كسب ميقاتي ولكنّه خسر مجلس الوزراء!

روزانا بومنصف – النهار

أثنى سياسيون كثر في اتصالات هاتفية مباشرة مع رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي أو في مجالسهم الخاصة، على رفضه الصفقة التي عرضها عليه رئيس مجلس النواب #نبيه بري في ظل علامة استفهام كبيرة حول التحوّل في موقف رئيس المجلس الذي كان سينقض ما ذهب إليه هو نفسه في مجلس النواب من تعديلات على قانون الانتخاب، بما في ذلك كيفية احتساب التصويت في المجلس كانت الصفقة مع رئيس الجمهورية وتيّاره ستطيحها عبر الأبواب التي يفتحها قبول الطعن العوني أمام المجلس الدستوري.




التصفيق لموقف ميقاتي أتى على خلفية أن رفضه للمقايضة، وهي في المناسبة مقايضة تنصّل منها القائمون بها ما يعني أن هناك ما يوجب هذا التنصّل فعلاً نظراً الى مدى الإحراج الذي تتسبّب به وأنها غير مقبولة وإن كانت ستتيح انعقاد مجلس الوزراء، أو بيع ذلك للناس على أنه هديّة لهم في الأعياد، هي مكسب للبلد لأن هذه المقايضة تسهم أكثر في تدميره، لا بل تسهم في تدمير الانتخابات والقضاء وسمعة لبنان في الخارج أكثر فأكثر.

لن يستطيع ميقاتي الذي حصل على صدقية ديبلوماسية خارجية أتاحت له مراكمة رأسمال معيّن كان يطمح إليه ولاحت له بوادر انفتاح خليجي محتمل، أن يترك انطباعاً بأنه خضع لا لتسوية بين الثنائي الشيعي والفريق العوني فحسب بل أكثر لتسوية كسب منها الطرفان المعنيّان ولا سيما الحزب وجبران باسيل، بما يعنيه اسم الأخير من حساسية فائقة وعدائية إزاءه. المتغيّر في هذه الحسابات والأكثر غرابة في رأي بعض المصادر السياسية، كان موقف الرئيس نبيه بري بمعدّل انقلب فيه ١٨٠ درجة، فيما خلف تسجيل المغتربين من حيث أعدادهم وتوزعهم مخاوف كبيرة لا يمكن تجاوزها في انتظار أن تظهر القطبة المخفيّة على هذا الصعيد في الوقت المناسب. (هل كان الضغط من جانب “حزب الله” قوياً الى هذا الحد أم هي التحالفات المقبلة ولا سيما في الانتخابات النيابية يسأل البعض على سبيل عدم إخفاء الاستغراب وإعطاء أسباب تخفيفية لبرّي).

كان معروفاً منذ اليوم الأول أن المخرج لوقف عمل قاضي التحقيق في انفجار المرفأ طارق البيطار هدفه سياسي وليس قضائياً، بمعنى تمييع التحقيق ومنع المحاكمة في الواقع. وحين قام البطريرك الماروني بشارة الراعي بمبادرته التي تفضي الى عودة مجلس الوزراء الى الاجتماع في مقابل حصر محاكمة الوزراء والنواب بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والنواب، لم ينجُ من انتقادات واتهامات قاسية وحتى تخوينية، فيما عطل رئيس الجمهورية لرغبته في الحصول على ثمن في المقابل يبدو أنه أتيح له عبر صفقة أكثر من يربح فيها “حزب الله” لجهة إطاحة البيطار ومجموعة من القضاة نتيجة انتقاداته الأخيرة للقضاء، بالإضافة الى تعطيل تصويت المغتربين، من دون أن يعني خسارة بري الذي عينه على الانتخابات أيضاً، أو خسارة رئيس الجمهورية وفريقه.

قسا الرئيس بري على الرئيس ميقاتي على رغم إتاحة الصفقة أمام الأخير لتعيين القاضي السنّي الذي كان محسوباً على تيّار المستقبل في مقابل تعيين باسيل لرئيس مجلس القضاء الاعلى، على أن يترافق ذلك مع الإفراج عن اجتماعات مجلس الوزراء، كما قسا الرئيس ميقاتي على رئيس مجلس النواب على رغم لملمة كلّ منهما تداعيات ما حصل.

كسب ميقاتي سنّياً لوقوفه في وجه الصفقة كما يكسب خارجياً، لكنه سيخسر على الأرجح أيّ إمكان لالتئام مجلس الوزراء مجدّداً لأن أفرقاء الصفقة لن يسامحوه بسهولة على تعطيلها. فيما غالبية الأفرقاء السياسيين انتظروا بفارغ الصبر صدور قرار المجلس الدستوري الذي سُجّل أن قصر بعبدا واكب التعيينات الأخيرة فيه في موازاة التعديلات على قانون الانتخاب في مجلس النواب.

على رغم الاهتمام الدولي بلبنان، إذا وجد، وكثر يعتبرون أنه غير موجود سوى بالحدّ الأدنى الذي يحافظ على الستاتيكو السياسي الحالي حتى موعد الانتخابات النيابية على الأقل أي من دون إتاحة تغييرات أو إعطاء مكاسب سياسية في غير محلها أو ربطاً باستغلال المفاوضات النووية، فإن ثمّة “ملائكة” حاضرة وتخضع الوضع للمراقبة بحيث إن أيّ حلّ على حساب القضاء أو على حساب الانتخابات أو حتى المسّ بحاكم المصرف المركزي لن يكون متاحاً بالسهولة التي يتوقعها البعض. ثمّة حساسية إزاء انتصارات مجانية تُعطى على هذا الصعيد. يضاف الى ذلك أن لا موافقة أو بالأحرى لا مرونة إزاء تعيينات إدارية محتملة تعطي رئيس الجمهورية وفريقه امتداداً وجودياً في مواقع رئيسية لسنوات مقبلة بحيث تبقي الوضع مقيداً بالإطار السياسي الذي يفرضه هذا الفريق وكأنّه يمدّد أيضاً لتحالفاته وما يعنيه ذلك واقعياً، إذ إنه أدبياً ومنطقياً، لا يحق لرئيس جمهورية يغادر بعد أشهر معدودة أن يعيّن رجالاته ومناصريه في المواقع المفاتيح في الدولة، وهذا يشمل حاكمية المصرف المركزي التي لن يستطيع ميقاتي السير بأيّ تغيير يشملها. وهذا يشمل حتى التشكيلات الديبلوماسية ما لم تكن بعض المواقع الحساسة ضرورية جداً في الاشهر المقبلة لعدم القدرة على قبول فراغ أو تداعياته.

فالتعيينات الجديدة ستبقى مرتبطة أولاً بنتائج الانتخابات النيابية وعدم جواز استباقها خشية التأثير المسبق فيها فيما هي مهمة للفريق العوني لهذا السبب بالذات فضلاً عن تأمين القدرة لرئيس التيار العوني على الإمساك بمفاتيح الإدارة حتى في ظل رئاسة جديدة. وإذا تأخرت الى ما بعدها فستكون حكماً مرتبطة بما بعد الانتخابات الرئاسية لا قبلها.
سقوط الصفقة ولاقرار المجلس الدستوري لا يعنيان سوى نكسة مرحلية من غير المستبعد أن تتجدّد إن تخفّفت قليلاً، كما سيكون مهماً انتظار الخطوات المقبلة من أجل تطيير انتخابات المغتربين أو تطيير الانتخابات ككل بذرائع لن يعجز أهل السلطة عن اختلاقها.