كيف يمكن ألّا يتحمّل عون المسؤولية؟

روزانا بومنصف – النهار

يستمر الرئيس #ميشال عون في تحميل المسؤولية في “ما يعاني منه ال#لبنانيون اليوم ويعيشونه نتيجة أعمال من كان يمارس المسؤولية سابقاً، وكان على هؤلاء الأشخاص أن يشكلوا النموذج الجيد للمواطن لأنهم كانوا واجهة المجتمع وهم مؤتمنون على حياة المواطنين الذين يعانون اليوم”. يستمر هذا الكلام في استفزاز غالبية سياسية مثيراً تساؤلات ديبلوماسية أيضاً. ففي حربين شنّهما العماد ميشال عون في ١٩٨٩ و١٩٩٠ لم يقل كلمة إزاء تحمّل المسؤولية في ما آل إليه وضع المسيحيين بعد حربين مدمّرتين. ولكن ذلك يتصل على الأرجح بعدم رغبته لا في تحمّل المسؤولية في “حرب التحرير” على الاقلّ، ولم يحمّل #النظام السوري المسؤولية في المقابل فيما دخل هذا النظام الى قصر بعبدا في ١٩٩٠ ووضع يده على كل لبنان بما فيه المنطقة المسيحية التي كانت عصيّة عليه لاعتبارات مختلفة، واستمرّت سيطرة النظام على لبنان مقرراً في الأمن والسياسة لكن من دون وضع كامل اليد على الوضع الاقتصادي، وترك هامشاً بسيطاً للرئيس الراحل رفيق الحريري، فيما يدرك الرئيس عون ذلك تماماً ولكنه يغفله. هذا الوضع استمر على الاقل حتى عودة العماد عون من منفاه الباريسي على خلفية اتفاق مع النظام السوري سرعان ما ترجمه في تفاهم مار مخايل مع “حزب الله” ساعياً بقوة الى أن يكون هو شخصياً ولاحقاً تيّاره من يحصر كل الحصّة المسيحية في يده في مقابل الحصص التي يطبق عليها حليفه الشيعي مع الرئيس نبيه بري على الحصة الشيعية وتولي الطوائف الأخرى حصصها عبر زعاماتها.




كان جلّ اهتمام العماد عون في فترة ما قبل الرئاسة أن يكون وحده من يتحدث باسم المسيحيين ومن يمسك بكل القطعة المخصصة لهم في كعكة السلطة والحكم، وحين سأله البعض إبان نشاط قرنة شهوان بعد عام ٢٠٠٠ لمَ لا يكون جزءاً من هذا التجمّع المطالب بالانسحاب السوري من لبنان طلب أن توقع شخصيات هذا التجمّع تعهّدات بأنه هو من يمثل المسيحيين وأن يوكلوا إليه مصيرهم.

يتجاهل الرئيس عون عن عمد سطوة النظام السوري وتدخله بكل صغيرة وكبيرة حتى عام ٢٠٠٥، فيما يستمر في تحميل كل المسؤولين إبان وصاية النظام المسؤولية. وحين وقع مع “حزب الله”، “تفاهم مار مخايل” بدأ مساره التعطيلي الذي تشهد عليه ساحات بيروت من جهة كما يشهد عليه الواقع السياسي من جهة أخرى سعياً مراراً وتكراراً الى تأمين توزير صهره في الوزارات الحسّاسة والمهمّة والمقررة للاقتصاد اللبناني. والسنوات العشر الأخيرة شاهدة على تعطيل ثلاث سنوات من ولاية الرئيس ميشال سليمان من أجل ضمان توزير جبران باسيل، ثم سنتين ونصف من التعطيل لانتخابات رئاسة الجمهورية بتكافل وتضامن بينه وبين حليفه “حزب الله” ضماناً لانتخابه رئيساً. يسأل ديبلوماسيون مراقبون تعليقاً على مطالبة الرئيس عون المحقة بالدعوة الى اجتماع لمجلس الوزراء هل الفراغ الرئاسي أقل أهمية من الفراغ الحكومي أم العكس؟ فحين يخطّ رئيس الجمهورية نهجاً استخدمه أخيراً في منع تأليف حكومة اختصاصيين بعد انفجار مرفأ بيروت حتى تأليف حكومة برئيس حكومة لا يعترض عليه، فإنه يفقد القدرة على إقناع اللبنانيين.

