أيتام ومسنو لبنان مهددون بفقدان السقف.. ومؤسسات الرعاية تواجه بـ”اللحم الحي”

جدران مؤسسات الرعاية الاجتماعية في لبنان تتضعضع بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية التي تضرب أساساتها، عدد كبير منها مهدد باغلاق أبوابه في حين لجأت معظم المؤسسات إلى ترشيد نفقاتها وتقليص خدماتها بهدف الاستمرارية، ومن يدفع الثمن هم الشريحة الأضعف في المجتمع، من أيتام ومسنين وذوي الاحتياجات الخاصة.

الاثنين، أكد وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني، هيكتور حجار، خلال جولة قام بها على عدد من الجمعيات ودور الرعاية أن “الوضع دقيق وخطير وعدد كبير من هذه المؤسسات مهدد بالإقفال”.




كلام حجار يعني، بحسب ما قالته رئيسة المجلس الوطني للخدمة الاجتماعية، نائبة المدير العام لدار الأيتام الإسلامية سلوى الزعتري لموقع “الحرة”، أن “مصير 50  ألف شخص ضبابي، كذلك حال 25 ألف موظف يعملون في 400 مؤسسة تقدم خدمات في مجال إيواء ورعاية وتأهيل وتعليم الأطفال الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن والعجزة والمدمنين، وتقوم بمهمة إنسانية نيابة عن الدولة، وذلك عبر عقود الشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية”.

أطلت الأزمة الاقتصادية برأسها على لبنان منذ عام 2019 وتعمّقت مع الأيام، وقد صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، حيث تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية لمستويات غير مسبوقة، في وقت يعجز فيه اللبنانيون عن سحب أموالهم من المصارف بسبب قيود ناتجة عن شح السيولة.

مواجهة “باللحم الحي”

مشكلات عدة تواجهها مؤسسات الرعاية، على رأسها كما قالت الزعتري “التعرفة المنخفضة التي لا تزال تعتمدها وزارة الشؤون الاجتماعية، والتي تعود إلى سنتي 1997 و2011، فالبدل اليومي الذي تأخذه المؤسسات عن كل طفل يتيم هو 6250 ليرة، 19 ألفا عن ذوي الاحتياجات الخاصة، والمبلغ نفسه عن المسن، وهي مبالغ زهيدة مع تدهور سعر صرف الليرة، وفوق ذلك  منذ سنة ونصف السنة لم يتم دفع مستحقات هذه المؤسسات”.

ولفتت الزعتري إلى أن “موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية لا تتجاوز الواحد في المئة من موازنة الدولة، لذلك مساهتمها فيما تتكلفه المؤسسات الرعائية لا تتجاوز العشرة بالمئة، في حين أن العقد بين الطرفين ينص على أنها تأخذ على عاتقها تغطية ثلثي النفقات”، مع العلم أن وزارة الشؤون الاجتماعية تتعاقد كما قال المدير العام للوزارة القاضي عبدالله أحمد لموقع “الحرة” “مع ما يقارب الـ250 مؤسسة ترعى الأطفال الفقراء، الأيتام، كبار السن، الأحداث، والنساء المعرضات للعنف، إضافة إلى مئة ومؤسستين ترعى ذوي الاحتياجات الإضافية.”

ومن الأمور التي أثقلت كاهل المؤسسات، كما قالت الزعتري” توقف الحركة الاقتصادية، وأزمة المصارف التي تقيّد قدرة المتبرعين على الحصول على أموالهم، وفوق ذلك يتم استثناء مؤسسات الرعاية من سقف السحوبات، حيث تجري معاملتها كما باقي الأفراد، كل ذلك أدى إلى تراجع مداخليها، حيث تواجه اليوم باللحم الحي، لتأمين احتياجات المستفيدين من هذه الرعاية، من تغذية وأدوية واستشفاء، إضافة إلى الخدمات التشغيلية من مازوت، الذي أصبح سعره يستنزف موازنات المؤسسات وكذلك الصيانة التي تدفع بالدولار”.

