وسام سعادة - القدس العربي

فنتازيا الصراع المسيحي على الثنائي الشيعي – وسام سعادة – القدس العربي

كان وقت احتدمت فيه المواجهة بين اتجاهين مسيحيين في لبنان. أحدهما يروّج لتحالفه مع التيار الأكبر في الطائفة السنية، وفي إطار ائتلاف 14 آذار المتشكّل لطي صفحة الوصاية السورية ثم التكتل في مواجهة «حزب الله». والثاني، يقوده ميشال عون، يروّج للتفاهم، ثم التحالف، مع «حزب الله» نفسه، الحزب الجماهيري المسلّح الأقوى ضمن الطائفة الشيعية. هذا بعد أن كان عون ينسب لنفسه صدور القرار 1559 الذي ينص في بنده الثالث على حل جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها. على هذا الأساس خيضت انتخابات 2009.
فريق مسيحي يواجه خصمه في الطائفة بدعوى أن حليفه المسلم أفضل من الحليف المسلم لغريمه المسيحي. أفضل للبلد وأفضل للمسيحيين بشكل أساسي.
تداخلت هنا اعتبارات شتى.
فالتحالف المسيحي السني سوّغ لنفسه بأنه تتمة لما كان بدأ مع ميثاق الاستقلال 1943، وأنّه تكريس لمعادلة نهائية الكيان في مقابل عروبة هويته وانتمائه المقرّة في اتفاق الطائف والمتكاملة مع المناصفة التمثيلية بين المسيحيين جملة والمسلمين جملة.
لسان حال هذا الفريق كان يقول بشكل أو بآخر أن حليفه المسلم استكمل الانضواء في الفكرة اللبنانية، ولا سلاح له ولا سلاح يؤمن به خارج منظومة الدولة، وهو معتدل ومنفتح على الغرب وهذا نعم المطلوب، مثلما أن الهوى الغربي تكامل تاريخياً في لبنان مع انحياز للنظم المحافظة العربية الميالة إلى الغرب أيام الحرب الباردة. وما دام «تيار المستقبل» كان يمثل آنذاك القوة الأكثر موالاة للرياض فليس هناك أدنى تردد في تفضيله، هو والزعامة الدرزية الجنبلاطية، على الحزب الخمينيّ الراديكالي الذي عنده مشكلة عميقة مع الغرب الثقافي وليس فقط مع السياسات الغربية في المنطقة، وبالتالي، عنده مشكلة مع الموارنة.
في الوقت نفسه كان مسيحيو 14 آذار مدركين، وهم يدافعون عن مرجعية اتفاق الطائف أن هذا الاتفاق لم يكن له رصيد من المقبولية عند المسيحيين عموماً. وثمة اعتقاد رائج بينهم أنه اتفاق ينزع صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني لينيطها برئيس الحكومة السني.
لكن مسيحيي 14 آذار اختاروا الدفاع مع ذلك عن اتفاق الطائف إما بدعوى أنه لم يُطبّق بشكل صحيح وإما بدعوى أنه فتح باب التداول في الميثاق والصيغة والدستور في ظل استشراء معادلة سلاح الحزب الخميني المتغلّب فيه انزلاق إلى ما يبيته أو يعدّ له هذا السلاح.
في الوقت نفسه، اعتمدت 14 آذار قراءة لاتفاق الطائف تقول بمركزية مفهوم المناصفة الإسلامية المسيحية فيه، على حساب الكيفية التي قدّم بها الطائف نفسه على أنه يؤسس لمرحلة انتقالية متطلعة لإلغاء الطائفية السياسية.
مثّل ميشال عون في المقابل حالة استمدت مشروعية مزمنة بين المسيحيين من رفضها لاتفاق الطائف. حيث ظهر بالفعل بالنسبة إلى المسيحيين مطلع التسعينيات أن الطائف يميّع إلحاحية جلاء الجيش السوري عن لبنان ويكتفي بالنص على اعادة انتشار هذا الجيش باتجاه شرق لبنان (البقاع) بعد عامين على اندراج إصلاحات الطائف في متن الدستور نفسه، بل إن الطائف مهّد بهذا التمييع السبيل لتنصل دمشق من إعادة الانتشار هذه.
كذلك، لم يقتنع القسم الأكبر من المسيحيين بأن المسافة بين الطائف وبين سوء تطبيقه هي مسافة مطلقة، وأعادوا ما رأوه من ظهور الترويكا الرئاسية المهمّشة للمؤسسات الدستورية والتي تأكل من مكانة رئاسة الجمهورية في آن، إلى خطايا أصلية يتضمنها الطائف في نصّه.
ولما كان الإعتدال السني غير راغب في وصول الحالة الأقوى شعبياً بين المسيحيين إلى الموقع الأول للمسيحيين في الدولة، اعتبرت هذه الحالة أن هذا المحل هو فيصل التفرقة بين الأنسب للمسيحيين وبين من يصدّ «حقوقهم» عنهم. ثم انتشرت في جوار هذا الجذع مجموعة من الاستطابات للتحالف بين المسيحيين وبين حزب ينادي بولاية الفقيه والثورة الإسلامية المستدامة.

