لاجئون سوريون في لبنان: العودة تسليم للموت

خنقته الأوضاع الاقتصادية، وبين الموت جوعاً وبرداً في لبنان والمجازفة بالعودة إلى وطنه سوريا، فضل الخيار الثاني لكن ما كان يخشاه وقع بالفعل، حيث تم توقيفه قبل 25 يوماً في حمص ليواجه مصيراً مجهولاً حتى الآن. هو اللاجئ السوري “محمد”، الذي طلبت عائلته تعريفه باسم مستعار.

تنتظر عائلة “محمد” بفارغ الصبر خبراً يطمئنها عنه بعدما تم توقيفه على حاجز لأمن النظام في حمص، كذلك عن قريبيه العائدين إلى سوريا، حيث داهمت عناصر أمنية منزلهما في بلدة كفرعايا قبل ثلاثة أشهر لتنقطع أخبارهما بشكل كلي.




منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، فرَّ ملايين السوريين من البلاد بحثاً عن ملجأ، توزعوا في أنحاء العالم وكان للبنان نصيبه الكبير من اللجوء بحكم الجوار، وقبل أن يخفت صوت المدافع ويجف نهر دماء الجرحى والضحايا بدأت بعض الأصوات ترتفع في لبنان مطالبة بعودتهم، وحمّلتهم سبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في البلد.

والإثنين، جدد الرئيس اللبناني، ميشال عون، دعوته لعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، وخلال استقباله مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، السفير غير بيدرسون، في قصر بعبدا، أبلغه أن “على المجتمع الدولي ان يتحمل مسؤوليته في تسهيل عودة النازحين السوريين في لبنان إلى بلادهم، لا سيما وأن معظم المناطق السورية أصبحت آمنة، وفي إمكان هؤلاء النازحين العودة إلى أراضيهم ومنازلهم، والعيش فيها بدلا من الاتكال على المساعدات التي تصلهم من المنظمات الدولية”.
“ذاهبون إلى الموت”

“لا يرى الرئيس اللبناني من هموم لبنان ومشاكله سوى وجود اللاجئين السوريين”، بحسب ما قاله المعارض السوري، جورج صبرا، لموقع “الحرة”، مضيفا “لو كان الوضع آمناً في سوريا يجب أن تعلن الأمم المتحدة ذلك، إذ كل المنظمات الانسانية تؤكد أن الأوضاع داخل سوريا ليست آمنة لعودتهم وهناك مدن مدمرة عن بكرة أبيها، وعندما أجبرت السلطات اللبنانية بضع العشرات من اللاجئين على العودة لاقوا مصيرهم في الاعتقال والتعذيب والتحقيقات المرّة”.

واعتبر صبرا أن “لاشك في أن بيدرسون أخبر عون عن الأوضاع في سوريا وفيما إن كانت آمنة بالفعل، فهناك مشروع سياسي تشرف عليه الأمم المتحدة وجميع دول العالم معنية به، ولو خطا خطوة في الاتجاه الصحيح وأصبح البلد آمناً ومهيئاً لاستقبال اللاجئين كان يجب أن تعلن الأمم المتحدة ذلك”.

كلام صبرا سبق أن أكده تقرير منظمة العفو الدولية بعنوان “أنت ذاهب إلى موتك”، الصادر في شهر سبتمبر الماضي، حيث أشار إلى أن “أي حكومة تدعي أن سوريا باتت الآن آمنة هو تجاهل متعمّد للحقيقة المروعة على الأرض”، مستنكرة ما تعرض له العشرات من اللاجئين الذين عادوا أدراجهم إلى سوريا لأشكال عدة من الانتهاكات على أيدي قوات الأمن، بينها الاعتقال التعسفي والتعذيب وحتى الاغتصاب.
بين الشعبوية والمزايدات

نصف الشعب السوري، كما قال صبرا، اضطر للخروج من منزله “نحو 7 إلى 8 ملايين غادروا سوريا ومثلهم نزحوا داخل بلدهم، وهذه ليست قضية صغيرة يمكن أن تتناول بتصريح من هنا وهناك، ومن المؤسف أن تستخدم قضية مؤلمة بطريقة شعبوية من قبل بعض الاتجاهات السياسية المعروفة، والأشد مرارة أن تصل إلى رأس السلطة اللبنانية، الذي يعرف حقائق ما يجري ويعبر عنها بهذه الطريقة”.

