فورين بوليسي: المقاطعة الخليجية للبنان لن توقف تجارة الكبتاغون.. ومركز الإنتاج الرئيسي في سوريا

كتبت الباحثة كارولين روز في مقال بموقع مجلة “فورن بوليسي” الأمريكية بعنوان “مقاطعة لبنان لن توقف تجارة الكبتاغون”، أن بث قناة “الجزيرة”، أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لمقابلة مع “جورج قرداحي” تم تصويرها قبل أن يصبح وزيرا للإعلام في لبنان، أزمة دبلوماسية. فقد أبدى قرداحي، خلال المقابلة، تعاطفه مع المتمردين الحوثيين في اليمن المتحالفين مع إيران، الذين تخوض السعودية معهم حربا ضارية. وعلى أثر ذلك، استدعت كل من السعودية والكويت والإمارات والبحرين مبعوثيها الدبلوماسيين من بيروت، وفرضت السعودية حظرا على دخول جميع الواردات القادمة من لبنان. إضافة إلى ذلك، منعت الإمارات مواطنيها من السفر إلى لبنان.

لكن الباحثة أكدت أن هناك عنصرا غير مذكور في حملة الضغط الخليجية الأخيرة على لبنان يتجاوز الديناميكيات السياسية والطائفية، وهو أن الخليج بات سوقا مستهدفة لتجارة المخدرات بالشرق الأوسط. فقد أدى الارتفاع الملحوظ في الشحنات المهربة من حبوب الكبتاغون المخدرة، التي يتم نقلها عبر الطرق البرية في الأردن ولبنان، وكذلك عبر الطرق البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، إلى إغراق موانئ الخليج بهذه المادة المخدرة؛ ما يشكل تحديا كبيرا أمام أنظمة الجمارك ووزارات الداخلية في تلك الدول، والتي تكافح لاجتيازه. ومع ذلك، قد يكون لقرار فرض حظر شامل على الواردات اللبنانية نتائج عكسية.




أدى الصعود السريع في عمليات تهريب الكبتاغون إلى زيادة مخاوف السعودية. ففي العقدين الماضيين، أصبحت منطقة الخليج، وخاصة السعودية، الوجهة الأولى لتلك المادة المخدرة

وذكرت أنه على غرار أزمة نوفمبر/تشرين الثاني 2017، عندما احتجزت السلطات السعودية رئيس الوزراء اللبناني آنذاك سعد الحريري كرهينة وأجبرته على الاستقالة (تراجع عنها لاحقا)، فإن الخطوة السعودية الأخيرة هي محاولة لتغيير ميزان القوى في لبنان ضد “حزب الله”، وهو حزب سياسي شيعي وجماعة عسكرية مدعومة من إيران. ووسط الجمود والانهيار الاقتصادي والشلل السياسي الذي يعاني منه لبنان، مارست السعودية وحلفاؤها ضغطا على الحكومة الجديدة الهشة، التي يقودها رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، محذرين من تنامي النفوذ الشيعي في البلاد.

وأشارت أنه على مدى عقود، سعت السعودية إلى تحجيم نفوذ إيران على الشيعة في لبنان وكذلك على “حزب الله”. وحتى وقت قريب، حققت الرياض ذلك من خلال علاقاتها مع النخبة السياسية السنية في لبنان. لكن الشلل السياسي المستمر في البلاد خلق مخاوف من أن النفوذ السعودي في لبنان قد يتضاءل الآن.

وأدى الصعود السريع في عمليات تهريب الكبتاغون إلى زيادة مخاوف السعودية. ففي العقدين الماضيين، أصبحت منطقة الخليج، وخاصة السعودية، الوجهة الأولى لتلك المادة المخدرة.