انتقلنا من انقسام مسيحي بين حليف السنة وبين حليف الشيعة إلى انقسام مسيحي بين «عدو حزب الله» وبين «عدو نبيه بري» في الوقت الذي يدرك فيه الحزب جيدا أن هذا الثنائي الذي يقيمه مع نبيه بري هو المكمّل الأول لغريزة البقاء لديه




فتارة يجري التذكير بالعمق الفلاحي المشترك للموارنة والشيعة، وتارة بالمعاناة المشتركة أيام المماليك والعثمانيين، أي «الحكم السني المديد».
ومن هذا الباب يرد أيضاً موال «تحالف الأقليات» والهاجس الديموغرافي المشترك بإزاء توطين الفلسطينيين.
وحين يحتاج الأمر لمسحة دينية إضافية يجري الإدغام بين آلام المسيح وبين مصاب الحسين وآل البيت، وهو ما لا طاقة عند أنصار المحالفة المسيحية السنية لمجاراته.
وإذا كانت حجة المحالفة الأخيرة الانضواء في مفهوم الدولة ومرجعيتها في تقرير الحرب والسلم، فقد قامت المرافعة المسيحية المؤيدة للتحالف مع «حزب الله» على أن تطوير الأخير لنسق مواز للدولة يظلّ أخف وطأة من افتراس الدولة نفسها، في ظل الطائف والوصاية السورية، من قبل الحريرية بشكل أساسي.
لم تكن الحريروفوبيا وحدها هي التي زكّت منطق التحالف المسيحي مع الخمينيين، بل الفوبيا من «حزب الله» نفسه أيضاً. فتفاهم مار مخايل مع الحزب سوّق له بين المسيحيين أنه حماهم سواء بسواء من مغبة التصادم غير المدروس مع هذا الحزب ومن ممكنات هذا السلاح أيضاً. أي حماهم من تمدد منطق 7 أيار 2008 في اتجاه المناطق المسيحية، بل أقام علاقات حسن جوار.
بنتيجة اتساع رقعة التفاوت بين ما لحزب الله من قوة وبين ما أخذ يستفحل في التيار الحريري من ضعف، وصلت هذه المزاحمة بين سرديتي التحالف المسيحي مع السنة أفضل وبين التحالف المسيحي مع الشيعة أفضل إلى مآلها الختامي عام 2013. كان ذلك عندما كان بامكان حزب الله أن يلاقي التفاهم المسيحي على مشروع قانون الانتخاب الذي طرح يومها والذي ينص على أن تنتخب كل طائفة نوابها وبالتالي أن تجيء المناصفة التمثيلية المسيحية الإسلامية كاملة رغم التفاوت العددي بين المسلمين وبين المسيحيين. هذا في مقابل رفض سعد الحريري ونبيه بري لهذا المشروع. حينها لم يعد بمستطاع الحليف المسيحي حتى ذلك الوقت لتيار المستقبل أن يقول إن تحالفه هذا أفضل للمسيحيين لجهة تصحيح وضعهم التمثيلي. وفي المقابل أخذ الحليف المسيحي لحزب الله يباهي بوفاء حليفه له الممتد من قانون الانتخاب إلى الاسناد الواضح لميشال عون في معركة ايصاله لرئاسة الجمهورية ولو استوجب الأمر عامين ونصف العام من شغور الرئاسة، وهو شغور انتهى على نحو مضحك مبكي بالنسبة الى سمير جعجع وسعد الحريري، فكل منهما أقنع نفسه بأن اهتداءه لتسمية عون رئيساً من بعد طول رفض ستجعل عون أقل تشبيكاً مع الحزب الخميني.
وحده نبيه بري لم يقتنع بعون فتعززت دوامة أن كلا من عون وبري حليفان للحزب، والحزب يحتاج بشكل أساسي لكل منهما، وليس بمستطاعه الاستغناء عن أحدهما، وإلا سيخاطر بتقويض نزعته التغلبية بنفسه.
وفي الوقت نفسه ليس بمستطاع الحزب التوفيق بين حليفيه، ولا الحؤول دون استفحال هذا الشقاق، خاصة وأن هذه العداوة بين عون وبري باتت حيوية لكل من هذين الطرفين، وبمثابة تبرير وجودي على المسرح السياسي لكل منهما.
هكذا انتقلنا إلى معادلة جديدة. فلم نعد كما في العام 2009 في زحمة تنافس بين مسيحي يفتي بالتحالف مع الاعتدال السني الضنين على الاعتدال اللبناني المناسب للمسيحيين، في مقابل مسيحي يفاخر بالتحالف مع الشيعي القوي الضنين على حقوق «المسيحي القوي».
بتنا أمام مشهد مختلف، فيه طرف مسيحي يخوض الانتخابات، على صعيد الشعار، ضد «حزب الله» بالدرجة الأولى. يقابله طرف مسيحي يخوض الانتخابات، على صعيد التوتير، ضد نبيه بري، رئيس المجلس النيابي منذ ثلاثين عاما، وأحد طرفي الثنائي الشيعي الذي يحالف هذا المسيحي فيه طرفه الآخر، «حزب الله» ويعتب على حليفه هذا لأنه لم يتخل عن شريكه في طائفته، بري وحركة أمل. ما الذي ينبغي للحزب أن يقوم به حيال نبيه بري كي يرضى عنه العونيون؟ فرط التحالف الانتخابي معه؟ حمله على التمديد لعون وهو الذي لم ينتخبه أول مرة؟ تسهيله للمهمة «المستحيلة» المتمثلة بايصال جبران باسيل للرئاسة؟ مشهد خرافي. فانتازيا الصراع المسيحي على الثنائي الشيعي.
انتقلنا فيه من انقسام مسيحي بين حليف السنة وبين حليف الشيعة إلى انقسام مسيحي بين «عدو حزب الله» وبين «عدو نبيه بري» في الوقت الذي يدرك فيه الحزب جيدا أن هذا الثنائي الذي يقيمه مع نبيه بري هو المكمّل الأول لغريزة البقاء لديه، ولا يمكن بأية حال التعامل معه كما لو كان من نوع الثنائي الذي جمع لسنوات عبد الملك الحوثي بعلي عبد الله صالح.