أسباب تعثر المفاوضات النووية… إليك شرط إيران الأساسي والثمن الذي تقترح تقديمه في المقابل

علقت المفاوضات النووية الإيرانية في مأزق يبدو بلا حل حتى الآن، فالإيرانيون يريدون ضمانات بعدم انسحاب أمريكا مجدداً من الاتفاق، وهو طلب يبدو منطقياً حتى لو كان صعباً، ولكن المشكلة فيما تقترح طهران تقديمه في المقابل.

فبعد الجولة السابعة، والأخيرة، من المحادثات في فيينا، تلك التي استؤنِفَت وسرعان ما أُجِّلَت مرةً أخرى يوم الخميس، 9 ديسمبر/كانون الأول، بدا أن هناك خيبة أملٍ وقليلاً من الغضب بين المفاوضين الأمريكيين والأوروبيين، والروس أيضاً، في ما يتعلَّق بتعنُّت الإيرانيين. ونُقِلَ عن دبلوماسيٍّ قوله بمرارةٍ إنهم يتراجعون عن التفاهمات بينما “يحشدون التنازلات في جيوبهم”، حسبما ورد في تقرير لصحيفة Haaretz الإسرائيلية.




لماذا تتعثر المفاوضات النووية الإيرانية حالياً؟

في وقتٍ مبكِّرٍ من شهر يونيو/حزيران، كانت الشكوك تختمر في واشنطن بشأن النوايا الحقيقية للإيرانيين. هل هم جادون؟ هل هم يماطلون فقط من أجل ترسيخ وضعهم كـ”دولةٍ على أعتاب أن تصبح نووية” ثم يأملون في إعادة التفاوض في غضون عامٍ تقريباً؟

هل يريدون حقاً العودة إلى الاتفاق النووي؟ هل يفهمون ويستعدون لقبول الشروط وفعل ما هو ضروري لتسهيل الاتفاق؟ هل يدركون التداعيات المُحتَمَلة إذا لم يفعلوا ذلك؟

من المهم أن نفهم كيف ترى طهران الظروف المحيطة بالمفاوضات النووية الإيرانية.

المفاوضات النووية الإيرانية
مفاعل بوشهر النووي الإيراني/رويترز

منذ البداية، قالت إيران شيئاً بسيطاً للغاية: لقد التزمنا باتفاقية 2015، والتزمنا بالمراقبة، واحترمنا التفتيش، ولم نحرز أيَّ تقدُّمٍ في برنامجنا النووي. انسحبت الولايات المتحدة من جانبٍ واحد في مايو/أيَّار 2018 دون سببٍ أو مبرِّرٍ، واستخدمت ذريعة أن ذلك كان “اتفاقاً سيئاً، وسياساتكم الإقليمية غير مقبولة”، ثم أعادت فرض عقوباتٍ قاسية على الشعب الإيراني.

أولاً، يجادل الإيرانيون بأن الأمريكيين وقَّعوا على الاتفاق بالفعل. وثانياً، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم ينتهك الإيرانيون الاتفاقية. والدليل المُفتَرَض الذي توصَّلَت إليه إسرائيل في عاميّ 2017 و2018 يتعلَّق ببيانات ما قبل العام 2015. وفي الواقع، منذ العام 2003، قام الإيرانيون بتقليص التطوير العسكري النووي. ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تقول ذلك بالفعل.

ثالثاً، يزعم الإيرانيون أن السياسات الإقليمية لبلادهم لا تختلف عن سعي الدول الأخرى لتحقيق مصالحها. وعلى كلِّ حال، فإن الاتفاق النووي يقتصر على الملف النووي، وليس ما يفعله الإيرانيون أو لا يفعلونه في العراق واليمن وسوريا ولبنان.