من جانبه، وضع عضو كتلة “الجمهورية القوية”، النائب عماد واكيم، كلام رئيس الجمهورية في إطار المزايدات، وقال في اتصال مع موقع “الحرة”: “منذ سنوات ونحن نتطرق إلى الموضوع، مشيرين إلى ضرورة العودة الإنسانية الآمنة ضمن شروط، في حين أن الرئيس عون وتياره يريدان مفاوضة النظام السوري الذي يهرب منه اللاجئون، لكن من هم مؤيدون للنظام ممن يعملون في لبنان ويغادرون إلى سوريا متى شاؤوا، على الأمن العام فرزهم لإعادتهم إلى بلدهم”.

لكن عضو تكتل لبنان القوي، النائب ​إدي معلوف، شدد في حديثه مع موقع “الحرة” على أنه​” قبل أن يصل العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، كان أول من حذر من تداعيات النزوح السوري، لا سيما فيما يتعلق بالعدد الضخم نسبةً لمساحة لبنان والكثافة السكانية فيه، حينها اتهم بالعنصرية من قبل عدة جهات سياسية”.

ويتفهم معلوف استقبال نازحين “لكن ضمن منطق معين، فأوروبا لا يمكنها تحمل مليون و300 ألف نازح، ويُطلَب من لبنان تحمل مليون ونصف المليون”.

عدة أسباب تقف خلف الأزمة الاقتصادية في لبنان، كما قال معلوف، منها “الفساد والضغط الدولي، لكن لا يجب أن نتغاضى أنه بحسب تقارير منظمات دولية تقدر كلفة النزوح السوري على الاقتصاد اللبناني ما بين 40 إلى 50 مليار دولار”.

وأضاف “تم إجهاض المبادرة الروسية، ونحن ندعو أن يتم الاتفاق مع الأمم المتحدة لإنشاء مخيمات داخل الأراضي السورية، عندها من يريد تقديم مساعدات للنازحين فليرسلها إلى هناك”.

من جانبه اعتبر واكيم أنه “حين قصد الرئيس عون روسيا، عام 2019، لبحث ملف اللاجئين، طالبنا بإنشاء مخيمات على الحدود اللبنانية السورية تكون تحت حماية الأمم المتحدة، في وقت يطالب فيه البعض بالعودة من دون خطة واضحة. من هنا على السلطة التنفيذية اللبنانية وضع خططها والتواصل مع المجتمع الدولي لحل الملف، والقيام بما يطلب منها من تعديلات تتناسب مع سيادة واقتصاد لبنان”.
مصير مظلم

وبحسب تحقيق نشرته المديرية العامة للأمن العام اللبناني “بلغ عدد السوريين المغادرين إلى بلادهم عبر الحدود والمستفيدين من التسهيلات التي يقدمها الأمن العام في المعابر الحدودية (العائدون المسجلون أو غير المسجلين بصفة نازح، أو الذين عادوا بشكل فردي أو بواسطة رحلات العودة الطوعية المنظمة) منذ 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 وحتى 29 كانون الأول (ديسمبر) 2019، 341873 مغادراً”.

قبل سنة وشهر حمل “محمد” (32 سنة) مخاوفه وعاد أدراجه مع زوجته وطفليه إلى بلدته القصير بعدما أمضى في لبنان ثماني سنوات، اعتقد أنه بذلك يخفف عن كاهله بدل إيجار البيت ومصاريف عدة، وهو العاجز، كما قال قريبه “أبو طارق” (اسم مستعار)، عن العمل نتيجة إصابته خلال الحرب، مؤكدا أنه “لم يغادر لبنان قبل التأكد من أن لا خدمة إلزامية عليه وأنه غير مطلوب للنظام”.

