سمير عطا الله

موكب الحبش – سمير عطالله – الشرق الأوسط

عاثت بساحتك الظبى يا دار/ ومحا محاسنك البلى والنار/ أرض تقاذفت النوى بقطينها / وتمخّضت بخرابها الأقدار/ كتبت يد الحدثان في عرصاتها / لا أنت أنت ولا الديار ديار.
ابن خفاجة الأندلسي

كانت للميلاد زمن الأعياد، علاقته وطقوسه. قبل اسابيع منه، تطلّ قطعان ديوك الحبش: مرحة، متباهية، تحرّك رؤوسها الغبية في كل الاتجاهات، كأنها عائدة من انتصارات روما. وعلى الطريق من أول بيروت الى شاطئها الغربي، تنقص أعدادها واحداً واحداً، إذا سمعت ربّات البيوت مناداة صاحب القطيع. أمّا لماذا تبدأ رحلة الذبائح في الاشرفية وليس العكس، فلأن النزول أسهل على البائع وأكثر ربحاً. لا تخسر الديوك الكثير من وزنها، كما في جهد الطلوع.
لم تكن لدى الجميع القدرة على تمضية العيد حول ديك حبش. والسبب ليس سعره فقط، بل كلفة حشوته ايضاً. وهي كما شرح الزميل الساخر عماد موسى، المعروف خلال الموسم “بالشيف عماد”، فستق على بندق على كونياك على مربّى من عند مسعود.




السنة، والحمدلله، الجميع مرتاح. لا ديوك ولا حبش ولا حشوة. ماكسيموم نصف دزينة بيض. أفضل تطبيق للاشتراكية العلمية ونظرية السلم العالمي. يتغير النظام من دون جميلة أحد. كمبوديا الخمير الحمر، على هوشي منه، الذي هزم الاميركيين أفدح هزائمهم. ركبتُ المصعد في باريس مع صبية من أجمل خلق الله. وعليها أناقة ديور وعطر شانيل و”بول أوفر” هيرمس. وسألت هذه التحفة البشرية، بما ترجمته، من وين حضرة الست؟ فقالت من “هوشي منه”. وتقصد الفيتنام. رحلة الاسانسورات سريعة ولا تسمح ببقية الاسئلة. والأسوأ ان الكهرباء لا تنقطع في فرنسا كما تفعل في مستعمراتها السابقة. فقد يكون أجمل انقطاع لأنه يدوم 24 على 24 من دون انقطاع، وبعده يكافأ وزراء ووزيرات الطاقة بمقعد نيابي من نوع “البونوص”. حلوينة.

اشتغل “هوشي منه” محرر الهند الصينية، الفيتنام لاحقاً، طباخاً في فندق الريتز الباريسي. وعمل مساعده، الجنرال “جياب” مدرّساً في الليسيه. وعندما بدأ الحرب على الفرنسيين، قال في نفسه، لماذا عناء التفكير؟ سوف اقرأ نظريات نابوليون. بعد هزيمة أميركا وتوحيد الفيتناميين، جاء الجنرال جياب موفداً إلى بروكسيل العاصمة الاوروبية. وصدف أن كنت هناك، وقرأت في صحيفة “لوسوار” مقابلة من صفحة كاملة (القياس القديم)، مع بطل الحربين على فرنسا وأميركا. هل تعرف ماذا جاء موفد هوشي منه يفعل هنا؟ الجنرال الذي هزم جنرالات فرنسا وأميركا؟ برافو. لقد حزرت، ولك “بونوص” اسوة بخبراء وخبيرات الأربعة وعشرين. رقم الحظ في الروليت، شرط أن تكون مع جاراتها ET VOISINS. إذاً، ماذا جاء الجنرال جياب يفعل هنا؟ جاء يبحث في طرق تطوير السياحة الى بلاده. له أعصاب امرؤ القيس الجنرال جياب. فقد قال شاعرنا “اليوم خمر وغداً أمر”. وعكس جياب، أمس أمر واليوم وغداً خمر.

ربما كانت تحفة الأسانسور التي ورد ذكرها آنفاً (كيف شفت لي، آنفاً) من نتائج جولة جياب في بلاد الاوروبيين. العرق الصيني طويل الأناة (ورأيك بأناة؟) ولا يستعجل الامور. نحن على الأرجح أخذنا “أناتنا” عنهم. والأناة ضد العجلة. وفيها تروٍّ ووقار، كمثل الحكمة الشهيرة “سرعة لا تسرُّع”. وقد طبّقت في الكهرباء. والنتيجة كما ترى. عفواً، كما “لا” يمكن ان ترى. والحكمة الأخرى هنا، عيناً لا تقشع قلباً لا يوجع. خذ مثلاً فتاة هوشي منه. الذين لم يأتهم الحظ في الاسانسور لحظة ركوب بلانش نيج، وصعوده من بعدها طوال النهار، بقيت لهم بقية من عطرها. على الأرجح j’adore.

