«إنّي أتّهم» التلفزيونات اللبنانية: تصنيع الجهل وسباق نحو القاع

ندى حطيط – القدس العربي

«إني أتّهم» عنوان مقالة الكاتب الفرنسي إميل زولا الشهيرة يصلح مجدداً ودائماً لوصف تآمر فئة داخل المجتمع على فئة أخرى باستخدام الأدوات الإعلاميّة.
وهنا أستعيره لوصف النسق المنظّم الذي تتلاقى تلفزيونات عديدة في لبنان على اتباعه لتصنيع الجهل وإعادة إنتاجه يومياً وعلى الهواء مباشرة. فأي عاقل تسنى له بعض الوقت للمتابعة خلال موسم العطلات السنويّة نهاية العام (عيديّ الميلاد ورأس السنة) كان ليصاب بصدمة معرفيّة تامّة. فأغلبها انخرط في حملة شعواء بلا قيود لملء الهواء إما بالخرافات والخزعبلات التي تليق بالعصور المظلمة، أو ببرامج الثّرثرة الاستعراضيّة بغرض الإثارة، وإما بالبرامج «الترندّ» هذه الأيام وهي برامج «الشحاذة» التي وإن عادت إلى أرض الواقع اكتفت بالاستئساد على الضعفاء والمساكين والجهلاء وإهانتهم على العلن وتوزيع ورقة المئة دولار عليهم، بعد فيض من أنهار بكائهم وإشهار عوزهم وحاجتهم وجوعهم وزعزعة إنسانيتهم لتهبط المئة دولار على الهواء بفقاعتها وفتنتها وكأنها المنقذ من الموت، وطبعاً بعد مسرحية «إفتح الظرف» الذي يتباهى بها المذيع ويذرف عليها الجائع اللبناني الدموع، وهذا «الترند» من البرامج اعتلى منابر معظم الشاشات اللبنانية مع عميق الأسف.
تقاطع أعمال هذه الأغلبية من القنوات على تلويث الهواء العامّ ليس أمراً مرده مطلق العبث أو تردٍ أخلاقيّ لبعض القائمين على إنتاج تلك البرامج الهزيلة ولا حتى فقط تسابق جشع على استقطاب المشاهدين والإعلانات، كما قد يخيّل للبعض، وإنما هي نتاج شبكة متضامنة متكاملة لتصنيع الجهل وتعميقه ونشره بين اللبنانيين. فالجهل لم يكن يوماً نقيض المعرفة بقدر ما هو عمل موجه بوعي وترصّد من قبل فئة معينة لإبقاء فئة أخرى في لجّة الخضوع والإذعان والتبعيّة. ولذا فإن الجهل لا ينتج من تلقاء انعزال المجموعات البشريّة، وإنما نتيجة اتصالها، وتعاطيها بأحدث معطيات الحضارة – وفي هذه الحالة تحديداً بأدوات البث المباشر على الهواء المتطورة – وتعرّضها عبر ذلك الاتصال لمؤثرات مصاغة بمنهج علمي موضوعيّ ورصينة ومدروسة.
وبالطبع، فإن توصيف الجهل بهذه الصيغة وإن اعتبره البعض نوعاً من تبنٍ لنظريّة مؤامرة وهميّة، سيكون نتيجة حتميّة لأي تحليل موضوعيّ للبنية الطبقيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة في هذا «اللبنان» الصغير الجميل بما في ذلك طبيعة ملكيّة وسائل الإعلام فيه لا سيّما المحطات التلفزيونيّة. فلبنان بحكم تكوينه الاستعماري مجتمع تتفاوت فيه طرائق العيش بشكل فادح بين أقليّة مسرفة الثراء تهيمن على موارد البلاد ومؤسساتها، وأكثريّة بالكاد (مستورة) وتعيش ليومها.
ولا شكّ في أن بقاء هذا النظام سائداً لمصلحة الفئة الأولى يتطلّب بالضرورة تفشي الجهل وتسطيح الوعي والانشغال بالمسائل الفرعيّة لدى الفئة الثانية. وإلى جانب المنظومات السياسيّة والدينيّة والتعليميّة في لبنان، يلعب الإعلام – والمرئي منه بشكل خاص – دوراً رئيساً في هذه المهمّة غير النبيلة، وتُستثمر فيها عقول وأموال وتكنولوجيات حتى وإن لم تحقق أرباحاً مادية مباشرة.