حاول “محمد” تجنب الابتعاد عن منزله في سوريا، حيث كان يساعد والديه في المزرعة التي يمتلكونها إلى أن اضطر لقصد حمص ليقع ما يخشى منه جميع السوريين، ألا وهو الاعتقال، حيث تفاجأ عند الحاجز وفقا لما قاله أبو طارق “بإبلاغه أنه مطلوب وبحقه مذكرة توقيف تعود إلى سنة 2012، بحسب ما أطلع والديه من خلال اتصال لا نعلم مصدره”.

“محمد” ليس الوحيد من أقرباء “أبو طارق” الذي أوقف عند عودته إلى سوريا، بل يقول: “قبل ثلاثة أشهر تم توقيف ابنيّ عم زوجتي في منزلهما ببلدة كفرعايا، ربما لأن عليهما خدمة احتياط، وكما علمنا نقلا إلى فرع أمني في الشام (دمشق)، إحدى الوساطات عرضت على والديهما دفع 80 مليون ليرة سورية للتدخل وإطلاق سراحهما، لكن حتى لو باعا منزلهما والمزرعة لن يصلا إلى هذا الرقم”.

بين الاتهامات التي توجه إلى العائدين، بحسب تقرير منظمة “العفو الدولية، “الخيانة أو دعم الإرهاب”، وفي بعض الحالات، تم استهداف العائدين لمجرد وجودهم سابقاً في مناطق تحت سيطرة فصائل معارضة.
خوف من المجهول

في شهر أيلول الماضي، أعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن قلقها البالغ إزاء التدهور السريع في الظروف المعيشية للاجئين السوريين في لبنان “فجميع اللاجئين السوريين تقريباً باتوا عاجزين عن توفير الحدّ الأدنى من الإنفاق اللازم لضمان البقاء على قيد الحياة”.

كما “كشفت النتائج الأولية لتقييم جوانب الضعف لدى اللاجئين السوريين في لبنان لعام 2021،عن وضع بائس يُرثى له، إذ أن تسعة من أصل كل 10 لاجئين سوريين لا يزالون يعيشون اليوم في فقر مدقع”، وفقا للمفوضية.

وأكدت المتحدثة باسم ​المفوضية العليا لشؤون اللاجئين​ ​في لبنان، ليزا أبو خالد، لموقع “الحرة” أن “العودة الطوعية إلى الوطن بأمان وكرامة حق أساسي لكل لاجئ، ومعظم اللاجئين السوريين يأملون في العودة إلى بلدهم يوماً ما، إلا أنهم ما زالوا قلقين بسبب مجموعة من العوامل على رأسها السلامة والأمن والسكن والوصول إلى الخدمات الأساسية وسبل العيش”.

وأشارت المتحدثة إلى أن المفوضية “تتابع احتياجات اللاجئين ووجهات نظرهم ومخاوفهم وقراراتهم، سواء قرروا العودة طواعية إلى سوريا أم لا في الوقت الحالي”.

على الرغم من كل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان يرفض “أبو طارق”، الذي يقطن في مدينة طرابلس فكرة العودة إلى وطنه، موضحا السبب بقوله: “في سنة 2012 اعتقل شقيقي من منزله في حي جوبر، من دون أن يكون له علاقة بكل ما دار في سوريا، نقل إلى فرع المخابرات الجوية ومن ثم إلى الأمن العسكري فأمن الدولة وبعدها إلى سجن عدرا إلى أن انتهى به الرحال في سجن صيدنايا، ومن هناك تلقت خالتي سنة 2016 اتصالاً (كون والديّ متوفيين) أطلعت خلاله أنه فارق الحياة وعليها القدوم لأخذ هويته وأغراضه، من دون أن تتسلم جثته”.

