“أمل” – “التيار”: الصراع الضاري إلى… نهاية العهد

ابراهيم بيرم – النهار

الحرب الاعلامية والسياسية بين حركة “أمل” و”#التيار الوطني الحر”، والتي تتمظهر وتتجلّى يومياً منذ فترة بحملات متبادلة بلا حدود وبلا ضفاف، تبدو مفتوحة وعلى احتدامها من الآن وحتى الموعد المبدئي للانتخابات النيابية، بل الى اليوم الاخير من ولاية العهد الرئاسي الحالي، والأمل ضعيف جداً بفعلٍ أو مبادرة رادعة تكبح الجماح.




هذا الاستنتاج القاطع والواثق والمتشائم في آن، تجهر به أصوات عُرفت بتعقّلها ورويّتها داخل “التيار البرتقالي”.

فالمعلوم أن “الشرارة الأولى” التي اشعلت فتيل هذه الحرب المستعرة تبدّت اكثر ما يكون عشية الانتخابات النيابية الاخيرة التي أُجريت عام 2018، وذلك بعدما كانت عبارة عن جولات من المناوشات والمناكفات التي سرعان ما كانت تجد مَن يطوي صفحتها ويهدّئ أوارها بزيارة من هنا أو بمبادرة عاجلة وغبّ الطلب من هناك، خصوصا من حليف الطرفين “#حزب الله”.

لكن الصراع انفلت تدريجاً من عقاله وزمامه ليتخذ صورة الاشتباك الموقت اولاً والذي يملك قابلية التحول الى اشتباك دائم قبل ان ينتهي الى حرب مستعرة مفتوحة كواقع الحال، منذ ان اطلق رئيس “التيار” النائب جبران باسيل كلامه الحاد الشهير في اجتماع وُصف بالمغلق لأركان وكوادر من تياره، نعتَ فيه يومذاك الرئيس نبيه بري بأنه “كمن يمارس أعمال البلطجة” في السياسة.

وعلى رغم ان الطرفين خاضا الانتخابات النيابية بلوائح مشتركة في دائرتَي بعبدا وبيروت الثانية، إلا ان الامور بينهما انزلقت لاحقا نحو صورة “الجرة المكسورة”، وكانت أسوأ انواع تعبيراتها العملية وأشدها قسوة صورة مجموعات من شبان الضاحية الجنوبية يرفعون أعلام الحركة وبيارقها وهم يهاجمون على متن دراجات نارية أحياء في بلدة الحدت المحسوبة معقلاً من معاقل “التيار الوطني”.

بعدها، بُذلت جهود وجرت محاولات جادة لتهدئة التوتر استهلالاً ومن ثم اعادة الامور سيرتها الاولى مقدمة لحال تطبيع ومساكنة، الاولى تجلت بزيارة قام بها رئيس “التيار” باسيل الى مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، راجت إثرها مناخات تفيد بان ثمة صفحة سوداء ومتوترة في العلاقة بين الطرفين قد اُذِن لها ان تنطوي لمصلحة صفحة اخرى ديدنها وعدٌ بخطوات تطبيعية مستقبلية من طبيعة مستدامة.

أما المحاولة الثانية فقد تجسدت بلقاءات محدودة جمعت رموزاً من الطرفين تحت عنوان البحث عن قواسم وقواعد تنسيق مشتركة لإرساء أسس تفاهم سياسي مبني على أعمدة متينة.

إلا ان “الطبع العدائي” المتأصل بين الطرفين ما لبث ان غلب محاولات التطبيع تلك وأبعدها تماما من دائرة التفاؤل والتداول.

وقد تبدّى هذا التباعد اكثر ما يكون في مشهد يصعب نسيانه، هو مشهد يوم انتخاب العماد ميشال عون رئيسا في القاعة العامة لمجلس النواب وامتناع اعضاء كتلة “التنمية والتحرير” التي يرأسها بري عن التصويت له على رغم علمهم التام بان الامر محسوم، مشفوعا بمحاولات بارعة بذلها رئيس المجلس لجعل الانتصار الذي حققه “التيار” في حينه بعد طول انتظار بطعم الهزيمة.

منذ ذلك الحين أضحت العلاقة بين هذين اللاعبين الاساسيين على المسرح السياسي اللبناني مسارا متعرجا ومحتدما وسمة عامة من سمات المشهد السياسي برمته.

ولم يبدل طبيعة هذه الصورة ونمطيتها التحول النوعي في المسار السياسي العام والذي تجلّى في انطلاق حراك “17 تشرين” الذي وضع المشاركون فيه الطرفين معا في سلة واحدة هي سلة “المنظومة الحاكمة المحاصَرة بشبهات شتى يتعين الاطاحة بها بعد محاسبتها”.

