معركة باسيل لوراثة عون… مناجاة “حزب الله”

ابراهيم حيدر – النهار

تولّى #جبران باسيل مهمة ضبط السجال مع “#حزب الله”، كي لا يؤخذ تصعيد رئيس الجمهورية #ميشال عون في كلمته الأخيرة للبنانيين، عنوان قطيعة بين الطرفين. تجنّب رئيس التيار الوطني الحر أيضاً توجيه اتهامات مباشرة إلى الحزب، رافعاً من أهمية التغطية المفصلية التي وفرها التيار ورئيس الجمهورية لمشاريع “حزب الله” وتدخلاته في المنطقة ومواجهته للحصار الأميركي الذي فُرض عليه، تحت عنوان أن تفاهم مار مخايل هو لحماية السلم الاهلي والشراكة، من دون أن ينفي أن الحزب دعمه في موقعه ودوره على المستوى الوطني. وبصرف النظر عن الرسائل التي وجهها باسيل حول التحالف من أن الاتفاق لم يعد صالحاً اليوم وبحاجة إلى تطوير، إلا أن المعنى السياسي لكلامه له وظيفة أخرى، تتعلق بوضع التيار الوطني الحر في الساحة المسيحية أولاً وايضاً على مستوى لبنان ويحاكي الاستحقاقات المقبلة لا سيما الانتخابات النيابية وأيضاً الرئاسية.




ليست هناك وجهة عونية للتصعيد ضد “حزب الله”. المهمة التي يتولاها باسيل لا تقتصر على كلامه العلني فحسب، فهناك ما يمكن اعتباره تواصلاً غير مرئي بين العونيين والحزب لم ينقطع، طالما أن الطرفين بحاجة لبعضهما بعضاً في مواجهة الاستحقاقات المقبلة، ولذلك كان تركيز باسيل الهجومي على مجلس النواب ورئيسه نبيه بري، “فلا معنى للوحدة الشيعية التي يريدها الحزب على حساب وحدة البلد الذي انهار”، لذلك تبدو الرسائل للتغطية على معركة أخرى لعون وباسيل معاً ورفضهما لعقد دورة استثنائية لمجلس النواب، وهذا يعني إبقاء مذكرة التوقيف الصادرة بحق النائب علي حسن خليل حاضرة وتستخدم كورقة بعدم منحه الحصانة النيابية. أما الملف الأساسي، فهو ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، وقبلها معركة الانتخابات النيابية التي يريد باسيل من “حزب الله” دعمه فيها لمنع تحوّله إلى أقلية في الساحة المسيحية، وبالتالي يفقد الحزب تغطيته وتزداد الضغوط عليه وحصاره إلى أبعد الحدود.

في الانتخابات النيابية لم يعد لباسيل القدرة على تثبيت موقعه نيابياً في الشمال، ، وهو يقاتل للحفاظ على الحد الادنى، فالمخاطر كبيرة وتهدد مقعده في البترون بعدما خسر تحالفه مع كل من سعد الحريري وميشال معوض، وهدفه تأمين الحاصل الانتخابي إذا جرت الانتخابات، وهو يعرف أن الامور لم تعد كما كانت عليه في 2018، وأيضاً في 2016 عند انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، إذ أن كل التحالفات التي كانت قائمة حينها انتهت، مبرراً أن المنظومة كلها تحالفت ضد التيار في المرحلة الماضية. لكن الوقائع تدحض كل ذلك، فالتيار كان جزءاً من المنظومة ومقرراً في العديد من المسائل، فيما عمل رئيس الجمهورية على مصادرة صلاحيات من الرئاسة الثالثة مرتكزاً على تحالفه مع “حزب الله” وفرض ما يريد بالامر الواقع، لا بل أن تشكيل الحكومات باتت تقوم على الثلث المعطل، وأيضاً التعطيل، وصولاً إلى ضرب مرتكزات أساسية من #اتفاق الطائف.

