث قد نسمع كما قال: “عن عملية أمنية تتبناها جماعة متطرفة كتنظيم داعش”، مؤكداً أن “اليونيفيل، كما الشعب اللبناني، رهينة عند إيران وحزب الله، ولا يجب على اليونيفيل والمجتمع الدولي الانصياع إلى هذا النوع من الابتزاز”.

كذلك عبّر العميد الركن صخر عن مخاوفه “من تدهور الوضع في الأيام القادمة كون هدف حزب الله أن يجعل الجنوب ساحة مستباحة، وبحسب سياق الأمور، يظهر أنه لن يتراجع قبل التوصل إلى ما يريده”.

يحاول حزب الله بحسب صخر “الاستفادة من التراخي الدولي في ظل المنحى الدبلوماسي السائد، لا سيما في مفاوضات فيينا لتحقيق مكاسب أو مسك الأرض إن جاز التعبير، وما الحديث عن ضربة محتملة للبنان سوى فقاعات خطابية لا تقدم ولا تؤخر”، وهو ما أكده رباح بالقول: “لا يمكن فصل ما يجري في الجنوب عن مفاوضات فيينا”.

للعميد حطيط رأي مخالف حيث اعتبر أن “حزب الله لن يتحرك طالما لم يتم الاحتكاك به بصورة مباشرة، لكن حين تتجاوز اليونيفيل تفويضها وتعمل ضد حزب الله مباشرة لا أعتقد أنه سيبقى مكتوف اليدين”.

كما لا يعتقد عبد الساتر أن ينفلت الوضع لا سيما أن “خدمة قائد القوات الدولية تنتهي الشهر المقبل، من هنا عليه لملمة ما حدث والتصرف بحكمة كي لا يتسلم خلفه منصبه وسط الكثير من التعقيدات، لكن طبعاً لا أحد يمكنه أن يتكهن في هذا الموضوع”.

ورداً على سؤال أين الدولة اللبنانية من كل ما يحصل؟ أجاب رباح “غائبة وعلى الجيش اللبناني عدم لعب دور الرديف بل عليه تنفيذ القرار الدولي 1701”.

في حين قال العميد صخر: “قانوناً الجيش اللبناني ينفذ قرار السلطة السياسية وهي موجودة بالشكل لا بالفعل، فلا حكومة تجتمع ولا رئاسة جمهورية فاعلة ومجلس نواب لا يعقد جلسات إلا إذا كانت لصالح شراء الوقت لحزب الله”.

وأضاف “47 دولة تصنف حزب الله منظمة إرهابية بجناحيه السياسي والعسكري، والعشرات على الطريق، وأصبحت دول الخليج العربي خاصة تتعامل معه بهذه الصفة، وبدل من أن يبرهن العكس يمضي قدماً في تعنته وتنكره للدولة اللبنانية وتعطيلها وجعلها واللبنانيين رهائن فعليين”.