وعن تأثير جائحة كورونا على وضع المؤسسات الاجتماعية، شرحت الزعتري: “زادت الأعباء خلال انتشار الفيروس نتيجة التدابير الوقائية وكلفة مواد التعقيم التي تحتاجها هذه المؤسسات لضمان بيئة صحية، مع العلم أن وزارة الصحة أدرجت ذوي الاحتياجات الخاصة في مرحلة متأخرة ضمن برنامج اللقاحات”.

كلام الزعتري أكده أحمد الذي اعتبر أن معاناة مؤسسات الرعاية كبيرة، شارحاً “بدل التكاليف الذي يدفع لها ضئيل، المصارف تستحوذ على الأموال التي كانت تصلها من الخارج والتبرعات التي تعطى لها من الداخل، حيث يحدد سقف السحوبات بثماني ملايين ليرة شهرياً، وفوق كل هذا وزارة المالية لا تدفع لها مستحقاتها”.

تحدي الصمود

بأعجوبة تتمكن مؤسسة “الكفاءات”، وهي من كبرى مؤسسات الرعاية الاجتماعية في لبنان، من الاستمرار في ظل الأوضاع الصعبة التي تواجهها، وقبل ثلاث سنوات اضطرت، كما قال رئيسها ومديرها العام الشيف رمزي نديم شويري، إلى “إغلاق المركز التأهيلي في الحدث لعدم قدرتها على مواجهة الأعباء المالية”.

كما أغلقت المؤسسة، بحسب الشويري “أقسام المنامة المخصصة لـ500 شخص في مراكزها التأهيلية، بسبب جائحة كورونا والوضع المالي الصعب، والمراكز التي لا تزال تفتح أبوابها تقوم بذلك لبضع ساعات فقط، لا بل حتى الأهل يواجهون مشكلة إيصال أولادهم بسبب ارتفاع تكلفة النقل”، وشرح ” لدينا 10 مراكز موزعة في لبنان، يستفيد منها 850 شخصاً من ذوي الاحتياجات الخاصة والاعاقات الصعبة، إضافة إلى ما يقارب الـ 250 شخصاً من  ذوي الاحتياجات الخاصة يتلقون التعليم في مراكزنا”.

أما المركز الوحيد الذي لا يمكن إغلاقه، كما قال الشويري هو “مركز الرعاية الدائمة، الذي يخدم بين 40 إلى 50 طفلاً وشاباً وشابة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك كون لا أهل لديهم أو بسبب مشكلات عائلية يعانونها، وذلك على الرغم مما نعانيه من تأخر في دفع مستحقاتنا من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، التي لا تزال تحتسب التعرفة التي تم تحديدها سنة 2011، هذا عدا عن ارتفاع سعر المازوت والأدوية والاستشفاء وغيرها الكثير”.

ولا يختلف المشهد  في “دار الرعاية الماروني”، والذي وصفه المدير التنفيذي مالك مارون بأنه ضاغط، محذرا من الانهيار الوشيك، إذ قال لموقع “الحرة” ” نحن في مرحلة التحدي للصمود وهي مرحلة ليست سهلة، نشكر الله أننا لا زلنا نستطيع تقديم خدمات المسن، ولولا تقديمات الخيرين لأغلقنا منذ زمن”.

“تضم الدار 85 مسناً، مع العلم أن أغلبية المسنين الموجودين في مراكز الرعاية لا يوجد من يسأل عنهم، حيث يتم تسجيلهم على نفقة وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية”، قال مارون، مضيفاً “الكلفة التشغيلية كبيرة مقارنة مع مساهمة الدولة، وزارة الصحة كانت تساهم بـ26 ألف ليرة للمسن في اليوم، ورفعت التعرفة إلى 52 ألف ليرة في حين لا تزال وزارة الشؤون الاجتماعية تساهم بـ17500 ليرة، لكن تبقى مساهمة منخفضة جداً مقارنة بالتكلفة اليومية لكل مسن من طعام وغسيل ومازوت عدا عن رواتب الموظفين وبدل النقل”.