لا يريد عون ولا باسيل كسر الجرّة مع “حزب الله” إذ لذلك تبعات سياسية وتداعيات كبرى على وضع التيار الوطني الحر في مواجهة الاستحقاقات النيابية والرئاسية، باعتبار أن 2022 هي سنتهما، انما الجرّة كانت انكسرت مع المكوّن السني المتمثل بمرجعية سعد الحريري، بنعي تسوية 2016، ومغادرة الحريري بعدما منع من تشكيل حكومته قبل أن يأتي الرئيس نجيب ميقاتي وتساعده ضغوط دولية للتشكيل، إلى أن انتهى الامر بتعطيل الحكومة نهائياً مع اشتراط “الثنائي الشيعي” تنحية المحقق العدلي في تفجير المرفأ #طارق البيطار.

فتح جبران باسيل معركة انتخابات رئاسة الجمهورية، وأيضاً معركة الانتخابات النيابية، لكن الاستحقاقين مهددان، وأمام ذلك ملفات لا بد من حسمها، اشار إليها باسيل في كلامه التلفزيوني وبعضه نطق به باسم رئيس الجمهورية، أولها انهاء المعركة مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإزاحته، وهو بذلك يضغط على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ويعتبره أنه يتهرب من الدعوة إلى عقد جلسة للحكومة. ثم تأتي دعوة عون لطاولة الحوار، لتضع الاستحقاقات كلها أمام مصير مجهول إلا إذا تماشى الجميع مع طروحاته التي يريد من خلالها إيصال جبران باسيل إلى الرئاسة وهو لا يخفي أنه وريثه السياسي. وإذا لم تسر الامور وفق طموحاته، يصبح البحث بالنظام السياسي والصيغة أمراً واقعاً.

لا يخفي كل الكلام طرح فكرة التمديد لمجلس النواب مقابل التمديد لرئيس الجمهورية. المسالة بالنسبة إلى عون وباسيل مصيرية، فرئيس الجمهورية لن يقبل مغادرة موقعه ما لم يحقق إنجازاً أساسيا يتعلق أولاً بباسيل، وايضاً باقتلاع البعض من مواقعهم، واضعاف بعضهم الآخر. وعلى هذا يؤدي الإنسداد السياسي والتعطيل إلى التلاعب والعبث بمكونات الدولة، حيث يستحضر البعض ما يرونه مناسباً وعلى أهوائهم لرفع المسؤولية عنهم، والبعض الآخر يتصرفون كطرف يواجه الآخرين، خصوصاً الرئيس ميشال عون، فعندما تقتضي الوظيفة السياسية، التصعيد للوصول الى تفاهمات، يحدث هذا الأمر برسائل عدة وضغوط، وعلى هذا يمكن تفسير كلام رئيس الجمهورية ضد “حزب الله” في الملفات الداخلية خصوصاً، وتغطيته في المسائل الخارجية، وهو الامر الذي هذّبه جبران باسيل لتجنب السجال الذي يوصل الى الخلاف فالقطيعة.

وفي انتظار أن تحمل التطورات الإقليمية والدولية جديداً للوضع اللبناني، وتفتح الطريق لحل الأزمة المستعصية، يراقب “حزب الله” تطور مواقف الأفرقاء، خصوصاً التيار العوني من دون أن يقول كلمة الفصل النهائية لا في ما يتعلق بحلفائه الذين يستمدون قوتهم الداخلية من فائض قوته، ولا على مستوى البلد الذي يستطيع من خلال هيمنته إبقائه معطلاً إلى ما لا نهاية. وفي ظل الانهيار الذي يعصف بمكونات لبنان وبالدولة، قد لا ينفع بعد وقت تلقف “حزب الله” لغضب التيار الوطني الحر ورئاسة الجمهورية مثلاً، ولا تقريب المسافات بين أطراف محور الممانعة، ولا إرضاء جبران باسيل بمسار الاستحقاق الرئاسي. ويبدو أنه إذا لم يحصل عون من “حزب الله” على ما يريده في ملفي الانتخابات والرئاسة، قد يتفاقم خلافهما، وقد نشهد أيضاً أشهراً خطيرة وقاتمة تفصلنا عن الانتخابات…