للذين منا كانوا مختلفين ما بين خيار هونغ كونغ وهوشي منه، روقوا يا اخوان. روقوا. الدخل القومي في بلاد الرجل اصبح نحو 300 مليار دولار. ليس كثيراً نسبياً، لكن البطالة عندهم مثلها في المانيا، والناس غير جائعة. والطريق طويل، لكنه موجود.

كنا نهيىء لك، برغم كل شيء، معايدة: بيروت مدينة الحوار بعدما كانت في العصر الروماني مدينة الشرائع. للأسف تأجل الافتتاح قليلاً بسبب نقص البنزين، وانعدام الكهرباء، وزبّالين ينظفون شوارع المدينة. لكن التصريحات مكتوبة جاهزة في انتظار موعد النشر: مش هالسنة، السنة اللي بعدها. مشي اللي بعدها، بعد اللي بعدها. لا تنسوا: سرعة لا تسرُّع، والعجلة من الشيطان، وبارك الله لكم بالعيد وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرّة. سلام ومسرة. هنا، يا ليل يا عين. ووعد الحر دَين.لا فراغ بعد اليوم. من إلى، عن على.

ذَكَّرنا “الشيف عماد” بترف السنين الماضية. حبش مع حشوته ومَرَقه، ونسي أن نصف الشعب اللبناني يغطّ في المرق ويتحلّى بالتغيير. والعزّ لليرة التركية في مسيرتها الأبية. لكن #الميلاد آتٍ برغم كل شيء. وسوف يحضر الاطفال قداس منتصف الليل لكي يطلبوا من الله الترفق بأقدارهم، ويرفع عن صدورهم كوابيس الليل والنهار، وذلّ الفجر والعصر، وهوان الحاضر والمستقبل.

كان هذا عيد الفرح والحياة والتجدد. العائلات البعيدة تلتقي والنيّات السيئة تستحي، والاشرار يخجلون بشرورهم، والاطفال يبتهجون بالهدايا، والآباء بالأبناء، والاجداد بالأحفاد. لا شيء. لا مسرّة في البشر، لا مذود. والمسيح الكذاب يمشي في الأرض مرحاً، يختال بما حقق من فشل وخواء.

لم يمرّ باللبنانيين عيد فارغ مثل هذا العيد. لا شيء. يحزنون على الماضي ويتألمون بالحاضر وترعبهم فكرة التفكير في المستقبل. كل احتمال هو احتمال مخيف وممضّ وظلم ووقاحة. وكل شيء ظلام وبشاعة وكذب وانعدام الرجاء.

إذاً، كان المطلوب ان تنفر الناس حتى من أحب أعيادها بعدما كفرت بأرضها وسمائها، فقد حصل. ويضاف الى كل هذه الوقاحات قبح اللوائح والانتخابات، والخواء السياسي الرهيب. والأجراس تقرع لجهنم. والشعب العظيم يُعطى جواباً واحداً، اولاً وأخيراً: ما خلّونا…

إذهب وعيِّد في حاويات الزبالة، فهي تملأ بلادك. هاجر. سافر. أو إلى جهنم وبئس المصير. كل هذا شغل يدك، حياكتك. إذا كانت تلك نظرتك الى ارضك فهذا حصادك. إذا كان هذا كل طموحك فهذا جناك: إذا كان هذا مستوى وعيك فإليك ما هو مستوى وعيك.

وكُفّ عن البكاء، وعن التوسل والتنصل. هذه مسؤوليتك وحدك. الجهل ليس ذريعة. العمى ليس ذريعة، ما فعلته بنفسك على مدى كل هذه السنين هو ما فعلته أنت بنفسك. هذا أنت، هذا أنت وحدك. أُعطيتَ أجمل أرض في الأرض فأعطيتها أنكر نكران في الأرض. صدَّقت انك الشعب العظيم وعظمة الشعوب في حبها لأرضها. انت تحب ناحريك، وتتبع ناكريك، وتعبد الكافرين بك، ومحتقريك، ومزدريك، وناهبيك، ومشرّدي أولادك خارج المدارس، وقَتَلَتَك. أنت تنادي بالمسيح وفي سرك تحب يهوذا.

ألم تملّ أعذارك؟ ألا تستحي بخيانتك؟ ألم تتعب من خياراتك التي لا تشبه إلا نفسك؟ ألم تُدرك انهم يمشون في جنازتك وهم يضحكون؟