التنبوء وخزعبلات المنجمين: ليلى عبد اللطيف وشركاؤها

جعلت معظم التلفزيونات اللبنانيّة من استجلاب نجوم التنبؤ ومدّعي قراءة الغدّ والغيبّ وأوضاع الكواكب سنّة دائمة ترافق بداية كل سنة جديدة.
ويقوم هؤلاء الدّجالون المحترفون بتصنّع الغموض والعمق والثقة لنشر أكاذيب وتلفيقات مسمومة عبر خلط مقصود بين الحقائق والتضليل في إطارات بصريّة وفنيّة مؤثرة.
وتهدف هذه التلفزيونات من وراء استدعاء هؤلاء الأفاقين وتسليط الضوء عليهم ومنحهم ساعات هواء كثيرة إلى تخدير العقل الواعي المكلّف بتحليل المعلومات المتدفقة إلى الإنسان، ليصبح بالتالي أرضاً خصبة تتقبّل أيّة مفاهيم أو أفكار تفرض عليه في عقله اللاواعي لتنمّط تلقائياً مواقفه وسلوكياته وتصرفاته اليومية على نحو لا يتعارض مع مصالح القلّة الحاكمة والمسيطرة على المجتمع، لا بل وربّما يخدمها بشكل أو بآخر – كانخراطه مثلاَ في سلوكيّات استهلاكيّة غير مبررة لكنها تحقق غايات رأس المال في تعظيم الأرباح -.
ويمرر هؤلاء المتنبئون في إطار تنجيماتهم رسائل سياسيّة الدّافع تتسبب بإشعار الجمهور بالخوف والتشكك، وتدفعه لتوقعّ الأسوأ، والسقوط داخل أفواه السلبيّة في مواجهة الأقدار التي ترسمها حركة الكواكب – دائماً وفق ماغي فرح (أل بي سي) وميشال حايك (أم تي في) وليلى عبد اللطيف (تلفزيون الجديد) وزملائهم على منابر أخرى -، وبالتالي التمسّك بالأوضاع القائمة بوصفها النّظام الطبيعيّ للأشياء والتي ينبغي تقبلها والدّفاع عنها في مواجهة الأسوأ.

اصطياد المساكين والتمويه عن القتلة

وإذا صدف وخلت غالبية هذه الشاشات من المتنبئين، فإنها تملأ هواءها بمحترفي اصطياد المساكين، الذين وتحت صيغ برامج مختلفة – بـ(الخطّ العريض البرنامج الشهير علي أل بي سي) أو بخطوط أخرى ( مع برامج أخرى قد لا أنتهي من تعدادها) – يقومون باستدعاء أشخاص ضعفاء عقلياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً، ومن ثمّ يسلّطون الأضواء الكاشفة على أوضاعهم المزرية وأخطائهم الغبيّة وهفواتهم البنيوية، فيراق ماء وجههم وأسرار عائلاتهم أمام العموم، ويستعرض فقرهم وقلّة حيلتهم على الناس، ويلامون بلا رحمة على مواقف اتخذوها بحكم الواقع الموضوعي المرتبط بأوضاعهم المزرية.
ويقوم محترفو الصيد هؤلاء إما بلعب دور الحظّ السعيد الذي يداوي القلوب الحزينة ويوزّع العطايا على المهمشين ويغير أقدارهم البائسة، أو دور الواعظ المتطلّع بفوقيّة تجاه ضيوفه من المساكين ملقياً إليهم بخليط من التقريع والتوجيه. لكن تلك الأدوار الممكنة المتفاوتة تعتمد مقاربة واحدة تتكرّس في كل حلقة وبرنامج ومحطّة مفادها الترويج لفكرة مسؤوليّة الفرد عمّا يصيبه – دون لوم الآخرين أو المنظومة الكليّة- لتغطي بالتالي على أدوار وأدوات النظام الرأسمالي الإقطاعيّ من اللصوص والمتآمرين التي تشوه حياة اللبنانيين، وتمنعهم من تحقيق ذواتهم وتفرض عليهم العيش في مجتمع يفتقر بشدة إلى العدالة الاجتماعيّة.

الثرثرة والإثارة الرخيصة

وإلى جانب المنجمين وصيادي المساكين، تحاصرك برامج تلفزيونية «ترنديّة» في هذا «اللبنان العظيم» مخصصة لمذيعات يتصنّعن خفّة الدّم وفيض الأنوثة لاستدرار انفعالات الجمهور عبر توجيه نقد ساخر لاذع عنصري ومنحاز ضدّ خصوم سياسيين أو تستضيف عدداً من الشخصيات من أجواء تفاهة مواقع التواصل الاجتماعيّ لطرح مسفّ حول موضوعات مفتقرة إلى القيمة سوى إثارة للجدل العبثي تحت الشعار الكاذب لاحترام جميع الآراء. ولا تتورع هذه البرامج عن استدعاء موضوعات جنسيّة أو خلافيّة بامتياز، وتتولى المذيعة فيها لعب دور المرجع والحكم النهائيّ دون أي تأهيل مسبق.

شركاء الهيمنة ومصنعو الجهل

وهكذا تتلاقى هذه التيارات من برامج تصنيع الجهل لتصوير الثقافة والمجتمع في لبنان حصراً ضمن ذلك التناول السخيف والعبثي والمبتذل العاجز عن تقديم أي معالجات عقلانية هادفة، أو نماذج إنسانية بنّاءة، في وقت يعيش فيه اللبنانيّون أزمة وجوديّة عميقة وانقسامات طائفيّة وسياسية لا يسهل ردمها ويفتقرون بشدّة إلى ما يمكن أن يعينهم على تجاوز محنة قلّما تعرض لها شعب من الشعوب في عصرنا الحديث. وإني أتهم هذه المجموعة من التلفزيونات اللبنانيّة بتوظيف هوائها عمداً لتسفيه العقول وتغييب الحسّ الإنساني، وصناعة نجوم بشرية فارغة وغير مبالية، لتستمر في إعادة إنتاج جهل أكثريتنا لمصلحة ذات الفئة المتنفذة في هذا البلد الحزين منذ مئة عام.