كيف سيردّ ميقاتي على «حزب الله»؟

راكيل عتيِّق – الجمهورية

على رغم أنّ انعقاد مجلس الوزراء ما زال «مُحرَّماً» من «الثنائي الشيعي»، وعلى رغم تصعيد الامين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله في وجه السعودية واتهامها بالإرهاب، مع علمه بتداعيات كلامه هذا على لبنان، خصوصاً في هذه المرحلة، حيث لم يتنفس البلد الصعداء مجدداً بعد الأزمة الأخيرة مع السعودية وبعض دول الخليج، وعلى رغم ردّ «الحزب» العالي السقف أمس على ردّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على كلام نصرالله، إلّا أنّ رئيس الحكومة لا يزال متحكماً بـ»ردود فعله» السياسية والدستورية على تعطيل «الحزب» لحكومته وتهديده لكلّ المساعي التي يبذلها لرأب الصدع الذي يشوب علاقات لبنان مع الخليج ويهدّد مصالحه في وقتٍ تستفحل أزمته الانهيارية.




إفتُتحت سنة 2022 في لبنان، منذ يومها الأول، بتصعيد التشنج الداخلي والخطاب العالي السقف بين مختلف الأفرقاء، بحيث اشتعلت جبهات عدة بالتوازي: حركة «أمل» – «التيار الوطني الحر»، «القوات اللبنانية» – «التيار» مع اختلافات بين «حزب الله» و»التيار»، وتعمُّد نصرالله مهاجمة السعودية في التوقيت نفسه. هذا في وقتٍ تنفذ الحلول أمام معالجة الاعتراض على سير التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ويُحلّق سعر الدولار، إضافةً الى بروز ملف خلافي آخر بين مؤيّد لفتح دورة استثنائية لمجلس النواب ورافضٍ لها.

بين كلّ هذه الألغام، على رئيس الحكومة التحرُّك من دون أن يخطو «دعسة» خاطئة تؤدّي الى انفجار أحد الألغام في وجه حكومته فيُرديها بعد أن دخلت في موتٍ سريري نتيجة تعذُر اجتماعها. حتى الآن، لا يزال ميقاتي متريثاً ولن «يقلب الطاولة» بأي قرار تفجيري، إن لجهة دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد بمعزل عن موافقة «أمل» و»حزب الله» ومشاركة وزرائهما في الجلسة، أو التلويح بإحدى ورقتي الاعتذار أو الاعتكاف. وعلى رغم المشهدية السوداوية التي تلفّ البلد والشدّ السياسي الداخلي على أبواب الانتخابات النيابية والخطابات المرتفعة السقف والأهداف، لا يُمكن لميقاتي كرئيس للحكومة الّا أن يكون صيغة تهدئة لإعادة البوصلة الى السكة الصحيحة، وهي التركيز على الموضوع الاقتصادي – الاجتماعي – المعيشي، بحسب مصادر قريبة منه.

وبالتالي إنّ قرار ميقاتي لا يزال نفسه، وهو أن يكون بمقدار المستطاع، صيغة استيعابية بما يمثّل على مستوى رئاسة الحكومة، خصوصاً أنّ الحكومة تنطق بإسم جميع اللبنانيين وكلّ مكونات لبنان الطائفية مشاركة فيها. وبالتالي عملياً، سيظلّ خطاب ميقاتي في هذه المرحلة «خطاباً وطنياً» وستبقى بوصلته الأساسية، مهما اشتدت الخلافات والمواقف السياسية، العمل على التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات لتكون متعلّقة بالموضوع المعيشي.

إنطلاقاً من ذلك، يبدو أنّ ميقاتي سـ»يعضّ على الجرح» ويستوعب «الضربات» المتتالية التي يتلقاها من «حزب الله» على رغم تأثيرها عليه وطنياً وسنياً وخليجياً، وسيقتصر ردّه على «الحزب» بالبيانات والمواقف كلّما دعت الحاجة الى استنكار أو رفض موقف لـ»حزب الله» من هنا وعمل له من هناك. إزاء ذلك بات البعض يعتبر أنّ ميقاتي «مرتاح» للوضع القائم، فيما تكرّر المصادر القريبة منه أنّه يركّز على «الصيغة الوطنية»، مؤكدةً أنّه يرغب في انعقاد مجلس الوزراء أمس قبل الغد، ويعتبر أنّه أمر أساس لحلحلة الملفات المطروحة على جدول الأعمال، إنّما يقارب الموضوع بصيغة وطنية، لأنّه يعتبر أنّها أفضل بكثير من أخذ الامور في اتجاه مزيدٍ من الاصطفافات والانقسامات. وما زال على موقفه نفسه: «هل ندعو الى جلسة لمجلس الوزراء في «قفزة في الهواء» أو لكي يكون مجلس الوزراء صيغة جامعة لجميع الأفرقاء؟» وبالنسبة إليه، إنّ الخيار الثاني أفضل بكثير من الدعوة لمجرد الدعوة وتوسيع الشرخ والانقسامات الداخلية.