ويهمل الرئيس عون عمداً كذلك التداعيات الاقتصادية الكارثية للتعطيل الذي مارسه مع “حزب الله” وأحياناً مع رئيس حركة “أمل” نبيه بري أيضاً، باعتبار أن السير بمحور معيّن له متطلباته أي إن له أثماناً أيضاً. وحتى في عز التحذيرات على انهيار يتجه إليه البلد لم يتوان رئيس الجمهورية عن رفض الدعوة الى اجتماع لمجلس الوزراء في ٢٠١٩ نتيجة تداعيات حادثة قبرشمون التي اعتبرها موجّهة ضدّ السماح لرئيس تيّاره باسيل بالمضيّ في حملة رئاسية مبكرة تتحدّى رؤساء الأحزاب والطوائف.

حين صدر تقرير لمؤسسة ستاندرد أند بورز في شهر آب من ذلك العام متحدثاً عن بداية التدحرج في الاقتصاد اللبناني، وافق الرئيس عون على فك حداد مجلس الوزراء وإتاحة الدعوة الى جلسة كان يصرّ منذ وصوله الى الرئاسة على أن تكون برئاسته، ثمّ يرمي بالمسؤولية على الآخرين.

لا يمكن أيَّ مسؤول يتولى مناصب رفيعة ومتقدمة ألّا يخطئ في ممارسة السلطة واتخاذ القرارات في محطات متعددة، فكل رئيس أو وزير أو نائب يخطئ، ومن يعمل يخطئ، ولكن لا يمكن رئيس الجمهورية أن يستمرّ في إلقاء التبعة على الآخرين ليس لأن الآخرين أبرياء من المسؤولية، بل لكي لا يظهر مع فريقه في موقع من كان يبصم خلال ١٥ سنة على الأقل على قرارات الآخرين الذين يتحمّلون المسؤولية. ففي موقع من يبصم ويوافق مرغماً على القرارات التي وافق أو لم يوافق عليها، تكون المسؤولية أكبر لأنه كان يتعيّن عليه الوقوف ضد كل القرارات والمجاهرة بذلك لا تعطيل البلد سنتين ونصف السنة من أجل تسلم موقع رئاسة الجمهورية وكأنما القائد السابق للجيش الذي مارس سلطات رئاسية بين ١٩٨٨ و١٩٩٠ لا يعرف ما معنى الثقل الذي تلقيه عليه رئاسة الجمهورية فسعى إليها بالمستحيل من أجل أن يعلن خلالها ولا سيما قبل عشرة أشهر من انتهاء ولايته، أن المسؤولية عن الانهيار الكارثي في عهده للبنان ولحياة اللبنانيين إنما تقع على الآخرين.

لا يجد كلام الرئيس عون أيّ قبول خارج مناصريه الذين يصرّون على المنطق نفسه. فالأسئلة التي ستُطرح حتى قبل انتهاء ولايته تتصل بما فعله هو من أجل الحؤول أو فرملة الانهيار الذي كان واضحاً منذ تسلمه مهامه؟ وما الذي أنقذه من خلال تفاهم مار مخايل، وهل إيجابيات هذا التفاهم على لبنان لا على طرفيه أكبر من السلبيات، أم العكس هو الصحيح؟ فإن كان من مراجعة ما فهي يجب أن تبدأ من هذه النقطة بالذات مع الأخذ في الاعتبار الموقف اللافت جداً لمتروبوليت بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الكاثوليك جورج بقعوني في عظة الميلاد الذي قال “للزعماء المسيحيين كفاكم كلاماً فارغاً. تتحدثون عن حقوق المسيحيين والمسيحيون يهاجرون”.