وتنوه الكاتبة إلى أنه لم يكن قرار حظر دخول جميع الواردات اللبنانية، في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أول محاولة لدول الخليج لكبح جماح تدفقات المخدرات القادمة من منطقة الشام. ففي أبريل/نيسان 2021، فرضت السعودية حظرا على المنتجات الزراعية اللبنانية بعد أن صادرت سلطات المملكة السعودية أكثر من 7.8 ملايين من حبوب الكبتاغون في ميناء جدة (غرب). واستخدم مهربو هذه الشحنة تكتيكات تهريب متقدمة؛ حيث قاموا بإخفاء حبوب الكبتاغون داخل شحنة من الرمان، التي يُعتقد أن منشأها سوريا. ولم تتمكن السلطات من اكتشاف هذه الشحنة من الكبتاغون أثناء مروره عبر لبنان إلى السعودية.

وتقول إنه مثل ضبط هذه الشحنة الضخمة من حبوب الكبتاغون دعوة للاستيقاظ بالنسبة لـ”هيئة الزكاة والضريبة والجمارك” في المملكة، فضلا عن السلطات الأمنية بها؛ حيث كشف مسؤولون سعوديون أنهم ضبطوا أكثر من 600 مليون حبة كبتاغون ومئات الكيلوجرامات من مخدر الماريخوانا خلال السنوات الست الماضية. وفي حين اعتادت السلطات السعودية، لسنوات طويلة، على محاولات تهريب الكبتاغون عبر موانيها، عكست مصادرة أبريل الكبيرة تطور المهربين وقدراتهم الإنتاجية الصناعية، وهو تحد يواجه مسؤولي الجمارك في الخليج. وفي الأيام التي تلت ذلك، تبعت الحظر السعودي بعض من أكبر أسواق التصدير اللبنانية للمنتجات الزراعية، ومنها عُمان والبحرين والكويت والإمارات. ومع ذلك، فإن الحظر الشامل لم يفعل شيئا للحد من تجارة المخدرات غير المشروعة، بل أدى إلى تفاقمه في واقع الحال.

ولفتت إلى أنه في الأشهر التي أعقبت حظر استيراد المنتجات الزراعية من لبنان، أحبطت السلطات السعودية عدة محاولات لتهريب الكبتاغون، التي أخفاها المهربون بمهارة بين المواد الغذائية. وفي الواقع، لقد خاطر العديد من المهربين بتحدي الحظر. ووصلت العديد من هذه الشحنات إلى ميناء جدة السعودي، قادمة من مواقع غير معلنة في لبنان أو موانئ أخرى على البحر المتوسط. ويشمل ذلك ضبط 4.5 مليون حبة من الكبتاغون مخبأة داخل صناديق برتقال في يونيو/حزيران، و12 مليون حبة مخبأة في شحنة من حبوب الكاكاو تم ضبطها بميناء جدة في أكتوبر/تشرين الأول، و5.2 ملايين حبة مخبأة داخل شحنة من العنب في ديسمبر/كانون الأول.

وتشدد على أنه بشكل عام، تشير بيانات المصادرة إلى أن المهربين تكيفوا مع الحظر، إما باعتماد أساليب جديدة لإخفاء أقراص الكبتاغون أو باستخدام طرق تهريب جديدة خارج لبنان، وفي المقام الأول عبر الأردن، للوصول إلى الأسواق الاستهلاكية في الخليج. وفي يونيو/حزيران، صادرت السلطات في جدة 14.4 مليون من حبوب الكبتاغون مخبأة في شحنة ألواح حديدية، مصدرها ميناء اللاذقية السوري، وكانت قادمة عبر بيروت.

كما تنوه إلى أنه كان هناك ارتفاع ملحوظ في المضبوطات في منفذ “الحديثة” البري السعودي، الواقع على طول الحدود مع الأردن على بعد حوالي 100 ميل جنوب شرق عمان؛ ما يشير إلى أن مهربي الكبتاغون بدأوا في تكثيف نشاطهم عبر الطرق البرية من سوريا عبر الأردن لتجاوز القيود المفروضة على التجارة بين السعودية ولبنان. ففي يوليو/تموز، اعترضت سلطات منفذ “الحديثة” 2.1 مليون من حبوب الكبتاغون مخبأة داخل إرسالية من معجون الطماطم.

