الحوار المؤجّل! – رامي الرّيس – نداء الوطن

لا تنص وثيقة الوفاق الوطني اللبناني- إتفاق الطائف على لامركزيّة ماليّة، بل تتحدث حصراً عن اللامركزية الإداريّة الموسعة، ذلك أن إقحام الجانب المالي في قضيّة اللامركزيّة يؤسس لمخاطر كبرى على المستوى الوطني والإداري، ويفتح المجال أمام تشكيل جزر ماليّة منفصلة عن ماليّة الدولة ومنعزلة عنها تماماً.

إن الارتكاز على الجانب المالي في مقاربة موضوع اللامركزيّة الإداريّة يستهدف البنيان التنظيمي للدولة وصفاتها الوحدويّة ويرمي بها في أتون الطروحات الفدراليّة والتقسيميّة من خلال توفير مقومات أساسيّة لإطلاقها التي تتمثل بالمال. من هنا، فإن أي طرح تقسيمي، سواء إنطلق من العنصر المالي أم من عناصر أخرى، إنما يجعل العامل الطائفي والمذهبي يشتعل مجدداً، ويوزّع المناطق على هذه القاعدة.




وما التوزيع الطائفي والمذهبي للمناطق إلا بمثابة الفرز البشع الذي يصنّف المواطنين اللبنانيين من حيث إنتماءاتهم الطائفيّة وليس إنتماءاتهم الوطنيّة، ويكرّس الهوّة السحيقة بين الدولة والمواطن.

من هنا، ليس المطلوب من رئيس الجمهوريّة إبتداع مجالات جديدة لم ينص عليها إتفاق الطائف ومحاولة فتح النقاش السياسي والوطني حولها بقدر ما المطلوب منه الدفع في إتجاه تطبيق ما لم يتم تطبيقه من الإتفاق كاللامركزيّة الإداريّة وإنشاء الهيئة الوطنيّة لإلغاء الطائفيّة السياسيّة والإنماء المتوازن وسوى ذلك من البنود التي نصّت عليها الوثيقة إنما لم تشق طريقها إلى التنفيذ رغم مرور نحو ثلاثة عقود على إقرار الإتفاق وقد أصبح جزءاً من الدستور اللبناني.

أما مسألة الاستراتيجيّة الدفاعيّة، فلقد تأخر رئيس الجمهوريّة بالدعوة إليها أقله منذ فترة إنجاز الانتخابات النيابيّة الأخيرة، وهو الذي كان وعد بإطلاق النقاش الوطني حولها منذ ذلك التاريخ. ورغم التأخير المقصود والمرتبط بظروف التحالف بين الفريق الرئاسي و”حزب الله”، المهم أن تكون قد صدرت هذه الدعوة وأن يفتح النقاش جديّاً حول هذا الملف السيادي بإمتياز.

المشكلة أن المصلحة الوطنيّة باتت مرتبطة بمصالح حزب سياسي وجد في هذه اللحظة أن تحالفه العميق والطويل المدى مع “حزب الله” يتطلب إعادة نظر، فرفع الحظر عن الدعوة إلى الحوار الوطني. صحيح أن ثمّة متطلبات إقليميّة قد لا تكون متوفرة لإنجاز الحل الجذري في قضيّة السلاح والاستراتيجيّة الدفاعيّة، ولكن هذا لا يلغي أهميّة فتح باب الحوار حول هذا الموضوع وقد أصبحت المطالبة به في السنوات الأخيرة بمثابة الخيانة العظمى.

إذا طالبت جهة سياسيّة معيّنة بفتح النقاش حول مطلب سيادي مركزي أساسي فإنها فوراً تُخوّن وتوصف بأنها تخدم المصالح الخارجيّة. ولكن ما هو عمق المطلب؟ أن تتمتع الدولة بقرار الحرب والسلم أسوة بكل دول العالم؟ أن تحتكر وظيفة الدفاع عن أراضيها؟ أن تكون الوحيدة صاحبة الإمرة في السلاح؟ أليست هذه في صلب دور الدولة وعملها؟

في نهاية المطاف، هل من الممكن أن تبقى موازين القوى مختلة إلى الأبد؟ لا مفر من إعادة إحياء النقاش الوطني حول الاستراتيجيّة الدفاعيّة، ومن ثم البحث الجدّي في سبل وقف توريط لبنان في مغامرات إقليميّة لا طائل له فيها خدمة لمصالح محاور وجهات إقليميّة تقف على طرفي نقيض مع المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة.

لقد تأخر الرئيس في الدعوة إلى هذا الحوار، وتركها إلى السنة الأخيرة في عهده الذي شهد كل أنواع الإنهيارات السياسيّة والإقتصاديّة والماليّة والنقديّة. وإذا إستمر الإنقسام الحاد في المرحلة المقبلة، فمن المرجح أن نشهد إنهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.

أبشروا!