لذا، إذا كانت هناك نيةٌ للعودة إلى اتفاقيةٍ مُعدَّلة، فإن الإيرانيين يقولون إن الشرط الطبيعي الأساسي هو رفع العقوبات، والسماح للإيرانيين بالوصول إلى 100 مليار دولار من الأموال والأصول، ومن ثم يمكن البدء في التفاوض.

في المقابل، لا تقدِّم إيران شيئاً جوهرياً في مقابل هذه الطلبات، حسب الصحيفة الإسرائيلية.

الكونغرس لن يقبل برفع العقوبات المتعلقة بالإرهاب

لو سارَعَ الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى اتفاق، حيث اتَّهمَ زوراً في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، لكان قد رَفَعَ بعض العقوبات كإجراءٍ لبناء الثقة ثم دَخَلَ في المفاوضات.

لكن من الواضح أن إيران تدَّعي أن هذه ليست أولويةً أمريكية، فلماذا عليهم التنازل في هذه المرحلة؟

علاوة على ذلك، فإن العديد من العقوبات، البالغة 1200 عقوبة، التي فُرِضَت على إيران بعد مايو/أيَّار 2018، تنبع من قوانين الإرهاب، مِمَّا يعني أن الكونغرس بحاجةٍ إلى رفعها بدلاً من إصدار بايدن أمراً تنفيذياً رئاسياً.

لن يغرق الرئيس الأمريكي في مواجهةٍ غير ضرورية مع الكونغرس. هذه ليست أولويةً رئيسية، وإيران تعرف ذلك.

طهران تريد ضمانات بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي مجدداً

إذاً ما هي مطالب إيران الآن؟ بصرف النظر عن رفع العقوبات والعودة إلى الوضع السابق على 2017، تريد إيران تأكيداتٍ بأن إدارةً مختلفةً في عام 2025 لن تعيد فرض عقوبات. هذا مهمٌّ بشكلٍ خاص في قطاع النفط الإيراني، حيث العقود طويلة الأجل التي تتطلَّب قدرةً على التنبؤ. وينطبق الأمر نفسه على الاستثمار الأجنبي، إذ لن يتحقَّق بالفعل إذ ظلَّ شبح تجديد العقوبات في السنوات القليلة المقبلة قائماً.

تطالب إيران بشكلٍ أساسي بالضمانات وإمكانية التنبؤ. إنها تريد فكَّ تجميد ما بين 20 و30 مليار دولار. في المقابل، لا تَعِد إيران في المقابل بأيِّ شيءٍ في هذه المرحلة سوى استعدادٍ غامضٍ لإيقاف التقدُّم النووي الكبير الذي أُحرِزَ منذ أن بدأت في انتهاك الاتفاقية في يونيو/حزيران 2019.

لماذا يبدو الإيرانيون غير قلقين من تشديد العقوبات الأمريكية؟

تؤكِّد الحسابات الاستراتيجية أيضاً على موقف الإيرانيين. إنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تمارس ضغوطاً اقتصادية أكثر مِمَّا تمارس بالفعل. ولقد صمد الإيرانيون في وجه الضغط، حسب  الصحيفة الإسرائيلية.

يُنظَر إلى رفع العقوبات على أنه علاجٌ لجميع مشكلات إيران الاقتصادية والسياسية. هذا هو الأساس للافتراض بأن إيران لن يكون أمامها خيارٌ سوى العودة إلى الاتفاق النووي وأن الصعوبات والتأخير والتهديدات هي جزءٌ من المفاوضات- وليست استراتيجيةً للعب من أجل كسب الوقت لتحديث برنامجها النووي- في الوقت نفسه.

ومنذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، وفرضه عقوبات صارمة على إيران، تعرضت البلاد لحصار فعلي، ولكن غير معلن من جانب الكتل الرئيسية في العالم، فحتى الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق النووي والصين تتجنب شركاتها التعامل مع إيران؛ خوفاً من استهدافها بالعقوبات الأمريكية.

