سنة رمادية عصفت بجامعات لبنان ونزعت ريادتها العربية

ابراهيم حيدر – النهار

أحدثت سنة #2021 ما يشبه الزلزال في التعليم العالي في لبنان. الجامعات العريقة والتاريخية المصنفة عالمياً واجهت أعتى العواصف بعدما تلقت ضربات سبّبها الانهيار في البلد وفساد السلطة السياسية ومحاصصاتها الطائفية وتغطيتها لمخالفات الجامعات التجارية، وعجز الدولة عن تأمين الرعاية والحماية وتوفير الحصانة لتتمكّن الجامعات التي تلتزم المعايير الأكاديمية من التقدّم والمنافسة عربياً وعالمياً.




ليس تفصيلاً أن تنتزع دول عربية ريادة التعليم العالي من لبنان، الذي احتل تاريخياً المركز الأول في المنطقة بجامعاته التي تأسّست منذ القرن التاسع عشر، وفي مقدّمها الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القدّيس يوسف، فأصابت سنة 2021 أي بعد قرن ونصف القرن على تأسيس أول جامعتين في المنطقة، موقعهما كما جامعات أخرى تغالب الانهيار، وإن تمكّنتا برصيديهما التاريخيين من الصمود والوقوف في وجه الرياح العاتية، وحجز مقعديهما بين أول 25 جامعة عربية في تصنيف QS العالمي ومعهما الجامعة اللبنانية والجامعة اللبنانية الأميركية.

الانهيار في 2021 كان الأصعب على الجامعات اللبنانية المصنّفة، بعضها فقد أساتذة أكفاء، ولها على الدولة مبالغ مالية لم تُسدّد لتسعفها في مواجهة الأزمة، فتقدّمت بما تملكه من رصيد وباللحم الحيّ للبقاء والصمود، وفتحت على طاقاتها في العالم وخرّيجيها ومراكزها المتخصّصة، فعادت إلى تبوّؤ مراكز متقدّمة عربياً وعالمياً، والأهم أنها بقيت ضمن لوائح التصنيفات أمام ما تتمتع به الجامعات العربية من قدرات وإمكانيات ودعم من دولها، حيث تقدّمت الجامعات السعودية والإماراتية لتتصدّر التصنيفات الدولية، وثبّتت مواقعها انطلاقاً من المعايير المحدّدة في التصنيفات، لتنتزع من لبنان مراكز الصدارة والسمعة الأكاديمية.
تختلف التصنيفات للجامعات العربية حصراً عن التصنيف للجامعات العالمية، الذي تظهر فيه اختلافات في النقاط تبعاً للمعايير المعتمدة، خصوصاً أن تصنيف كيو إس العالمي للجامعات العربية بدأ عام 2014، وهو منذ تلك السنة يسلط الضوء على 160 جامعة عربية وهذه السنة 180، فيما التصنيف العالمي لـQS يتناول بالتقييم 1000 جامعة على مستوى العالم، حيث تتغيّر مواقع الجامعات العربية بين التصنيفين. وتختلف المنهجية التي تُعتمد بين تصنيف وآخر، فأكثر التصنيفات موثوقية في العالم هي: كيو إس والتايمز وشانغهاي، وكل منها يعتمد على مؤشّر مختلف ويضع نقاطاً متباينة بين المعايير المعتمدة. ولعلّ تصنيف كيو إس العالمي لجامعات الدول العربيةQS University Rankings: Arab Region 2022 الصادر عن مؤسسة “Quacquarelli Symonds” هو الأكثر أهمّية بالنسبة للجامعات العربية، وعندما صدر في تشرين الأول 2021 عكس تلك التغيّرات التي نزعت ريادة الجامعات اللبنانية التي صمدت رغم مغالبة الوضع الصعب والانهيار وتهاوي العملة الوطنية أمام الدولار وانكسار التميّز الأكاديمي في البلد الذي خرّجت جامعاته الأولى أكثر الكفاءات العربية من الذين تبوّؤوا مراكز ومسؤوليات أساسية في بلدانهم.