ابتكار أسلحة المواجهة

نسبة الهبات والتبرعات التي تتلقاها “دار العجزة الإسلامية” انخفضت بشكل كبير، مقارنة بالسنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية، وذلك لأسباب عدة، على رأسها كما قال مدير العلاقات العامة في الدار جلال شبارو لموقع “الحرة” “عدم قدرة المتبرعين على سحب أموالهم من المصارف، وتوقف ارسال الأموال من الدول الخليجية بناء على قرارات صدرت بذلك” لافتاً إلى أن “وزارة الصحة لا تدفع المستحقات المترتبة عليها لسنتي 2019 و2020 بسبب الظروف الصعبة التي يمر بها البلد”.

وتضم الدار نحو 430 شخصاً بين مسن ومريض عقلي، يحتاجون، بحسب شبارو، إلى ” 1220 حفاض و1200 وجبة طعام يومياً عدا عن تكاليف الغسيل، وثمن المازوت للمولدات التي لا تنطفئ كون هناك مرضى يتنفسون بواسطة آلات الأوكسيجين على مدار الساعة”.

وعن نوعية الطعام، وفيما إن اختلفت مع ارتفاع الأسعار، علّق “نحاول قدر المستطاع ألا يشعر النزلاء بالأزمة التي تعصف بالبلد، إلا أننا اضطررنا إلى تخفيض كمية اللحوم قليلاً عن الكمية المعتادة في السابق لكن لا يمكننا الغائها، فالمسن يحتاج إلى البروتينات، وإلا سنضطر لاستبدالها بالفيتامينات وهي أغلى ثمناً”.

وبالفعل تحدث موقع “الحرة” مع مسنين كانا يجلسان في باحة الدار يتبادلان أطراف الحديث، هما (س،ب) الذي وجد نفسه قبل 4 سنوات من دون سقف يأويه بعد انفصاله عن زوجته على الرغم من أن لديه ثلاثة أبناء، وكذلك (ع، ج) الذي وجد في الدار ملجأ له قبل 5 سنوات حيث لا زوجة ولا أبناء لديه، فقد عبرا عن تلقيهما كل ما يحتاجانهما من طعام ودواء ولباس، مبرران لأقاربهما ظروفهما، التي تحول دون إمكانية إكمالهما حياتهما لدى أحد منهم.

لا يشعر المسنان بالأزمات التي تعصف بالبلد، في وقت تعمل فيه مؤسسات الرعاية كل ما في وسعها لمواجهة الوضع، حيث “وضعت بعض المؤسسات خططاً لترشيد الإنفاق، في حين أوقف بعضها الآخر خدمات محددة، خاصة تلك المتعلقة بالرعاية الداخلية”، بحسب ما قالته الزعتري، وأكده شبارو بالقول” ابتكرت الدار حلاً يساهم في تأمين مدخول إضافي من خلال الحالات المدفوعة شارحاً “منذ سبعين سنة ونحن نستقبل المسنين والمرضى العقليين مجاناً، حيث فتحنا أبوابنا لحوالي ثمانين ألف شخص، لكن الآن اضطررنا لأخذ بدل مالي من المقتدرين يتراوح بين 600 إلى 900 دولار أميركي”.

مؤسسات الرعاية الاجتماعية ليست قطاعاً إنتاجياً، واستمرارها، كما قالت الزعتري، يعود إلى الهبات والتبرعات التي تتلقاها من الأفراد وليس الدول، وعن مطالب هذه المؤسسات أجابت “اعادة النظر بسعر الكلفة، لا سيما أن وزير الشؤون الاجتماعية أطلعنا أنه وقّع على تعرفة بدل الخدمات التي حددت سنة 2012، كما وعدنا بتشكيل لجنة لوضع سعر كلفة جديد يتماشى مع متغيرات سعر صرف الدولار وما نحن قادمون عليه من رفع للأجور وبدلات النقل وغيرها”.

وطالبت الزعتري وزارة الصحة بتحمل مسؤوليتها متسائلة “لماذا لا يستفيد ذوو الاحتياجات الخاصة من حاملي بطاقة معوّق من القانون 220/2000 للعلاج والاستشفاء مجاناً”؟

الحلقة الأضعف

المبلغ المرصود لوزارة الشؤون الاجتماعية الخاص بالمؤسسات الاجتماعية هو 180 مليار ليرة سنوياً، كما قال أحمد وهو “لا يكفي لرعاية 20 ألف طفل، في وقت يحتاج نحو 50 ألف شخص بين طفل ومسن وذوي احتياجات إضافية إلى رعاية، كما يوجد أكثر من مئة ألف طفل يعانون من صعوبات تعليمية، من هنا المطلوب أكثر من ضعف المبلغ لتلبية الاحتياجات التي كنا نلبيها، في وقت تتوسع فيه شريحة الفقراء والمعدومين وذوي الاحتياجات الاضافية”.