وبعد هذا الايجاز لتاريخ العلاقة المتوترة والكيمياء المفقودة تماما بين الطرفين على رغم انهما وُضعا في التصنيف والتشطير السياسي الداخلي في اطار محور سياسي واحد، فان الامر ظل على انحداره وتدحرجه ليستقر في الآونة الاخيرة على معادلة عدائية انقسامية من عناوينها: تحميل “التيار البرتقالي” الرئيس بري وفريقه تبعة “عرقلة مسيرة الاصلاح والتغيير التي رفعها العهد الرئاسي شعاره الأساس”. وفي المقابل حمّلت حركة “أمل” “التيار” والعهد مسؤولية “السعي بدأب لجعل الارض السياسية الصلبة تميد وتهتز تحت أقدام الرئيس بري تمهيدا لساعة الوقوع المدوّي”.

وبالطبع اضاف خطاب حركة “امل” اخيرا الى هذا فقرة ومادة عنوانها العريض: ان “التيار البرتقالي” يسعى جاهدا وبشراسة الى “تصدير” التأزم والتعثر الذي اصاب العهد والتجربة السياسية لرئيسه التي اخفقت الى الآخرين، فلجأ الى افتعال المواجهة المفتوحة مع رئيس السلطة التشريعية عسى ولعل يستطيع استعادة ما فقده من حضور وشعبية، على رغم ادراكه ان كل الرؤوس التي سبق لها ان حاولت نطح الصخرة قد حطمت قرونها وبقي الصامد مكانه لاعبا اساسيا يحتاج اليه الجميع ويلوذون به عند الملمّات باحثين عنده عن الحلول الناجعة.

تتعدد التفسيرات والقراءات لهذا التباين الذي استعصى على كل محاولات رأب الصدع ، لكن واحدا من اعضاء تكتل “لبنان القوي” يعزو الامر الى تفسير مكثف هو: مزيج من مقاربات متناقضة لكل الملفات والقضايا، فضلاً عن النظرة الى الدولة وكيفية ادارتها، مضافا الى ذلك شعور ما فارق “التيار” وقواعده يوما وفحواه ان الرئيس بري من موقعه في المعادلتين الرسمية والحزبية حرص على خطْب ومراعاة خاطر ودّ كل الاطراف والمكونات باستثناء “التيار الوطني الحر”.

واذا كانت كل تلك الوقائع قد باتت من باب لزوم ما لا يلزم كونها صارت مكشوفة ومطروقة وتكرر نفسها، فان السؤال المطروح هو: ماذا بعد… وكيف يمكن ان تضع “هذه الحرب” اوزارها؟ واستطراداً، كيف ستنعكس مقولة الطلاق البائن بين هذين الطرفين على المشهد الانتخابي الوشيك، وبين هذا وذاك على موقع الطرف الآخر المعني والذي يصر بحسب ما ورد على لسان سيده السيد حسن نصرالله في اطلالته الاخيرة على الحفاظ على علاقته المميزة بالطرفين معا؟

يتبدى واضحا ان كلا الطرفين ليس لديهما النية في التقاط الانفاس وأخذ استراحة المحارب ليردّا على هاتيك الاسئلة، فهما الآن مستغرقان حتى النخاع في ما يعتبرانه معركة “كسر العظم” مستخدمين كل ما في حوزتهما من اسلحة بما فيها الضرب تحت الحزام.

وواقع الحال هذا ينطبق اكثر ما يكون على اثنين يتملكهما هاجس الاستحواذ على صدارة السلطة: الاول يريد استعادة سلطة مفقودة، والثاني يستشرس في الدفاع عن موقعه فيها ومواجهة مَن يستشعر انه أتى ليزاحمه. انه بشكل او بآخر صراع من شأنه ان يجتاح كل الصيغ التسووية الفاصلة.

ولا يبدو ان “حزب الله” قادر على اداء هذا الدور، لاسيما بعد عشرات المحاولات التي بذلها على مدى الاعوام الفائتة بغية التوصل الى هدنة بينهما تمهد لتسوية دائمة.

ولأن الحزب ليس في وارد فرض صيغة يقبل بها الطرفان، فانه من الآن والى اجل غير مسمى يراهن ضمناً على تعب الطرفين معا فيكون عندها مسعاه مثمرا. لذا فان رهانه على الوقت ليس إلا، وقد تكون الاشهرالخمسة التي تفصل عن موعد الانتخابات فرصة ليعيد الطرفان النظر في حساباتهما وأوراقهما.