الأزمة الاقتصادية في لبنان ترسم ملامح المعركة الانتخابية وتحالفاتها

حددت الاثنين وزارة الداخلية اللبنانية الخامس عشر من مايو القادم موعدا لإجراء الانتخابات النيابية، في وقت ترسم فيه الأزمة الاقتصادية حدود المعركة الانتخابية وتحالفاتها.

وعلى عكس الانتخابات السابقة يأتي الاستحقاق الانتخابي هذه المرة وسط ظروف استثنائية، تتمثل في أسوأ أزمة اقتصادية تعصف بالبلاد وظهور قوى معارضة جديدة على الساحة السياسية تأمل في قلب المعادلة السياسية.




ويعيد هذا الواقع خلط أوراق التحالفات الانتخابية وينعكس على نتائجها، في ظل نقمة شعبية كبيرة على الأحزاب المتمثلة في السلطة، إذ تحمّل قوى المعارضة الطبقة السياسية مسؤولية التدهور المستمر.

وعلى عكس الانتخابات الماضية أفرزت الاحتجاجات التي أطلق عليها اسم “انتفاضة 17 تشرين 2019” قوى معارضة جديدة تعتزم خوض الانتخابات المقبلة، بينما تحاول أحزاب السلطة الحفاظ على مقاعدها في البرلمان.

وتفجرت الاحتجاجات حينها في العاصمة بيروت رفضاً لفرض المزيد من الضرائب، وسرعان ما توسعت لتعم معظم أنحاء البلاد، ورسخ خلالها المتظاهرون شعارات تطالب إلى اليوم بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، وتتهم الطبقة السياسية بالفساد وتطالب برحيلها ومحاسبتها.

ويقول خبراء إن قوى المعارضة قد تشكل خرقاً غير مسبوق في نتائج الانتخابات، الأمر الذي يدفع بعض أحزاب السلطة للعودة إلى تحالفاتها التقليدية في سبيل استمرار سيطرتها على مقاعد البرلمان.

ورغم أن المشهد مازال ضبابيا من ناحية شكل التحالفات النهائية فإن من المؤكد أن نتائج الانتخابات المقبلة ستكون مغايرة لنتائج انتخابات 2018.ويرجح الخبير في مجال الإحصاء ربيع الهبر أن تحصد المعارضة -المتمثلة في قوى “17 تشرين” ومعها حزب الكتائب والحزب الشيوعي- ما بين 5 و20 مقعداً نيابياً من أصل 128.

ويذكر أن صعود المعارضة -إلى جانب شخصيات سياسية مستقلة لا تنتمي إلى أحزاب تقليدية- سيكون على حساب بعض الأحزاب الممثلة في السلطة حالياً، لاسيما حزب التيار الوطني الحر الذي يترأسه النائب جبران باسيل.

ولا يضم البرلمان الحالي أي ممثل عن قوى المعارضة باستثناء النائب أسامة سعد من “التنظيم الشعبي الناصري”، بعد استقالة 8 نواب -بينهم 3 من حزب الكتائب وآخرون مستقلون- في أغسطس 2020 على خلفية انفجار مرفأ بيروت.

وفاقم انفجار المرفأ حالة الغضب والاحتجاجات السائدة في البلاد، عقب مصرع 219 شخصا وإصابة نحو 7 آلاف آخرين في الانفجار الذي خلف أضرارا في مساحات واسعة من العاصمة بيروت.

وفي المقابل قد تعيد الانتخابات المقبلة إحياء الانقسام السياسي التقليدي في البلاد، والذي كان سائداً منذ عام 2005 بين قوى “8 آذار” (القريبة من دمشق وطهران) وقوى “14 آذار” (القريبة من الرياض وواشنطن).

وأبرز تلك التحالفات قد تكون بين أحزاب تيار المستقبل والتقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، التي كانت تشكل سابقاً فريق “14 آذار”، باستثناء حزب الكتائب الذي انضم إلى قوى المعارضة.

وعلى عكس الانتخابات الماضية عام 2018، يرجح مراقبون أن يتحالف تيار المستقبل مع “الجماعة الإسلامية” في الانتخابات النيابية المقبلة في بعض المناطق.

وفي المقلب الآخر، أي “8 آذار”، سيكون هناك تحالف بين حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر والحزب السوري القومي الاجتماعي.

ويقلل محللون من تأثير أصوات المغتربين في نتائج الانتخابات ودورها في إحداث فارق كبير، مرجحين أن يقترع بين 60 و70 ألفاً من أصل نحو 245 ألفاً سجلوا أسماءهم مسبقاً للمشاركة في انتخابات البرلمان.

ويرجع انخفاض نسبة الاقتراع من جانب المغتربين إلى أن التصويت لن يكون افتراضياً عبر موقع إلكتروني، كما كان الحال في مرحلة التسجيل، إنما ينبغي للراغبين في التصويت التوجه إلى السفارات والقنصليات.

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيروت العربية (خاصة) علي مراد أن طبيعة التحالفات في الانتخابات المقبلة ستكون وفقاً للمصلحة الانتخابية وليس تبعاً للمعايير السياسية، كالتحالف بين التيار الوطني الحر وحزب الله.

وتواجه قوى “17 تشرين” عدة تحديات، أبرزها تقديم مشروع واضح وبديل، إضافة إلى مدى قدرتها على توحيد لوائح مرشحيها في وجه لوائح أحزاب السلطة، كما أن التوقعات بانخفاض نسبة التصويت لا تصب في صالحها.

وفي عام 2018 بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعيّة 49.70 في المئة، ويتوقع خبراء أن تنخفض النسبة في انتخابات 2022 نظراً إلى الصعوبات الاقتصادية والمعيشية، لاسيما ارتفاع كلفة النقل.

ويلفت مراد إلى أن التحدي الأساسي هو إقناع جمهور “17 تشرين”، غير المنتمي إلى الأحزاب، بالمشاركة في التصويت نظراً إلى النقمة التي يختزنها معظم المواطنين على الواقع الاقتصادي والمعيشي، ما ينعكس تصويتاً لمصلحة المعارضة.

قوى “17 تشرين” تواجه عدة تحديات، أبرزها تقديم مشروع واضح وبديل، إضافة إلى مدى قدرتها على توحيد لوائح مرشحيها في وجه لوائح أحزاب السلطة

وعن احتمال تحالف قوى “17 تشرين” مع بعض الأحزاب التقليدية (حزب الكتائب والحزب الشيوعي)، يشير مراد إلى أن ذلك قد يكون له انعكاس سلبي على نسبة التصويت لمصلحتها، وهذا تحدٍ آخر تواجهه المعارضة.

ويرى أن أحزاب السلطة تريد من هذا الاستحقاق الانتخابي استعادة شرعيتها الداخلية والخارجية. وفي المقابل تسعى قوى المعارضة لمحاسبة تلك الأحزاب على أدائها في الحكم ووصول البلاد إلى حالة الانهيار.

ومنذ أكثر من سنتين يعاني لبنان أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، صنفها البنك الدولي واحدة من بين أسوأ 3 أزمات اقتصادية في العالم، أدت إلى انهيار مالي وارتفاع في معدلات الفقر والبطالة والجرائم.