«الحزب» لباسيل: نَدعمك ضدّ جعجع لا ضدّ بري

طوني عيسى – الجمهورية

الجميع يستعدّ للانتخابات، ولو من باب الاحتياط، ما دام إجراؤها ليس مؤكّداً حتى الآن. وكما هو واضح، المعركة لن تَخرق الحصون الشيعية المنيعة. في المستوى الأول، سيكون النزاع بين المسيحيين، أو على المسيحيين، ثم على السُنَّة، فالدروز. ولذلك، يُفهم لماذا بدأ التخبيص باكراً وعنيفاً داخل الصحن المسيحي.




لم يكن هناك أي سياق سياسي للهجوم الذي شنّه رئيس «التيار الوطني الحرّ» جبران باسيل على غريمه المسيحي الدكتور سمير جعجع، في إطلالته قبل يومين. فـ»الجبهة» بين الطرفين لم تشهد إطلاق أي رصاصة في الأيام الأخيرة، والتقاصف كان على أشُدِّه في «الجبهة» مع الرئيس نبيه بري.

فجأة، قفز باسيل من متراسه المقابل لبري ووقف في المتراس المقابل لجعجع، وأطلق النار بلا حساب: «جعجع طوال عمره (كان) أداة للخارج. ساعة لإسرائيل، وساعة لأميركا. تواطأ مع سوريا في الـ90، والآن معروفٌ أين هو، وأيَّ أجندة ينفذّ. المطلوب منه هو الفتنة».

باسيل مضطر إلى تفجير المعركة مع جعجع لسببين: أولاً لموازنة انتقاداته المبطَّنة لـ»حزب الله». وثانياً، لأنّ جعجع هو الخطر الحقيقي عليه في الانتخابات النيابية، كما أنّ رئيس «المردة» سليمان فرنجية هو الخطر الحقيقي عليه في الانتخابات الرئاسية.

واقتضى الظرف أن يقوم باسيل بتأجيل الهجوم على فرنجية إلى مناسبة أخرى لسببين أيضاً: أولاً لأنّ «الحزب» ليس في وارد مجاراته في القصف على حليفه الشمالي القديم والثابت. وثانياً لأنّ المعركة النيابية هي الأولوية الأن، فيما معركة الرئاسة متأخّرة.

وفي أي حال، يهدف هجوم باسيل على جعجع إلى استثارة «العصب العوني» القديم، الذي على أساسه قامت زعامة عون نهاية الثمانينات من القرن الفائت، ونواتُه هي: جعجع هو الميليشيا العاملة لمصلحة الخارج، ونحن الجيش والمؤسسات.

وهذه المقولة صدَّقها الكثيرون داخل الرأي العام المسيحي، في فترات معينة، وتمّ استثمارها ببراعة اشتغل فيها خبراء في علم النفس وعلم الاجتماع والسياسة والاستخبارات لتركيب شعبية عون. فالمسيحيون يتعاطفون تقليدياً مع الجيش ويحتمون بالمؤسسات، ولو أنّ غالبية زعمائهم ساهموا في انفراطها.

اليوم، هاجس باسيل على أبواب الاستحقاقات الشعبية هو: كيف نُبقي هذه الصورة موجودة في أذهان المسيحيين الذين ما زالوا معنا أو هم في صدد الخروج من عندنا؟ وقد جاء هجومه في توقيت دقيق، وبعدما تبلَّغ «التيار» أصداء التراجع «النسبي» في شعبيته لمصلحة 3 اتجاهات: «القوات»، قوى انتفاضة 17 تشرين، والمتردِّدين.

وفي اقتناع باسيل أنّ الانطلاق اليوم، على مسافة 5 أشهر من موعد الانتخابات، بحملة «تلميع» لصورة «التيار» المسيحية، من خلال الشعارات التي تدغدغ «طموحات» غالبية المسيحيين (اللامركزية المالية الموسّعة، الاستراتيجية الدفاعية، الحوار على الأساسيات) وتشويه صورة جعجع في المقابل، من شأنهما إعادة تثبيت الكثير من العونيين في الأحضان.

ولذلك، اقتضت خطة العونيين إطلاق الصاروخ بشحنتين: الأولى تمهيدية وجّهها عون، وفيها اكتفى بطرح الشعارات «الرومانسية» غير القابلة للتحقيق أو حتى للبحث في هذه المرحلة، والثانية تولّى باسيل تسديدها مباشرةً على الهدف.

إذاً، ينبئ الآتي بأنّ القتال سيدور بين المسيحيين في الانتخابات. وفيها سيستعملون، كالمعتاد، أسلحة محرَّمة. والدليل أنّ باسيل لم يتورَّع عن اتهام جعجع بأنّه كان ذات مرّة «أداة لإسرائيل أو أميركا، وتواطأ مع سوريا».

وعلى الأرجح، سيردّ «القواتيون» على «التيار» بأنّه أداة لإيران وسوريا، وأنّه تواطأ مع أميركا أيضاً قبل أن تفرض عليه العقوبات. وستكون المواجهة شرسة، ما دامت سوق المزايدات قد فتحت أبوابها مجاناً، وما دام القتال المسيحي يشكّل خدمة لكثيرين، ويسهِّل المهمَّة على «حزب الله».

لقد أفهمَ «الحزب» مَن يعنيه الأمر- وعون وباسيل أولاً- أنّ اللعب في الصحن الشيعي ممنوع. وفي الخلاصة، تبلّغ باسيل رسالةً مفادها: نحن معك قدر ما تشاء… ضدّ جعجع فقط، وضدّ السنَّة إذا لم يتعارض ذلك مع مصالحنا. ولكن، إياك أن تظنّ أننا سندعمك ضدّ بري. وحلفنا مع بري في انتخابات 2018 هو النموذج. له الأولوية، ومِن بعده يصبح كل أمرٍ قابل للنقاش.

ولذلك، وإذ سيجد باسيل نفسه عاجزاً عن خرق الجدار الشيعي، سينقضُّ بسهولة على خصومه في الوسط المسيحي. وبالتأكيد، سيستفيد بري من هذه اللعبة ليواجه باسيل في عقر داره المسيحي، وبالمسيحيين أيضاً، إلّا إذا ناشده «الحزب» عدم المساهمة في «كسر شوكة» باسيل أمام «القوات» وقوى17 تشرين.

فبالطبع، ليس في مصلحة «حزب الله» وبري وسائر قوى 8 آذار أن ينهزم «التيار» وفرنجية شعبياً، لأنّ ذلك يعني خسارة الثنائي الشيعي للمسيحيين، وأخذهم إلى مصاف المحور المقابل سياسياً. ولهذا الأمر تداعياته الخطرة وليس مسموحاً بحصوله. ولكن، في المقابل، لن يطوِّب الثنائي باسيل بطريركاً سياسياً على المسيحيين، يُصدِر فتاوى التحليل والتحريم، ويستشعر القوة من دونهما.

وعلى هذا الأساس، ستشهد الأيام الآتية «تخبيصاً» غير مسبوق في الصحن المسيحي، بحيث لا يُعرَف «مين مع مين»، و»يدِ مين في جيبِ مين!