الظروف الصعبة التي تمر بها هذه المؤسسات حرمت، كما قال أحمد “حوالي 10 آلاف شخص ممن هم داخل المؤسسات من التدريب والتأهيل والخدمات المتخصصة”، أما أكثر من يتأثر بهذا الوضع فهم “شريحتا الأطفال وكبار السن، هؤلاء يحتاجون إلى عناية خاصة من قبل الدولة والمجتمع الدولي، سواء رعاية صحية أولية أو استشفاء، تعليم، تربية وخدمات متخصصة”.

وتفعل وزارة الشؤون الاجتماعية، كما قال أحمد، كل ما في وسعها لايجاد حلول سريعة تخفف من الأعباء الضاغطة على مؤسسات الرعاية، مشدداً “لا بد من مضاعفة المبلغ المرصود لموازنة الوزارة لتلبية احتياجات هذه المؤسسات، والتوصل إلى حل مع وزارة المالية والمصارف لدفع أموالها”.

وكان  حجار أكد خلال جولته على مؤسسات الرعاية أنه أقرّ زيادة الكلفة بمعدل حوالي 3 مرات إضافية عن السنوات الماضية، ورفعها الى وزارة المال على أن تصدق في مجلس الوزراء، لكن على الرغم من هذه الزيادة، أكد حجار أن “بعض هذه المؤسسات لن يتمكن من المضي قدماً بتقديم خدماته من دون دعم إضافي، لذلك نعمل مع المؤسسات الدولية على تأمين الدعم المباشر لها من خلال المواد الإستهلاكية كالمازوت ومواد التنظيف، بالإضافة إلى تأمين المياه والدعم المادي لفرق العمل في هذه المؤسسات”.

حيث لا ينفع الندم

تلعب مؤسسات الرعاية، بحسب أحمد: “جزء من دور الدولة والأهل والمجتمع”، معتبراً أن “إقفالها يعني أننا سنواجه مشكلة متعددة الأبعاد، إذ يكفي أن نشير إلى أن أعداد الأطفال في الشارع ستزيد بنسبة كبيرة”، وهو ما شددت عليه الزعتري بالقول “عندما لا تستطيع مؤسسات الرعاية القيام بواجبها تجاه من ترعاهم، لاسيما الأطفال الأيتام، يعني ذلك أن مصيرهم الشارع، وبالتالي الانحراف، لذلك هي تقاوم وتناضل كي لا تنهار لمتابعة مسيرتها وعدم اضطرارها إلى الاقفال أو تعليق وتقليص الخدمات”.

ولكي لا تواجه هذه المؤسسات السيناريو الأسوأ، ناشد مارون كل الوزارات، ومن يهمهم الأمر، الوقوف إلى جانبها كون لا يمكنها الاستمرار على هذا النحو، وقال “إذا كان من الصعب اجتماع مجلس الوزراء لايجاد الحلول، فعلى الأقل تأمين المازوت والكهرباء والحفاضات، والأدوية والاستشفاء في المستشفيات الحكومية بتغطية مئة بالمئة”، داعياً إلى التفاتة سريعة لهذه المؤسسات على اعتبار أنه “لا ينفع الندم، حين يصل المسنون الى الطرق ويخسرون الرعاية”.

أما الشويري فلا يعلم إلى متى يمكنهم الاستمرار في ظل هذا الوضع، وقال “أغلبية الأطفال والشباب والشابات من ذوي الاحتياجات الخاصة في منازلهم، وإلى الآن لا زلنا نواجه الوضع الصعب من خلال التبرعات والهبات”، في حين تعيش “دار العجزة الإسلامية” كما وصف شبارو “كل يوم بيومه وهنا الخطورة، الوضع صعب ومع ذلك سنبقى متفائلين ومتكلين على الخيرين الذين من دونهم لا يمكننا الاستمرار”.





الحرة