لكن ما حدث جاء مخالفاً للهدف من هذه العقوبات الأمريكية، فقد أطلقت إيران حملة مقاومة قصوى سرَّعت فيها من خطوات برنامجها النووي وصدَّرت مزيداً من الاضطرابات إلى دول المنطقة. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من موجة الضغط الاقتصادي التي لم نشهد لها مثيلاً منذ الحرب الإيرانية العراقية، لم يشهد الاقتصاد الإيراني الانهيارَ المتوقع.

فالاقتصاد الإيراني بدا أنه يتكيف جزئياً مع العقوبات، إذ تعيد قطاعاتٌ واسعة من الاقتصاد الإيراني تنظيم نفسها استجابةً لأكثر من عامين من العقوبات الأمريكية، تعمل الشركات الإيرانية بصورةٍ متزايدة على إنتاج أنواع البضائع التي كانت إيران تستوردها منذ فترةٍ طويلةٍ من الخارج، في حين تلجأ الشركات الأصغر والمتنامية إلى التوظيف، حسبما ورد في تقرير لصحيفة Wall Street Journal الأمريكية.

ولا شك في أن إيران شهدت بالفعل العديد من التحديات التي شملت التراجعات المتعددة في قيمة العملة، والاحتجاجات التي قمعها النظام بوحشية في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 على ارتفاع الأسعار، ومقتل قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وإسقاط الطائرة الأوكرانية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.

ولكن إيران رغم المعاناة، نجت من الانهيار الذي كان يتوقعه البعض جراء العقوبات الأمريكية، وهذا ما يعطيها ورقة قوة في المفاوضات النووية.

إنهم يراهنون على الصين، فهل تصدق توقعاتهم؟

وحتى إذا نُفِّذَت المزيد من العقوبات الأمريكية، فإن بعضاً منها، كما تأمل طهران، سيُعوَّض في “شراكةٍ استراتيجيةٍ” مع الصين. قد يكون الإيرانيون مخطئين للغاية في هذا الأمر، وقد يبالغون بشكلٍ خطير في إحساسهم بالقوة أو بالثقة في الصين، لكن سلوكهم يوحي بأن هذا هو ما يفكِّرون فيه.

يشير مقالٌ آخر نشرته صحيفة Haaretz الإسرائيلية إلى أن ماجد رضا الحريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية الصينية المشتركة قد تحدَّثَ عن الخوف عن الاعتماد الكامل على الصين.

وقال: “للعقوبات تأثيرٌ كبيرٌ على العلاقات التجارية بين إيران والصين”. وأضاف: “في ظلِّ نظام العقوبات نحن في وضعٍ ضعيف عندما يتعلَّق الأمر بالمفاوضات التجارية مع بكين”.

وقال الحريري: “لا تعمل العديد من الشركات الصينية والدولية معنا بسهولةٍ بسبب اعتبارات العقوبات. بالتأكيد لدينا مشكلةٌ في زيادة الاستثمارات مع الصين وتطوير المشاريع المشتركة. تتاجر الشركات الصينية بما يزيد عن 2.4 تريليون دولار حول العالم، وتشتري الصين بنفس المبلغ. ومن البديهي أن مثل هذه الشركات لن ترغب في المخاطرة.. يجب أن تُظهِر أنها لا تتعاون مع إيران لتجنُّب التعرُّض للعقوبات هي نفسها”.

الرئيس الصيني شي جين بينغ مع الرئيس السابق حسن روحاني/رويترز

وقال الحريري إنه حتى ما قبل ثماني سنوات، كانت إيران أكبر شريكٍ تجاري للصين في الشرق الأوسط. والآن تحلُّ في المرتبة الخامسة بعد صدارة المملكة السعودية والإمارات وغيرهما. وأضاف: “وضعنا يضعف يومياً.. لأنه عندما نغيب عن الساحة التجارية الدولية للطاقة، يحلُّ منافسونا في المنطقة الجنوبية من الخليج مكاننا، وعندما يبيعون المزيد من النفط للصين، يكونون مضطرين لشراء المزيد من البضائع منها”.