وفي حين أنّ الخطابات المتشنجة التي تُطلق من على أكثر من جبهة، زادت من التوتر الداخلي وطغت على الاتصالات لحلحلة مسألة انعقاد مجلس الوزراء، يُعوّل ميقاتي على أن يعود الهدوء الى الجو السياسي خلال أيام، ما يسمح بتحريك ماكينة الاتصالات لديه ويمهّد الى إيجاد طريقة للخروج بحلول لانعقاد مجلس الوزراء. لكن على رغم «نية» ميقاتي هذه، لا يبدو أنّه يحمل حلاً جديداً لمعضلة «البيطار – الحكومة»، بل يتمسّك بالحلّين اللذين سبق أن طُرحا وأُسقطا: الأول، أن يعمد مجلس النواب الى إحالة النواب الوزراء السابقين المدعى عليهم الى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، والثاني من خلال قرارات قضائية كون الموضوع خاص بالجسم القضائي.

لكن القضاء قال كلمته في هذا الموضوع أكثر من مرّة ولا يبدو أنّه سيرضخ للضغط لاتخاذ أي إجراء بحق المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، فيما أنّ حلّ مجلس النواب لهذه المعضلة بات متعذراً بعد أن بات محسوماً، بعد «لا قرار» المجلس الدستوري بشأن طعن «التيار» بقانون الانتخاب، أنّ باسيل لن يعطي الميثاقية المسيحية لقرار الاحالة. وبالتالي، لا حلّ في الأفق المنظور ولا مجلس وزراء قريباً.

إلّا أنّ ميقاتي يرفض ما يُقال عن أنّه يخضع لـ»حزب الله» أو أنّ «الحزب» يسيطر على الحكومة، وتعتبر المصادر القريبة منه أنّ مواقفه وخطاباته، وآخرها بيان الرد على نصرالله، تشير الى عكس ذلك، و»هو رئيس حكومة كلّ لبنان ويبقى خطابه وطنياً، وأي فريق لا يهيمن على الحكومة، وهذا الامر أثبته بنوعية خطابه وبالممارسة». أمّا عن ظهوره «متسامحاً» مع «حزب الله» أقلّه أو «متواطئاً» بحسب بعض الجهات السياسية، بحيث أنّه بإعلانه عدم الدعوة الى جلسة لمجلس الوزراء بلا توافق وعدم تلويحه بورقة الاعتذار يفتح المجال لهذا الفريق بالتمادي أكثر، تقول المصادر القريبة منه، إنّه يقارب موضوع الاستقالة من زاوية الهدف منها وإن كانت تفتح كوة في جدار الأزمة أم لا، وحين يجد أنّ استقالة الحكومة صيغة ايجابية للبنان يُقدم عليها، لكن طالما أنّها صيغة انفجار للبنان فلن يفعلها.

الى ذلك أيضاً، يبدو أن لا تماهي بين عون وميقاتي حيال فتح دورة استثئانية لانعقاد مجلس النواب، ولن يعمد ميقاتي الى محاولة مقايضة اجتماع الحكومة بعقد استثنائي لمجلس النواب، فكتلة «الوسط المستقل» النيابية التي يترأسها وقّعت المذكرة النيابية للطلب من رئيس الجمهورية فتح دورة استثنائية نتيجة الحاجة الى إقرار كثير من مشاريع القوانين ومواكبة الحكومة متى اجتمعت.

وفي حين ستكون أولوية ميقاتي التي سيعكف على العمل عليها في الأيام المقبلة، التهدئة الداخلية، من المُرجح أن تليها زيارات للخارج، في إطار الموضوع الاقتصادي، وقد تكون وجهته أوروبية أو خليجية. وما زال رئيس الحكومة، وعلى رغم الانعكاسات المرتقبة لكلام نصرالله على العلاقة مع السعودية، يُعوّل على التصريحات السعودية الرسمية لجهة مساعدة لبنان والتزامها دعمه اقتصادياً، حتى لو أنّ الظروف قد لا تساعد في تسريع ترجمة هذا الموقف. فبالنسبة الى ميقاتي، إنّ كلّ فريق في لبنان يبدي وجهة نظره، إنّما الحكومة فقط تتحدث عن لبنان وتعبّر عن موقفه الرسمي، وهو أفضل العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة.