تفاقم الأزمة المعيشية يدفع آلاف اللبنانيين لهجرة المدن إلى القرى والأرياف

دفعت الأزمة الاقتصادية وانهيار الأوضاع المعيشية في لبنان، آلاف المواطنين لهجرة المدن والعودة إلى الأرياف والقرى التي هجروا منها خلال العقود السابقة، بحثا عن فرص عمل أو هربا من القصف الإسرائيلي الذي كان يستهدف قرى وبلدات جنوب لبنان والبقاع الغربي لسنوات طويلة.
وارتفعت أعداد اللبنانيين الذين هجروا المدن إلى القرى والأرياف خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد أن تفاقمت الأزمات المعيشية وفقدت الليرة اللبنانية قيمتها الشرائية، بالإضافة إلى غلاء الأسعار وانقطاع الكهرباء وفقدان الأدوية ووقود السيارات من الأسواق.
وتشير التقارير إلى أن إغلاق مئات المؤسسات الإنتاجية والشركات التجارية في مختلف المدن اللبنانية، أدى إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، ما دفع عددا كبيرا من المواطنين مع عائلاتهم للعودة إلى القرى.
وإذا كان سبب هجرة الشعب اللبناني من القرى إلى المدن خلال سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، هو البحث عن فرص عمل، فإن الأزمة المعيشية الأخيرة والتي تفاقمت خلال الأشهر القليلة الماضية، دفعتهم للهجرة الداخلية من المدينة إلى القرية.
ويعاني لبنان منذ العام 2019 من أزمات سياسية ومالية واقتصادية وصحية ومن تدهور معيشي متصاعد وانهيار قيمة العملة الوطنية وتآكل المداخيل المدخرات إضافة إلى تصاعد البطالة والفقر وتراجع قدرات الناس الشرائية مع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.
وإذا كان 74 في المئة من اللبنانيين يعانون من الفقر استناداً إلى التقرير الأخير للأمم المتحدة، فإن المؤشر الاجتماعي الاقتصادي الرئيسي لنزوح اللبنانيين من المدينة إلى الريف أظهر أن مستوى العيش في العاصمة بيروت هو دائماً 30 في المئة أعلى مما هو في القرى.
وفي السياق، أشارت تقديرات وزارة العمل اللبنانية بالتعاون مع منظمة العمل الدولية إلى أن معدلات البطالة في لبنان ارتفعت من 11.3 في المئة في عام 2018 إلى 18.5 في المئة في عام 2019 ثم قفزت إلى 36.9 في المئة في عام 2020 وستبلغ 41.4 في المئة مع نهاية العام الحالي 2021 وكذلك في ظل غياب أي حلول إجرائية سريعة وجدية، لمواجهة الأزمة الاقتصادية المتسارعة في التضخم، ارتفع معدل الفقر في لبنان إلى أكثر من 50 في المئة.
كما أوضحت إحصاءات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في بيروت، أنه منذ مطلع العام 2020 ولغاية النصف الثاني من 2021 خرج من سوق العمل 40 ألف عامل، وأن هذا الرقم مرشح للارتفاع.
استنادا على هذه الإحصائيات، خَلصت «الدولية للمعلومات» اللبنانية في بيروت إلى أن نسبة العائدين إلى القرى ومناطق الأرياف تتراوح ما بين 5 و7 في المئة من السكان في تلك القرى.
وقدرت عددَ المقيمين في القرى والأرياف بنسبة 25 في المئة من اللبنانيين أي نحو 1.1 مليون لبناني، واستنتجت أن عددَ العائدين يراوح ما بين 55 و77 ألف فرد.