اعتنى “أبو طارق” بأولاد شقيقه الأربعة بعد وصولهم إلى لبنان، بعد مقتل والدتهم في الحرب السورية، مؤكدا “على الرغم من كل الظروف الصعبة التي تمر علينا الآن وارتفاع الأسعار بشكل جنوني إلا أني لا أفكر بالعودة أبداً إلى وطني، خوفا على عائلتي في حال اعتقالي”.

كما يرفض اللاجئ محسن، الذي يسكن في منطقة صبرا ويواجه ظروفاً اقتصادية صعبة، العودة إلى سوريا معتبراً أن ذلك “يعني التسليم للموت، من هنا أياً كان الوضع في لبنان أرحم من بطش النظام ووحشيته”.

وقال لموقع “الحرة”: “لا يمكنني تأمين الحليب لطفلي ولا الطعام الصحي لعائلتي، ولا وسائل التدفئة، ومع ذلك لن أجازف بحياتي بالعودة إلى وطني”.
تسلط متعدد الجهات

تشهد سوريا تسلط أكثر من جهة، كما قال الناشط السوري، الشيخ عبد الناصر العسيلي، لموقع “الحرة”، ويضيف “لا نعلم إذا أجرينا تسوية مع النظام ما هو وضعنا مع الروس أو الإيرانيين، إذ لدينا شك من الذي يسيطر على الأرض السورية”.

وأشار إلى أن “هناك من لا علاقة لهم بالثورة ولم يتطرقوا لها بكلمة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع ذلك عند عودتهم عانوا من الملاحقات أو المراجعات الأمنية المخيفة التي تستغرق وقتا يصل إلى شهر وربما أكثر”.

ويقول العسيلي إن من يتم توقيفه في سوريا لا يعلم “فيما إن كان سيخرج حيّاً أو ميّتاً، عاجزاً أو يمكنه السير على أقدامه، أعرف أشخاص عدة عادوا إلى سوريا واعتقلوا، منهم شاب من حماه قصد بلدة (ترانزيت) لتسوية وضعه قبل السفر إلى إحدى الدول الأوروبية، لكن للأسف أوقف في مدينته لينقل بعدها إلى المخابرات الجوية حيث أمضى شهرين ونصف الشهر قبل تحويله الى الجيش النظامي”.

ويتساءل: “”نحن أتينا إلى لبنان لاجئين لكن ماذا عن اللبنانيين الموجودين في سوريا ممن يحملون السلاح، فماذا يفعلون هناك؟”

لكن بحسب معلوف “عاد الهدوء إلى سوريا، كما عاد نازحون من الأردن وتركيا والعراق وحتى من لبنان، وبعد الانفتاح العربي على سوريا من زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى الاتصالات مع السعودية واللقاءات مع المصريين نشدد على ضرورة عودة النازحين”.

وفيما إن كانت سوريا آمنة فعلاً لعودة اللاجئين أكدت ليزا أبو خالد “بسبب الوضع الأمني الذي لا يزال صعباً والقيود الكبيرة على وصول المساعدات الإنسانية في بعض أجزاء سوريا، لا تستطيع المفوضية تقييم الوضع بشكل كامل في جميع المواقع”.

وتضيف “يجب أن تتمتع المفوضية وشركاؤها بحرية الوصول ودون عوائق وبشكل منتظم إلى العائدين في جميع مناطق العودة الحالية أو المستقبلية في جميع أنحاء سوريا، سواء كان العائدون من اللاجئين أو النازحين داخلياً”.

لم يخرج السوريون من بلدهم كونهم “يفتقرون إلى الطعام، فسوريا واسعة بما يكفي وخيراتها كافية لشعبها، كما أنهم لا يعيشون على حساب المواطن اللبناني، هناك جهات دولية أممية تتولى هذا الأمر، هم خرجوا طلباً للأمن والأمان، وألا يجدوه في لبنان فهذا أمر مرّ”، بحسب صبرا، الذي ختم مؤكداً “عندما تبدأ العملية السياسية فعلاً وتصبح الظروف آمنة لن يبقى لاجئ سوري في أي مكان في العالم”.

الحرة