لكن الحريري ليس الوحيد الذي يفهم خطورة الاعتماد على الصين. قد يعرف الحريري أكثر من أيِّ شخصٍ كيف تتعامل الصين مع المحادثات النووية وإلى أي مدى يفهم النظام الإيراني، أو يرفض أن يفهم، ثمن هذا الاعتماد. وعندما يتحدَّث الحريري مع وسائل الإعلام الرئيسية في إيران، فإنه يحاول إقناع قيادة الدولة- حتى مع المخاطرة بمخالفة الخطِّ الرسمي بأن إيران يمكن أن تستمر في “اقتصاد المقاومة”. بعبارةٍ أخرى، تشديد الحزام بصورةٍ أكبر، وخفض الدعم، وغير ذلك من إجراءات الركود الأخرى.

يعرف الحريري كلَّ شيءٍ عن تضاؤل نطاق التجارة مع الصين وارتباطها بالعلاقة بين بكين وواشنطن. في هذه المرحلة، يحاول بايدن إقناع الصين بالضغط على إيران لتسريع المفاوضات. لكن إذا قرَّرَ التحوُّل وإضافة إلى ذلك التهديد بالعقوبات، فلن يكون لدى إيران أيُّ ضماناتٍ بأن الصين لن تضحي بها من أجل علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ستكافح إيران، التي تبيع للصين حوالي نصف برميل من النفط يومياً، من أجل الحفاظ على اقتصادها وخدماتها العامة بدون هذا الدخل.

كما أنهم قد يوسعون عمليات التخصيب

على الجانب الآخر، يقدر الإيرانيون على ممارسة المزيد من الضغط من خلال المزيد من التقدُّم في البرنامج النووي، والاستخدام الموسَّع لأجهزة الطرد المركزي IR-6 and IR-8 والمزيد من اليورانيوم المُخصَّب. وتعتقد إسرائيل أنهم يقومون بالاستعدادات الضرورية- وإن لم تكن هناك إجراءاتٌ ملموسة- لإنتاج يورانيوم من الدرجة العسكرية مُخصَّب بنسبة 90%. كلُّ هذا يمكن أن يتم دون تجاوز العتبة النووية. وتعتقد إيران أن هذا سيفرض تقديم المزيد من التنازلات على الولايات المتحدة.

وعدم التوصُّل إلى اتفاقٍ لا يعني اندلاع حربٍ عسكرية بصورةٍ حتمية، لا مع الولايات المتحدة ولا مع إسرائيل، رغم التهديدات الصريحة والضمنية.

في أعماقها، تبدو مواقف إسرائيل متناقضة، فهي لا تعارض بالكامل مع أيِّ اتفاق. ويمكن القول إن الاتفاق الذي قد تعارضه إسرائيل بشدة هو نتيجةٌ أفضل بالنسبة لها من عدم وجود اتفاق على الإطلاق، حسب الصحيفة الإسرائيلية.

قال مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وليام بيرنز، يوم الإثنين 6 ديسمبر/كانون الأول، في اجتماع مجلس الرؤساء التنفيذيين في صحيفة Wall Street Journal الأمريكية، إنه لا يوجد دليلٌ على أن إيران قرَّرَت تسليح قدرتها النووية.

تقول Haaretz “يكشف هذا عن فجوةٍ في التصوُّر بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ يمكن للولايات المتحدة أن تعيش مع إيران حين تصبح (دولة تتجاوز العتبة النووية)، بينما تدَّعي إسرائيل أنها لا تستطيع ذلك ولكنها قد تضطر إلى ذلك. إنها معضلةٌ شائكة تتطلَّب من إسرائيل إعادة النظر في سياساتها، وهي أيضاً جزءٌ من تكتيكات إيران التفاوضية”.