النزوح العكسي




وكانت «الدولية للمعلومات» وهي شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية مستقلة، قد أعلنت في دراسة أعدتها حول «الهجرة العكسية من المدينة إلى الريف» إلى عدم وجود رقم دقيق للعائدين من المدن إلى الأرياف، فيما باتَ ما يعرف بـ«النزوح العكسي» موضحة أنه من الممكن رَصد ذلك من خلال عينات في عشرات القرى.
ولفتت الدراسة إلى أن هذه الأعداد مرشحة للزيادة مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وتَفشي البطالة وارتفاع كلفة المعيشة في المدن مقارنة بالقرى والأرياف.
وفي تفسيرها لظاهرة «النزوح العكسي» في لبنان، جاء في دراسة «الدولية للمعلومات» أن «الأزمة الاقتصادية وما سببَته من بطالة وإغلاق للمؤسسات وتراجع للخدمات العامة بدلت اتجاه النزوح من الأرياف إلى المدن، ودفعت ببضعة آلاف من الأسر للعودة إلى قراها، ولا سيما الأفراد الذين فقدوا عملهم».
واعتبرت الدراسة أنه في القرى قد يتوفر السكن العائلي المجاني أو سكن بكلفة أدنى من المدن، كما قد تتوفر فرص عمل في مجالات الصناعات البسيطة أو الزراعة أو البيع في محال صغيرة، مع إمكانية الحصول على بعض المواد الغذائية بكلفة أدنى.
وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث محمد شمس الدين، أنّ لبنان شهد، تاريخياً، نزوحاً من الريف إلى العاصمة والمدن الكبرى حيث تتوافر الخدمات وفرص العمل التي تكون غالباً غير موجودة في القرى والأرياف، إلّا أنّ الذي حصل منذ بداية الأزمة الراهنة التي يشهدها لبنان، وتحديداً منذ بداية السنة الماضية، في ظلّ الأزمات الاقتصادية وانعدام فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، هو أنّ لبنان بدأ يشهد هجرة عكسية من المدن والعاصمة في اتجاه القرى والأرياف.
ويتوقع الباحث شمس الدين، في حال استمرار الأزمة الاقتصادية وتفاقمها أكثر، أن ترتفع نسبة النازحين من المدن الى الأرياف في الأشهر المقبلة، بعد أن أصبح هذا النزوح العكسي ظاهرةً كبيرة.
ويوضح أنّ فرص العمل على رغم أنّها غير متوافرة في هذه القرى، إلّا أنّ تكاليف المعيشة فيها أرخص، حيث يتوافر المسكن ولا داعي لاستئجار منزل، كذلك إنّ المياه والكهرباء والتعليم وغيرها من الخدمات متوافرة في القرى.
ويحدّد شمس الدين، عاملين مؤثرين على النزوح من الريف إلى المدن وباتا غير متوافرين الآن، كالآتي:
-السبب الأساسي فرص العمل، فيما إنّ البطالة الآن باتت متساوية بين المدينة والريف، وهذا العامل حدّ من النزوح من الريف في اتجاه المدينة.
-دخول عامل ثاني إيجابي متوافر في الريف، أدى إلى النزوح العكسي، وهو أنّ تكاليف الحياة في المدينة أغلى من تلك في القرى، حيث أنّ المواطن يمتلك مسكناً في قريته أو أنّ كلفة استئجار منزل في القرية أقل بنحو 50 في المئة من كلفة الإيجارات في المدينة.

شبح البطالة

وفي استطلاع لآراء اللبنانيين الذين هجروا المدينة باتجاه القرية، تبين أن هجرتهم كانت إما بسبب فقدان عملهم وإما نتيجة الصعوبة التي وصلت إليها طبيعة الحياة في المدينة.
حسين فوعاني (36 عاما) كان يعمل في محاسبا في شركة استيراد وتصدير، أغلقت الشركة أبوابها بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020 وتفاقم الأزمة الاقتصادية وقامت بصرف موظفيها.
ومنذ صرفه من عمله، بذل فوعاني جهودا مضنية لإيجاد فرصة عمل أخرى، وبعد أن عجز عن إيجاد عمل له غادر بيروت وتوجه للإقامة في قرية علي النهري في البقاع التي غادرها قبل عشرة أعوام، وقال لـ«القدس العربي»: «عدت إلى قريتي ومنزل أهلي، هربا من شبح البطالة وتردي الوضع المعيشي وتكاليف الحياة وصعوبتها في العاصمة بيروت».
وأضاف، «منذ آب/اغسطس 2020 أبحث عن فرصة عمل في بيروت، لأتمكن من تأمين لقمة عيش لأطفالي، ولم أجد عملا، وبعد انقطاع الكهرباء والأدوية ووقود السيارات والارتفاع الجنوني بأسعار المواد الغذائية، كما أن أعباء السكن في المدن وخاصة في بيروت لم تعد تطاق، ولم يبق لنا العيش إلا في القرى والجبال مع النباتات والحيوانات الأليفة. أما العيش في المدن فقد أصبح صعبا بسبب تراجع الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي والنقص الحاد في المياه والمحروقات وارتفاع كلفة المعيشة والحاجيات الغذائية».
وردا على سؤال «ماذا ستعمل لتأمين تكاليف الحياة ولقمة عيش الأطفال في القرية؟» أجاب «سأعمل في زراعة الخضار وتربية المواشي والطيور».
أما إيلي لبس (43 عاما) فكان يعمل موظفا في أحد المصارف اللبنانية في مدينة صيدا، أجبرته ظروف الحياة على العودة إلى قريته، بعد أن أقفل المصرف أبوابه وطرد الموظفين، أصبح لبس عاطلا عن العمل، ولم يعد في مقدوره تحمل تكاليف العيش في المدينة بعد أن ارتفعت الأسعار وتفاقمت الظروف الحياتية, يشرح لبس ظروفه القاسية كما وصفها لـ«القدس العربي» قائلا: «عدت مع عائلتي إلى قرية العدوسية التي ولدت فيها وغادرتها قبل أكثر من 10 سنوات لأكون قريبا من مكان عملي في مدينة صيدا، عدت إلى القرية بعدما ضاقت بنا الحياة في المدينة، خصوصا وأن القرية بيئة مناسبة وفيها حياة بسيطة، وفيها الأهل والأقارب وأيضا تكاليف الحياة فيها ليست مرتفعة كما في المدينة».
واعتبر أنه في المناطق الريفية يمكن تحصيل القوت من العمل في الزراعة ورعاية الماشية وتربية الدواجن.
وختم قائلا، في القرى تكثر خيرات الأرض من النباتات الغذائية، كما أنه يمكن الاستغناء عن الغاز المنزلي بموقد الحطب وعن خبز الأفران بخبز الصاج. مشيرا إلى أن السكن في الريف أفضل من السكن في المدن حيث تتوفر الراحة النفسية والهواء الطلق والتقارب الاجتماعي.

