“أنا ميت هنا”.. شاب لبناني يروي تجربة للهجرة بالبحر انتهت بالفشل والدموع

كان زياد حلوة يعلم أن عائلته قد تموت في الطريق إلى شواطىء أوروبا لبداية جديدة مع زوجته وأطفاله الثلاثة بعيدا عن الإذلال اليومي للحياة في لبنان، وفق ما يقول.

الانهيار الاقتصادي في البلاد دمره. ويعني انهيار العملة أن قيمة راتبه من العمل في شركة أمن خاصة انخفضت من 650 دولارا شهريا إلى حوالي 50 دولارا بعد أن فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90٪ من قيمتها في أقل من عامين. ولم يعد الشاب البالغ من العمر 22 عاما قادرا على تحمل تكاليف الحليب والحفاضات لأطفاله.




لكن آمال الشاب في مستقبل أفضل تحطمت الشهر الماضي، عندما تعطل القارب الذي كان على متنه رفقة عائلته متجهين إلى إيطاليا، إذ بعد ساعات من انطلاق القارب، وعلى متنه عشرات المهاجرين، من ضواحي مدينة طرابلس الساحلية اللبنانية. سحبتهم البحرية إلى الشاطئ.

ولسنوات، كان لبنان مضيفا للاجئين، معظمهم من سوريا، لكنه الآن تحول إلى نقطة انطلاق المهاجرين. وحاول مئات اللبنانيين الوصول إلى أوروبا هذا العام على متن قوارب من شواطئ بلادهم، بسبب الأزمة الاقتصادية المدمرة التي وضعت منذ أكتوبر 2019 ثلثي سكان لبنان في براثن الفقر.

وقالت ليزا أبو خالد، المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن عمليات الهجرة عبر البحر من لبنان شهدت ارتفاعا في عام 2020، مقارنة بالسنوات السابقة.

ووفقا لأرقام المفوضية، انطلق أكثر من 1,570 شخصا أو حاولوا الخروج من لبنان بين يناير ونوفمبر، وتوجه معظمهم إلى قبرص. وكان معظمهم من السوريين، لكن عددا ملحوظا من اللبنانين انضموا إليهم، وفق ما تقول أبو خالد.

وتقول أبو خالد “من الواضح أن هذه رحلات يائسة يقوم بها أناس لا يرون فرصا للعيش في لبنان.

وتشهد البلاد مزيجا من أزمات متعددة: عدم الاستقرار السياسي، ووباء فيروس كورونا، و انفجار مرفأ بيروت، كل ذلك زاد من حدة الانهيار المالي للبلاد.

وكان يأس حلوة يزداد كل يوم، ولأشهر استنجد بأقاربه وأصدقائه لمساعدته ماليا، ولكن عندما سمع أن المهربين ينقلون الناس إلى أوروبا، قرر رفقة صديق له، يدعى بلال موسى، خوض التجربة.

وقرر الشاب اللبناني الهجرة رفقة زوجته وأطفاله، فيما خطط صديقه للهجرة وحيدا على أمل أن يجلب عائلته أيضا بعد الاستقرار في أوروبا.

باع حلوة شقته وسيارته واقترض بعض المال من أقاربه لتأمين المبلغ المطلوب من المهربين والمحدد في 4000 دولار لشخص بالغ و 2000 دولار للأطفال، وخفض له المهرب الثمن من 14 ألف دولار إلى 10 ألف دولار فقط.

ويقول حلوة “أنا ميت هنا وقد أموت في الطريق. ولكن إذا وصلت إلى وجهتي، يمكنني أن أعيش حياة كريمة”.

طلب منهم المهرب أن يلتقوا في موقع قريب من نهر أبو علي في طرابلس قبيل منتصف ليل الجمعة 19 نوفمبر، وأخبرهم أنهم سيكونون برفقة 70 شخصا على متن القارب، وعند وصولهم إلى مكان التجمع نقلوا في شاحنة إلى القلمون جنوب طرابلس.

وبعد وصولهم، نقلوا على متن قارب خشبي حوالي منتصف الليل، وبدل 70 شخصا كان هناك 92 شخصا بينهم حوالي 24 لاجئا من سوريا وفلسطين.

وبعد إبحار القارب سرعان ما اقتربت منه سفينة تابعة للبحرية اللبنانية وأمرته بالعودة لكن القبطان تجاهل ذلك ما دفع سفينة البحرية إلى الدوران حول القارب ما تسبب له في هزات وتسرب المياه إليه.

وحاول المهاجرون تحقيق توازن للقارب، وكانت زوجة حلوة وأطفاله يجلسون قرب المحرك وبعد تسرب الدخان إلى القارب، توقف تنفس الابن كريم البالغ من العمر 3 أشهر وكاد أن يختنق، وفق ما يقول والده.

وتمكن القارب من مغادرة المياه الإقليمية للبنان فارا من سفينة البحرية اللبنانية، وقال حلوة إنه أحس آنذاك بسعادة كبيرة لأنه “تجاوز خط الإذلال” وعانق زوجته وأطفاله احتفالا.

لكن احتفال المتواجدين على القارب لم يدم طويلا، إذ تعطل المحرك، ما دفعهم إلى الاتصال بأهاليهم في لبنان ليطلبوا من الجيش إنقاذهم.

وبعد ساعات، وصلت البحرية اللبنانية أخيرا وسحبت القارب إلى الخلف.

وقال حلوة: “بمجرد توقف القارب، شعرت بأني مدمر وعندما عدنا انهمرت الدموع من عيني.”

وبعد العودة إلى طرابلس، فصل الرجال عن النساء والأطفال واستجوبوا لساعات. وقال حلوة إن المهرب لا يزال رهن الاحتجاز.

وفقدت العائلة شقتها وسيارتها وفقد حلوة وظيفته، لكنه تعهد بأنه سيواصل المحاولة للوصول إلى أوروبا حتى إن كان ذلك ينطوي على خطر تعريض حياته وحياة أطفاله للخطر.