إلى الشيخ نعيم قاسم: دعوة إلى الواقعية

غسان الحجار – النهار

لا أريد أن أذهب في الردّ على الشيخ #نعيم قاسم إلى القول: “إذا لم يعجبك #لبناننا، فارحل أنت الى مكان آخر”، لانه استسهال للكلام، وبطولات وهمية ليس إلا، ولاننا لن نذهب الى مكان آخر، لأننا قررنا بملء إرادتنا لبنان وطناً ومستقَراً لنا، وهو ايضاً (اي قاسم) لن يرحل لأسباب عدة بعضها إختياري كأن يكون اتخذ قراراً مماثلاً لقرارنا، ومنها ما هو غير اختياري إذ لا يملك فرص الرحيل إلا الى ايران وسوريا، ولا أظن عاقلاً يترك لبنان الى هذين الخيارين أو أحدهما.




لقد قال الشيخ قاسم ما يضمره، أي ما يفكر فيه، اذ هو يضيق ذرعاً بالانتقادات، الجارحة احياناً، التي توجَّه الى “#حزب الله” صبحاً ومساء. وربما قال ما يردده كثيرون منا في مجالسهم الخاصة، عندما يدعونه، سراً، للجوء الى طهران، اذ يعتبرون حزبه فصيلاً من الحرس الثوري الايراني يخضع له ويأتمر به ويموَّل منه، وقد ضاقوا ذرعاً به.

الشيخ نعيم قاسم، سواء أخطأ في التعبير، او سرّب الخبر عمداً لإيصال رسالة محددة، قال حقيقة ما يفكر، لكنه لم يسأل نفسه مرة عن الاسباب التي تحول دون لقيا الشركاء الآخرين في البلد، فهل هم أخطأوا أم هو ارتكب الكبائر بحقهم، وبحقوقهم مجتمعة؟
لكن الخطأ مستبعد في هذا المجال، ويبدو أن الحزب اعتمد سياسة العصا الغليظة، اذ للمرة الاولى خرج امينه العام السيد حسن نصرالله ملوّحاً بمئة الف مقاتل، في عملية تخويف لم تثبت جدواها.

عبّر الشيخ نعيم قاسم عن وجهة نظر عندما قال “لبنان أصبحت له سمعة في العالم بسبب المقاومة والانتصارات، هذا هو لبنان الذي نريده. مَن أراد التحق به ‏ومن لم يرد فليبحث عن حل آخر”.

لكنه لم يستمع ابداً الى وجهة النظر الاخرى، بل وجهات النظر، التي تتبنى الخيارات البديلة، وهي صحيحة، بأن لبنان عُرف بأنه الجامعة والمستشفى، والواحة الثقافية، ومساحة الحرية، والمقصد السياحي، والفنون والمهرجانات، والمراكز الثقافية والبعثات العلمانية، والتعدد والتنوع الفكري والسياسي والحزبي والمذهبي. ولم يُعرف لبنان عبر تاريخه بالمقاومة، اذ لم يكن في الأصل بلداً مقاوماً.

صحيح ان ماضيه الجميل لم يشفع له، ولم يمنع عنه التقاتل، ولم يجنّبه الحروب، لكن حاضره الذي يفاخر به “حزب الله”، اسوأ بكثير مما مضى. فلبنان اليوم منهار مالياً واقتصادياً واجتماعياً واخلاقياً. شعبه بين مهاجر ومهجّر نفسياً، اذا تناسينا نتائج التهجير الذي اصابه زمن الحرب والتداعيات التي تركت ندوبها فيه. ولبنان اليوم معزول عربياً وعالمياً، وقد وُسم بالإرهاب والتهريب. الجامعات فيه تبحث عن تمويل في الخارج، اللهم الا تلك الفطريات التي نشأت حديثاً في الزمن المقاوم، والمدارس في حالة عجز مالي وعجز تربوي وهو الأخطر، والمستشفيات مهدد الكثير منها بالإقفال، ورفوف الصيدليات خالية من الادوية. السياحة في ادنى الدرجات، واسواق بيروت والمدن والقرى خالية من المشترين، حتى ان ماركات عالمية اقفلت فروعها في لبنان. النفايات تملأ الشوارع وتسمم الاجواء براً وبحراً، وتلوث الحياة. ولا يمكن تجاوز العاصمة المفجّرة بنيترات الإهمال أو عمداً، والقضاء صار معطلاً ربطاً بها، وايضا الحكومة.

هل هذا هو النموذج الذي يدعونا الشيخ قاسم للإلتحاق به؟ لعلّ من الضروري لـ”حزب الله” ان يعيد قراءة الواقع، وأن يتعمّق في النموذج اللبناني، لأنه بهذه العقلية لن ينفع معه مؤتمر تأسيسي ولا شيء غيره.