تختلف معايير النسخة الثامنة للتصنيف العربي 2022 للجامعات العربية من تصنيفات كيو إس، عن التصنيف المعتمد للجامعات العالمية، إذ إن بعض الجامعات تقدّمت عربياً على جامعات، لكنها أقل مرتبة في التصنيف العالمي. وقد تمكنت الجامعات اللبنانية الأربع الأولى من حجز مواقعها، رغم تراجع مراتبها عربياً، وحافظت على أدائها الأكاديمي في المعايير التي يعتمدها التصنيف. وقد بقيت الجامعات اللبنانية الأولى وهي الأميركية واللبنانية الأميركية واللبنانية واليسوعية ضمن الجامعات الـ25 الأولى عربياً، وإن كانت مواقعها مختلفة عالمياً، فتتقدّم اليسوعية على اللبنانية الأميركية واللبنانية عالمياً مثلاً، ثم تتراجع قليلاً عربياً. لكن الجامعة الأميركية التي كانت تحتلّ المركز الثاني عربياً تراجعت إلى الرابع فيما حلت الجامعات الثلاث اللبنانية في المراكز 17 و18 و19 توالياً، وهناك جامعات لبنانية تراجعت في الترتيب لما بعد الـ30، ومنها البلمند وجامعة بيروت العربية وسيدة اللويزة. ويعتمد التصنيف منهجية معايير أصابت الجامعات اللبنانية بسبب الانهيار رغم أن بعضها لا يعكس الحقيقة الأكاديمية ويرتكز على البيانات التي تقدّمها الجامعات، وعلى مؤشرات تُستعمل للتصنيف العالمي، مع مراعاة لمجموعة من مقاييس الأداء مصمّمة خصوصاً للمنطقة العربية بحيث تعكس الأولويات والتحدّيات الإقليمية. وهي تسعة مؤشّرات ولكل معيار مؤشّر ووزن على النحو الآتي: السمعة الأكاديمية: 30%، سمعة صاحب العمل: 20%، نسبة الأساتذة إلى الطلاب: 20%، نسبة تأثير الجامعة في شبكة الإنترنت: 10%، عدد الأوراق البحثية لكل أستاذ: 5%، نسبة الاستشهادات بكل ورقة بحثية: 5%، نسبة حاملي الدكتوراه في الهيئة التعليمية: 5%، نسبة الأساتذة الدوليين إلى كل هيئة التدريس: 2.5%، نسبة الطلاب الدوليين في الجسم الطالبي: 2.5%.

تقدمت جامعات عربية على حساب مؤسسات التعليم العالي في لبنان، وأبرزها الجامعات الخليجية، وهو واقع يعكس الإمكانات الكبيرة والقدرات التي توفرها دولها، وأيضاً الاستقرار الذي يمكن من خلاله توفير أجواء تعليم مناسبة تعزز الجودة والمعايير الاكاديمية، وإن كانت التصنيفات تأخذ في الاعتبار استقطاب جامعات لطلاب دوليين ولأساتذة عالميين.
تصنيف 2022 الذي حملته سنة 2021 أظهر تفوّق الجامعات السعودية بالمركز الأول مع جامعة الملك عبد العزيز، تليها جامعة قطر ثانياً، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المركز الثالث، ثم الجامعة الأميركية في بيروت رابعة، وبعدها بالترتيب جامعة الإمارات العربية المتحدة وجامعة الملك سعود وجامعة السلطان قابوس العُمانية والجامعة الأميركية في الشارقة وجامعة خليفة والجامعة الأردنية عاشراً.

ورغم كل ما تركته سنة 2021 كانت جامعات لبنان حاضرة في التصنيف، لكنها توجّه إنذاراً في السنة الجديدة حيال دور لبنان التعليمي. أما أكثر الدول حضوراً وتمثيلاً من ضمن هذه القائمة المكوّنة من 180 جامعة لسنة 2022 والموجودة في 18 دولة عربية، فهي المملكة العربية السعودية ومصر، وذلك بوجود 31 جامعة مصنّفة لكلّ منهما، يليهما العراق (22 جامعة)، الأردن (20 جامعة)، الإمارات العربية المتحدة (15 جامعة)، ولبنان (12 جامعة).