راجح الخوري - النهار

النظرة الأخيرة على بلد يموت؟ – راجح خوري – النهار

اختار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ان تكون زيارته الأخيرة هذه السنة الى #لبنان، وقياساً بالوضع الكارثي الذي يتخبط فيه بلد يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليس كثيراً إذا قلت، انها زيارة لإلقاء النظرة على جثمان بلد، كان شريكاً مؤسساً للمنظمة الدولية، ويرقد الآن جثة تتلاشى ولا ينقصها سوى الدفن .

يصل غوتيريش غداً الأحد وهو يعرف تماماً انه ليس هناك أي عنصر من عناصر الأمل في ان ينهض البلد المقتول ويتنفس من جديد، فالقاتل هو المنظومة السياسية الفاسدة والمتوحشة التي تنهش جثته، أما القتيل فهو هذه المجموعات المتناثرة المتقاطعة المتناقضة من الشعوب اللبنانية الطائفية والمذهبية، التي لم ولن تنجح في صنع ثورة او على الأقل في توحيد الكلمة والموقف، والدليل الآن هو دربكات مجموعات الذين يتوهمون ان الانتخابات مناسبة لقلب الصفحة السوداء دون ان تجمع شتاتهم كلمة سواء، هذا إذا سمحت منظومة الفساد السياسي بأن تجري هذا الانتخابات !




لقد بدا لي ان السيد غوتيريش وهو يعرف الواقع اللبناني الكارثي جيداً، وكأنه يتلو سلفاً مرثية على رأس القتيل، عندما يقول انه ما من إمكانية لعودة لبنان الى الطريق الصحيح، ما لم يدرك القادة السياسيون اللبنانيون ان هذا هو الوقت المناسب، وربما الوقت الأخير لتوحيد صفوفهم، لكن صفوف العصابة التي نحرت لبنان موحدة جيداً في الذبح وشحذ السكاكين، وليس في ما يتعلق بتخليص الشعب والبلد من المسلخ .

بالنسبة الى غوتيريش وغيره، من الدول المانحة الى صندوق النقد الدولي، سبب الأزمة القاتلة واضح، وهو “ان الإنقسامات بين القادة السياسيين شلّت المؤسسات، وهو ما يجعل من المستحيل التوصل الى إتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإطلاق برامج إقتصادية فعّالة وإحلال الظروف الملائمة ليباشر البلد تعافيه”، لكن هذا ليس كل المشكلة، في بلد لا تعرف الدولة فيه عدد الموظفين عندها، الذين يعملون والذين لا يعملون ويتقاضون الرواتب والتعويضات، والذين ماتوا وصاروا في ذمة ربهم لكنهم يتقاضون الرواتب منذ أعوام مع بدلات ساعات العمل الإضافية، وأخيراً بدل النقل يومياً بسبب غلاء البنزين، وصدّق مستر غوتيريش او لا تصدّق !

طبعاً لا يحق للقادة اللبنانيين ان يكونوا منقسمين في ظل أزمة خطيرة كهذه، ولكنهم اصل الإزمة ووقودها، فإذا كان صندوق النقد الدولي علق المفاوضات بعد ١٧ جلسة، بسبب عدم قدرة الجانب اللبناني على تقدير حجم الخسائر، لأن القطاع العام أكل القطاع الخاص، ولأن الذكي حسان دياب أعلن من بعبدا تمنع لبنان عن دفع ديونه، مصوراً هذه الفضيحة موقفاً تاريخياً ندفع ثمنه الكارثي حتى اليوم، فليس بطولة على الإطلاق الإتفاق أخيراً في حكومة ممنوعة من الاجتماع، على ان الخسائر هي ٦٩ مليار دولار !

البطولة ان يتذكر الرؤساء الأكارم انه دون الحصول على مساعدات صندوق النقد روزنامة معقدة وصعبة، أولها اننا في بلد حكومته لا تجتمع إلا اذا تم تدمير هيبة وصدقية السلطة القضائية، وإذا اجتمعت ففيها مكونات تنظر الى صندوق النقد والبرنامج الإصلاحي الذي يطلبه على انه شروط مرفوضة من الإستكبار الدولي، هذا اذا كان القادة المسؤولين الذين تخاطبهم مستر غوتيريش، يقبلون برنامجاً إصلاحياً يسألهم على الأقل من اين لكم هذا أنتم وجماعاتكم .

نعم انها الفرصة الأخيرة مستر غوتيريش، لكن من قتل القتيل لا يملك أو يريد ان يعيد اليه الحياة، فالمعادلة واضحة تماماً : حياة لبنان تعود مع سقوط من ذبحوه اطال الله في أعمارهم !