نبيل بومنصف - النهار

حين تنكشف “العفونة”! – نبيل بومنصف – النهار

ليس ثمة ما يستدعي “الاندهاش” لوجود زائر اجنبي كبير كالامين العام للأمم المتحدة أنطونيو #غوتيريس في لبنان على وقع تصاعد ازمة سياسية تتخذ ظاهرا وجها داخليا فيما تتجذر أسبابها في واقع هيمنة جهة إقليمية وصراعاتها مع الدول والجهات المناوئة الأخرى . إذ ان الازمات الراهنة باتت هي عامل “الجذب” إلى ساحة لبنان بعد السقوط المدوي للدولة وصورة الطبقة السياسية واخفاق المبادرة الفرنسية تحديدا في حمل الطبقة الحاكمة على تحقيق ولو خطوات محدودة مؤثرة في مجال الإصلاحات البنيوية الجوهرية في القطاعات المالية والخدماتية.

في ظل هذا الواقع المهترئ يفضل بالتأكيد ان يحضر “شهود” من رتبة اممية رفيعة او مسؤولون كبار من دول يمكنها ان تنخرط في رسم مسار دولي يوما ما للتدخل “الحميد” في انتشال هذا البلد من القعر الذي يتخبط فيه باعتبار ان الحقيقة المجردة التي لم يعد يمكن للسلطة المهيمنة على لبنان اخفاءها وانكارها تتمثل في عقم الرهان على حل داخلي وحده من دون رافعة دولية لان لا قدرة داخلية في لبنان اليوم على تخفيف قبضة المحور الايراني بقدرات ذاتية صرفه.




ولكن مع استبعاد أي إمكانات او احتمالات لتدويل متجرد للمعضلة السيادية والاستقلالية للبنان على الأقل يجد اللبنانيون انفسهم الان في مواجهة فورية مع الأسوأ اطلاقا في استظلال مرحلة العبور إلى الانتخابات النيابية اذا كان سيقيض لها فعلا ان تشكل الفرصة الوحيدة المتاحة لاطلاق نفير التغيير الخلاصي المأمول والمطلوب قبل ان يجهز الطاقم المتحكم بالبلد على بقايا الطموحات التغييرية المتراجعة في شكل خطير . هذا الأسوأ لا يحتاج إلى تعريف وتسمية وتحديد لانه سارع إلى الكشف عن نفسه ، بل انكشف تلقائيا في الساعات الأخيرة حين افتضحت تلك المسماة صفقة او بيعة او مقايضة قبيل ساعات من اعلان القرار النهائي للمجلس الدستوري في مراجعة الطعن في تعديلات قانون الانتخاب المقدم من تكتل نواب العهد العوني . والحال انه بصرف النظر عن كل ما سيثيره المجلس الدستوري من أصداء وردود فعل وتأثيرات سياسية ودستورية على مجريات الواقع الداخلي ولا سيما لجهة تداعياته على الازمة الحكومية حاليا وعلى الاستعدادات للانتخابات النيابية لاحقا ، فان ما يعنينا اكثر هو الحجم الفادح للانكشاف السياسي الفاجر ، بكل معايير الفجور ، لدى طبقة سياسية لم تعد تنضح سوى بالعفونة إياها التي تطلق معها العنان لصفقات ومقايضات من النوع الذي يعلن لبنان نهائيا دولة موبوءة . هذا الوباء اين منه كورونا ومتحوراته القاتلة قياسا بالعفونة المتفشية في شهيات التقاسم السلطوي لبقايا الدولة ، وتشريع ضرب الأصول واستباحة الانقضاض على القضاء ، وتحويل ما تبقى من ولاية العهد الحالي إلى اخطر مرحلة من مراحل تصفية الخصوم تمهيدا للانقضاض ربما على الانتخابات او إعادة تجويفها ، واتمام الانقلاب بعدها على الطائف والدستور والنظام برمته.

جرى ويجري ذلك وسط تراجعات مخيفة زاحفة في واقع حياة اللبنانيين وعيشهم البائس على خلفية استفحال الازمة المالية ، فيما يسمع الناس ولا يصدقون عن مشاريع وضعتها عقول سياسية تنضح بالتسلط ولا تجد أي موانع تردعها عن المضي في هذا النهج تحت مسمى “التسوية” التي تجسد تماما شهيات الاستقواء والامعان في دفن بقايا ما كان يسمى دولة تنتظم تحت الحد الأدنى من موجبات الأصول وفصل السلطات. هذا الذي نضحوا به هو العفن . وكفى.