وتذكر أنه في أكتوبر/تشؤين الأول، تم إحباط محاولة تهريب كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون تعادل أكثر من 5.2 ملايين حبة، والتي ضُبطت مطحونة ضمن إرسالية من بودرة الكربونات حملتها إحدى الشاحنات. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، تمت مصادرة أكثر من مليوني حبة من حبوب الكبتاغون عبر 7 محاولات تهريب، حيث تم إخفاؤها في إرسالة من طحين النشا، وبتجاويف أسفل الشاحنات أو بديكور ثلاجتها أو واجهتها الأمامية أو بالراديتر. كما وردت تقارير أخرى عن مصادر شحنات من الكبتاغون على طول الحدود الشرقية مع العراق، ومنها مصادرة 50 ألف قرص على طول الحدود العراقية الكويتية في أكتوبر/تشرين الأول، والتي كانت مخبأة في خزان مياه لإحدى الشاحنات.

وبحسب الباحثة برهنت سلسلة مصادرات الكبتاغون تلك أن حظر المنتجات الزراعية لا يمكن إلا أن يوقف جزءا من التدفقات غير المشروعة لهذه الحبوب المخدرة. فعلى والصعيد العالمي، يفحص مسؤولو إنفاذ القانون عموما واحدة فقط من كل 10 حاويات تمر عبر الموانئ، ولا يتم الإبلاغ علنا عن جميع مضبوطات الكبتاغون. ونتيجة لذلك، من المحتمل أن تمثل هذه الأرقام 5 إلى 10% فقط من الكمية الفعلية لأقراص الكبتاغون التي تتدفق إلى أسواق الخليج.

ومع ذلك، مثلما تشير الكاتبة، فقد كان للحظر السعودي تأثير مدمر على المنتجين الزراعيين والاقتصاد في لبنان. فقد واجهت السوق الزراعية المحلية في لبنان فائضا في العرض أحدث ضررا كبيرا لتجارة الحمضيات والتفاح والبطاطس والعنب في البلاد. على الرغم من انخفاض الأسعار بنسبة تصل إلى 40% في الأسواق المحلية، لكنه لم يتبع ذلك زيادة في الاستهلاك المحلي؛ بسبب الأزمة المالية اللبنانية المستمرة.

وأدى منع الوصول إلى أحد أكبر شركاء التصدير في لبنان (السعودية) إلى انخفاض أسعار المحاصيل؛ ما أجبر المزارعين اللبنانيين على تقديم طلبات إشهار إفلاس، أو تهريب منتجاتهم إلى سوريا لإعادة تصديرها إلى السعودية، أو التحول إلى محاصيل لا تحتاج إلى رأس مال كبير مثل القمح وحتى المواد غير المشروعة مثل الماريخوانا. وفي أعقاب الحظر الأخير على جميع الواردات من لبنان، الذي يُقدر أنه يحرم البلد من أكثر من 5.6% من إجمالي صادراته، أصبحت مصادر الدخل غير المشروعة البديلة أكثر ربحية وسط قيام شركات بتسريح موظفيها، وتحولات في الإنتاج خارج البلاد، وأزمة اقتصادية دفعت 82% من اللبنانيين إلى الفقر، وهو معدل تضاعف تقريبا بين عامي 2019 و2021.

وتذكر أنه سلطات إنفاذ القانون في لبنان لعبت دورا محدودا في مصادرة شحنات من الكبتاغون واعتقال المشتبه بهم في تهريبها. لكن دول الخليج لا تزال محبطة بسبب الدور النشط، الذي لعبه “حزب الله” في تجارة الكبتاغون، وعجز الحكومة اللبنانية الضعيفة عن مواجهتها.

وتشدد الكاتبة على أن مركز الإنتاج الأساسي لتجارة الكبتاغون يقع في سوريا، وتتركز منشآت التصنيع في المناطق التي يسيطر عليها النظام. وهنا، يلعب “حزب الله” دورا داعما في تزويد منتجي الكبتاغون بالخبرة الفنية والغطاء والحماية أثناء عملية العبور من سوريا إلى لبنان. وقد أتاح هذا أيضا لـ”حزب الله” مصدر دخل بديل خلال الأوقات المالية الصعبة. وساعدت نقاط التفتيش التي يسيطر عليها “حزب الله” إلى حد كبير في منع  اكتشاف شحنات الكبتاغون من قبل سلطات إنفاذ القانون اللبناني. وعندما تكون هناك مصادرة عرضية لشحنات من الكبتاغون أو اعتقال لمشتبهين في تهريبه من قبل قوات الأمن اللبنانية، فإن ذلك يحدث خارج المناطق الخاضعة لسيطرة “حزب الله”.