الشعارات الطائفية

وفي السياق، رأى أستاذ مادة العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الدكتور أحمد جمعة، أن ثمة أسبابا تعطي الأفضلية للحياة القروية في لبنان، ولاسيما في ظل انهيار اقتصادي واسع أدى إلى بطالة بنسبة 50 في المئة من القوى العاملة وتعطل توظيف المتخرجين، وارتفاع كلفة السكن في المدينة وما يتبعها من أزمات في توافر الطاقة والمحروقات.
وقال الدكتور جمعة لـ«القدس العربي» في ظل تراجع المداخيل، تصبح الحياة في القرية أفضل، مشيراً إلى أن كلفة الإقامة في المدن الكبرى للعائلة تبلغ بالحد الأدنى من 10 إلى 12 مليون ليرة شهرياً موزعة على ربع المبلغ للطاقة، وربع ثان للنقليات والنصف الثاني المتبقي يوزع على الصحة والغذاء والمأكل والمشرب ودفع أقساط المدارس.
وأضاف أن المعيشة في الريف أقل تكلفة منها في المدينة بنسبة من 30 إلى 40 في المئة، واعتبر أن ظاهرة الهجرة المضادة من المدينة إلى القرية، ربما كانت في طريقها إلى التفاقم مستقبلا في لبنان.
ويقول أحمد منصور وهو رب عائلة «عدت وعائلتي إلى قرية حلبا شمال لبنان، بعد أن أصبحت تكاليف الحياة لا تطاق، ولم يعد بمقدوري تأمين حياة كريمة لعائلتي».
عائلة منصور كانت تسكن في بيروت، وبعودتها إلى القرية تمكنت من توفير بدل النقل فضلاً عن كلفة المعيشة حيث أنّ كثيرا من المواد الاستهلاكية كلفتها أقل في القرية. ويشير منصور لـ«القدس العربي» إلى أنّ الحياة في القرى والأرياف أسهل، مادياً ونفسياً وصحياً، وأفضل من السكن في بيروت. وقال، في القرية والريف، يمكن زراعة الأرض، ويمكن للأولاد التعرف إلى عالم الطبيعة، أمّا بالنسبة إلى المصروف الشهري، فيشير منصور الى أنّه انخفض إلى النصف، وتابع القول «أقوم بكل حيوية ونشاط إلى العمل في التربة وزراعة الخيار والملفوف والبندورة والفيلفلة والزعتر. كل يوم اتأمل الشتول ونموها وأسقيها بدلال، وأنتظر قطف ثمارها».
ويشرح عن وجود سبب مختلف لقرارات هروب الناس إلى الريف، وهو «ظهور الشعارات الطائفية والهتافات ذات الطابع الطائفي التي تدفع الناس، وإنْ لا شعورياً، إلى العودة لتأمين نوع من الحماية في إطار الاحتماء بالعصب الطائفي، مثل السكن، أو في مناطق متجانسة، ما يوفّر لهم حماية أمنية نوعاً ما».
أسباب كثيرة دفعت آلاف اللبنانيين وعائلاتهم لمغادرة المدن إلى القرى والأرياف، وكان من أبرز هذه الدوافع، الانهيار المعيشي العام وتصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد في ظل القلق والهلع الذي بدأ يسيطر على معظم اللبنانيين من المستقبل الذي يرونه قاتما.