وتؤكد على أن حظر الاستيراد الشامل الأخير الذي فرضته السعودية على الواردات من لبنان لن يؤدي إلا إلى تضخيم التجارة التي ترغب في كبحها. فمن خلال حرمان جميع المنتجين اللبنانيين من أسواق التصدير الكبرى، وبالتالي إضافة المزيد من المصاعب الاقتصادية في لبنان وخلق أزمة شرعية لحكومته الضعيفة الجديدة، تخلق دول الخليج مساحة إضافية لـ”حزب الله” للمناورة ولازدهار تجارة المخدرات.

ورغم أن الحظر حفز المسؤولين اللبنانيين على إجراء عمليات مصادرة بين الحين والآخر لشحنات الكبتاغون بهدف إعادة بناء النوايا الحسنة مع دول الخليج، فإن الدمار الاقتصادي والأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد تضعف قدرات البلاد في ملاحقة هذه التجارة غير المشروعة. ففي الوقت الحالي، لا تملك الحكومة اللبنانية استراتيجية واضحة لعرقلة تدفقات الكبتاغون. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يؤدي افتقار الدولة إلى القدرة على مواجهة تجارة الكبتاغون بشكل فعال إلى تمكين “حزب الله” والجهات الفاعلة غير الحكومية الأخرى من استغلال الفراغ التنظيمي المتزايد في إنفاذ القانون.

مركز الإنتاج الأساسي لتجارة الكبتاغون يقع في سوريا، وتتركز منشآت التصنيع في المناطق التي يسيطر عليها النظام.  يلعب “حزب الله” دورا داعما وحامياً أثناء عملية العبور من سوريا إلى لبنان

وتشير إلى أنه قد يكون للقرار آثار غير مباشرة مماثلة في سوريا. فبعد أن دمرته الحرب الأهلية، نما الاقتصاد السوري ليعتمد على القطاع المالي اللبناني الضعيف بالفعل وتدفقات التحويلات.

وتعتقد أن قرار الحظر قصير النظر لأنه يستهدف دولة عبور واحدة فقط وهي لبنان. فرغم أن لبنان يلعب دورا في تجارة الكبتاغون، إلا أنه جزء واحد فقط من المعادلة. فلا تزال سوريا مركزا لهذه التجارة، وقد تكيف تجارها مع القيود الاقتصادية الجديدة، معتمدين بشكل أكبر على الطرق البحرية البديلة عبر البحر المتوسط ​​والطرق البرية عبر الأردن والعراق، والتي توصلهم أيضا إلى الأسواق الاستهلاكية بالخليج.

وتختتم أنه لمواجهة تجارة الكبتاغون بشكل فعال، يجب على أسواق المقصد في الخليج النظر إلى الصورة بشكل كلي. ويمكنهم القيام بذلك جزئيا من خلال التنسيق الاستباقي بين سلطات إنفاذ القانون في بلدان العبور والمقصد. لكن أسواق المقصد يجب أن تدرك أيضا أن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تعالج جانب الطلب المتنامي لديها. ففي حين أن استخدام المخدرات هو موضوع محظور في معظم أنحاء الشرق الأوسط، فإن معالجة جانب الطلب -العنصر البشري- في معادلة الكبتاغون أمر بالغ الأهمية لمكافحته.

لكن بدلا من القيام بذلك، أطلقت دول الخليج أزمة دبلوماسية واقتصادية لن تؤدي إلا إلى زيادة عدم الاستقرار اللبناني وتوسيع تجارة المخدرات في الشرق الأوسط. ونظرا لأن تجارة الكبتاغون تتكيف مع القيود والعقبات الجديدة، فمن الأهمية بمكان أن تعمل أسواق المقصد مثل  السعودية ودول العبور مثل لبنان معا، وليس ضد بعضها البعض.